أطلق مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار، المعروف اختصارا باسم “كايسيد”، ورقة سياسات جديدة بعنوان “الإعلام من أجل السلام: بناء جسور السلام عبر الحوار بين أتباع الأديان”، دعا من خلالها المؤسسات الإعلامية حول العالم إلى إدماج بناء السلام ضمن مسؤولياتها التحريرية الأساسية، معتبرا أن وسائل الإعلام تمتلك قدرة كبيرة وغير مستغلة بالشكل الكافي لتعزيز التماسك الاجتماعي ومواجهة الاستقطاب والانقسامات المتنامية.
وأوضح المركز أن هذه الورقة تأتي في وقت يشهد فيه العالم تصاعدا في النزاعات والتوترات الاجتماعية والسياسية والدينية، حيث يسعى كايسيد من خلالها إلى إعادة طرح سؤال محوري يتعلق بدور الصحفيين في صناعة السلام، والانتقال من الاكتفاء بتغطية النزاعات إلى الإسهام في بناء جسور الحوار والتفاهم بين المجتمعات المختلفة.
واستندت الورقة، التي أعدها برنامج المنطقة العربية بالمركز، إلى أبحاث ومقابلات مع خبراء وتجارب ميدانية، من أجل استكشاف الإمكانات التي يمكن أن يوفرها الإعلام في دعم ثقافة الحوار والتعايش. ورغم أن الدراسة انطلقت من تجارب المنطقة العربية، فإن توصياتها ونتائجها تستهدف المؤسسات الإعلامية وصناع القرار ومنظمات المجتمع المدني على المستوى الدولي.
إنجازات للحوار لا تصل إلى الجمهور
لعل البارز في الورقة أنها سجلت وجود فجوة بين الإنجازات التي تحققت خلال العقود الماضية في مجال الحوار بين أتباع الأديان وبين مستوى حضورها في التغطيات الإعلامية.
وأشارت الورقة التي اطلعت عليها جريدة “العمق”، إلى أن المنطقة العربية شهدت مبادرات ومحطات بارزة من بينها تأسيس كايسيد سنة 2012، وإعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك سنة 2017، ووثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها البابا فرنسيس وشيخ الأزهر سنة 2019.
ورغم هذه المبادرات، ترى الورقة أن السرديات الإعلامية السائدة ما تزال تمنح الأولوية للأزمات والصراعات والإثارة على حساب قصص التعايش والتعاون، الأمر الذي يحرم الرأي العام من الاطلاع على نماذج ناجحة في بناء السلام، ويضعف القاعدة المجتمعية الداعمة لهذه الجهود.
في هذا السياق، أوضحت مايا سكر، مسؤولة برامج كايسيد في المنطقة العربية، أن الإعلام يمتلك قدرة كبيرة على إعادة تشكيل فهم المجتمعات للتنوع الديني والثقافي وقيم التعايش، غير أن هذه القوة “لا تزال غير مستغلة بالشكل المنظم”.
واعتبرت مايا سكر أن الورقة تمثل دعوة مفتوحة للصحفيين والمحررين والمؤسسات الدينية وصناع السياسات من أجل بناء شراكة جديدة تجعل السلام والتعددية في صلب الرسالة الإعلامية، وفق تعبيرها.
ثلاثة أدوار رئيسية للإعلام
حددت الورقة ثلاثة أدوار أساسية يمكن أن تضطلع بها وسائل الإعلام للمساهمة في بناء السلام وتعزيز الحوار بين أتباع الأديان.
ويتعلق الدور الأول بتبسيط المفاهيم وإضفاء البعد الإنساني عليها، من خلال تحويل النقاشات اللاهوتية والفكرية المعقدة إلى مضامين قريبة من الجمهور عبر السرد القصصي والمحتوى الرقمي واللغة المبسطة، بما يجعل قيم التعايش والتسامح أكثر حضورا في الحياة اليومية.
أما الدور الثاني فيتمثل في بناء الجسور بين الفئات المختلفة داخل المجتمع، عبر توفير فضاءات للحوار المسؤول، وإعطاء الكلمة للقيادات الدينية المعتدلة، والتصدي لخطابات الكراهية والتطرف من خلال نشر رسائل الاحترام المتبادل وتعزيز الفهم المشترك.
في حين يتمثل الدور الثالث في تسليط الضوء على المبادرات المحلية والإقليمية والدولية الناجحة في مجال الحوار والتعايش، بما يساعد على توسيع أثرها وتشجيع مجتمعات أخرى على الاستفادة من تجاربها.
الصحفيون شركاء في بناء السلام
في هذا الصدد، شدد وسيم حداد، مدير برامج كايسيد في المنطقة العربية، على أن جهود بناء السلام لا ينبغي أن تبقى حبيسة المؤتمرات والوثائق الرسمية، بل يجب أن تصل إلى الجمهور من خلال قصص صحفية دقيقة وأخلاقية مرتبطة بواقع الناس.
وأوضح أن الورقة تنظر إلى الصحفيين باعتبارهم شركاء أساسيين في هذه العملية، قائلا إنهم “ليسوا مجرد مراقبين للنزاعات، بل فاعلون يساعدون المجتمعات على الفهم المتبادل وتحدي السرديات الضارة وإفساح المجال أمام التعايش”.
ويشير مركز كايسيد إلى أن ورقة السياسات الجديدة تأتي في إطار جهود أوسع يقودها المركز لتعزيز دور الإعلام في دعم التماسك الاجتماعي، من خلال عدد من البرامج والمبادرات الميدانية.
وفي مقدمة هذه المبادرات يبرز برنامج “زمالة الصحافة للحوار”، الذي يهدف إلى تزويد الصحفيين في المنطقة العربية بالمهارات اللازمة لتغطية قضايا التنوع الديني والثقافي بمهنية وحساسية عالية، إلى جانب برنامج الزمالة الدولية الذي درب أكثر من 550 مشاركا من أكثر من 90 دولة، وبرنامج “وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للحوار” الهادف إلى مكافحة خطاب الكراهية وتعزيز ثقافة الحوار عبر المنصات الرقمية.
كما أوضح المركز أن هذه الورقة جاءت ثمرة تعاون مع منصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في العالم العربي، واستفادت من مخرجات اللقاء الذي احتضنته عمان خلال أبريل 2025 بمشاركة صحفيين وخبراء في الحوار الديني.
دعوة لتحالف واسع
ولم تقتصر توصيات الورقة على المؤسسات الإعلامية فقط، بل دعت أيضا المؤسسات الدينية إلى تطوير قدراتها الاتصالية والإعلامية، وحثت الحكومات ومنظمات المجتمع المدني على دعم سياسات إعلامية تشجع الصحافة الأخلاقية الموجهة نحو بناء السلام.
كما شددت على أهمية إقامة شراكات مستدامة بين الإعلاميين والقيادات الدينية والمجتمعات المحلية، بما يساهم في ترسيخ قيم التعايش والاحترام المتبادل داخل الفضاء العام.
وترى الورقة أن الصحافة، عندما تلتزم بالمعايير المهنية والأخلاقية في تناول قضايا التنوع الديني والثقافي، يمكن أن تتحول إلى أداة فاعلة لتمكين المواطنين وتعزيز قوة المجتمعات والإسهام في بناء سلام مستدام، معتبرة أن الوقت قد حان للاستفادة من الإمكانات الكامنة للإعلام في دعم ثقافة الحوار والتعايش على نطاق أوسع.