وجهة نظر

المساطر المرجعية في ظل قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23: بين ضرورات مكافحة الجريمة وضمانات المحاكمة العادلة

يشكل قانون المسطرة الجنائية الركيزة الإجرائية الأساسية التي تستند إليها الدولة في ممارسة وظيفتها العقابية، باعتباره الأداة القانونية التي تنظم كيفية الانتقال من مجرد الاشتباه في ارتكاب الجريمة إلى مرحلة البحث والتحري والمتابعة والتحقيق والمحاكمة والتنفيذ. وإذا كان القانون الجنائي الموضوعي يحدد الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة لها، فإن قانون المسطرة الجنائية يحدد الكيفية التي يتم بها إثبات تلك الأفعال وتقرير المسؤولية الجنائية بشأنها، وهو ما يجعل منه قانونا للضمانات بقدر ما هو قانون للزجر، وقانونا لحماية الحريات بقدر ما هو قانون لمكافحة الجريمة.

لقد أفرز التطور الذي عرفته الدولة القانونية الحديثة تحولا عميقا في النظرة إلى العدالة الجنائية، فلم يعد نجاح السياسة الجنائية يقاس فقط بعدد المتابعات أو الأحكام الصادرة أو بمدى التشدد في مواجهة السلوك الإجرامي، وإنما أصبح يقاس كذلك بمدى احترام الضمانات الإجرائية، ومدى صيانة الحقوق والحريات الأساسية، ومدى التوفيق بين متطلبات الأمن العام ومقتضيات الشرعية الدستورية. ومن هنا برزت أهمية مفاهيم جديدة أصبحت تؤطر النقاش الجنائي المعاصر، من قبيل الحكامة الجنائية، والأمن القانوني، والأمن القضائي، وجودة العدالة، والنجاعة القضائية، وشرعية الدليل، ومبدأ التناسب، وقرينة البراءة، والمساواة أمام القضاء.

وفي هذا السياق تبرز المساطر المرجعية باعتبارها إحدى أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل منظومة العدالة الجنائية المغربية، ليس فقط بسبب آثارها العملية المباشرة على حرية الأفراد، وإنما أيضا بسبب ارتباطها الوثيق بعدد من المبادئ الدستورية والقانونية المؤطرة للمحاكمة العادلة. فالمسطرة المرجعية، في معناها العملي، تقوم على فتح بحث أو متابعة في مواجهة شخص بناء على تصريح صادر عن متهم أو مشتبه فيه أو شخص موضوع للبحث، يربط ذلك الشخص بأفعال إجرامية معينة أو ينسب إليه المشاركة أو المساهمة فيها.

ولسنوات طويلة ظلت هذه الممارسة حاضرة بقوة داخل الواقع القضائي، رغم غياب تنظيم تشريعي صريح لها، وهو ما خلق نقاشا واسعا حول مدى انسجامها مع مبدأ الشرعية الإجرائية الذي يقضي بأن كل إجراء يمس بحرية الأفراد أو مراكزهم القانونية يجب أن يجد أساسه في نص قانوني واضح ومحدد. فالدستور المغربي عندما نص في الفصل 23 على أنه لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون، إنما كان يؤسس لفلسفة قانونية تجعل الشرعية الإجرائية ضمانة موازية للشرعية الموضوعية.

ومن هنا تبرز أهمية المستجدات التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، الذي حاول وضع إطار قانوني أكثر وضوحا للتعامل مع التصريحات الصادرة عن متهم في مواجهة متهم آخر، وذلك من خلال عدم الاعتداد بها كوسيلة مستقلة وكافية للإدانة إلا إذا كانت مدعمة بقرائن قوية ومتناسقة ومنسجمة تسمح للمحكمة بتكوين اقتناعها على أسس موضوعية وقانونية سليمة.

ويعكس هذا التوجه التشريعي فهما متقدما لطبيعة الإثبات الجنائي، لأن الجريمة ليست مجرد واقعة مادية، وإنما هي واقعة قانونية تستوجب إثباتا قانونيا يحترم الضمانات الدستورية. ولذلك فإن حرية الإثبات التي كرسها المشرع المغربي لا تعني إطلاق يد سلطة الاتهام في الاعتماد على أي عنصر كيفما كانت قيمته، وإنما تعني إمكانية الاستفادة من مختلف وسائل الإثبات المشروعة مع خضوعها جميعا لرقابة القضاء وللسلطة التقديرية المبنية على التعليل.

ومن هذا المنطلق فإن التصريحات المرجعية لا يمكن النظر إليها باعتبارها دليلا كاملا، وإنما باعتبارها مجرد معطى أولي أو مؤشر استدلالي يمكن أن يشكل نقطة انطلاق للبحث والتحري، دون أن يرقى بمفرده إلى مستوى الدليل القاطع. فالمتهم بطبيعته القانونية طرف في الخصومة الجنائية، وله مصلحة مباشرة في مآل الدعوى، وقد تكون تصريحاته مدفوعة بالرغبة في الانتقام أو تصفية الحسابات أو التخفيف من مسؤوليته أو محاولة توزيع المسؤولية على أطراف أخرى. ولذلك فإن الحكامة الجنائية الرشيدة تقتضي التعامل مع هذا النوع من التصريحات بمنطق الحذر القانوني وليس بمنطق التسليم المطلق.

وإذا كانت الحكامة في مفهومها العام تعني مجموع الآليات والوسائل التي تضمن التدبير الجيد والشفاف والفعال للمؤسسات والسلطات العمومية، فإن الحكامة الجنائية تعني حسن تدبير العدالة الجنائية من خلال تحقيق التوازن بين حماية المجتمع من الجريمة وصيانة الحقوق والحريات الفردية. وهي تقوم على مبادئ أساسية من بينها الشفافية، والمساءلة، والنجاعة، والفعالية، والشرعية، واحترام الحقوق الأساسية، وجودة القرارات القضائية.

ومن مظاهر الحكامة الجنائية في موضوع المساطر المرجعية عدم الاكتفاء بمجرد التصريحات المجردة، وإنما إخضاعها لمراقبة دقيقة من طرف مختلف المتدخلين في الدعوى العمومية. فالضابطة القضائية مطالبة بالبحث عن عناصر موضوعية تؤكد أو تنفي صحة التصريحات المدلى بها، والنيابة العامة مطالبة بممارسة سلطتها التقديرية وفق منطق الملاءمة القانونية وليس وفق منطق الاتهام الآلي، وقضاء التحقيق مطالب بإجراء تحقيق معمق كلما اقتضت ظروف القضية ذلك، بينما تظل المحكمة الجهة الوحيدة المخول لها تكوين الاقتناع النهائي بشأن قيمة الدليل.

ويكتسي دور النيابة العامة أهمية خاصة في هذا المجال، باعتبارها صاحبة الدعوى العمومية والساهرة على تطبيق القانون وحماية النظام العام والحقوق والحريات. فالنيابة العامة ليست جهازا للاتهام فقط، وإنما مؤسسة دستورية وقانونية تسهر على تحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع ومصلحة الأفراد. ولذلك فإن الحكامة الجنائية تقتضي أن تمارس النيابة العامة سلطتها في تحريك الدعوى العمومية بناء على معايير موضوعية تستند إلى جدية الأدلة وكفايتها، لا إلى مجرد وجود تصريح مجرد لم تدعمه أية قرائن أو مؤشرات مستقلة.

كما أن لقضاء التحقيق دورا محوريا في حماية المشروعية الإجرائية وضمان حقوق الدفاع، لأنه يشكل مرحلة وسطى بين الاتهام والحكم، تسمح بإعادة فحص الأدلة والقرائن والمعطيات المتوفرة. فقاضي التحقيق لا يقتصر دوره على جمع الأدلة المؤيدة للاتهام، وإنما يبحث كذلك عن الأدلة النافية له، وهو ما يجعل منه إحدى أهم الضمانات المؤسسية لحماية قرينة البراءة ومنع المتابعات غير المؤسسة على أسس قانونية سليمة.

ويرتبط موضوع المساطر المرجعية كذلك بمفهومي الأمن القانوني والأمن القضائي، وهما مفهومان كثيرا ما يتم الخلط بينهما رغم اختلافهما من حيث المضمون والوظيفة. فالأمن القانوني يقصد به استقرار القواعد القانونية ووضوحها وقابليتها للتوقع، بحيث يكون الأفراد قادرين على معرفة حقوقهم والتزاماتهم مسبقا دون غموض أو تناقض. أما الأمن القضائي فيقصد به استقرار الاجتهادات القضائية وتوحيد تفسير النصوص القانونية وضمان صدور الأحكام وفق معايير متجانسة تحقق المساواة بين المتقاضين.

وبالرجوع إلى المساطر المرجعية يتبين أن غياب التأطير القانوني الصريح لها خلال فترات سابقة كان يهدد الأمن القانوني بسبب عدم وضوح مركزها داخل المنظومة الجنائية، كما كان يؤثر على الأمن القضائي نتيجة اختلاف مواقف المحاكم بشأن قيمتها الإثباتية وحدود الاعتماد عليها. لذلك فإن تدخل المشرع لتنظيم هذه المسألة يساهم في تعزيز الاستقرار القانوني والقضائي ويقلص من هامش التباين في التطبيق.

كما أن موضوع المساطر المرجعية يرتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ قرينة البراءة الذي يعد حجر الزاوية في العدالة الجنائية الحديثة. فقرينة البراءة ليست مجرد قاعدة إجرائية، وإنما هي مركز قانوني يتمتع به كل شخص منذ لحظة الاشتباه فيه إلى غاية صدور حكم نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به. ويترتب عن ذلك أن الأصل هو البراءة، وأن الاستثناء هو الإدانة، وأن الشك يفسر لفائدة المتهم، وأن عبء الإثبات يقع على عاتق سلطة الاتهام.

وتأسيسا على ذلك فإن مجرد ذكر اسم شخص في تصريح صادر عن متهم آخر لا يمكن أن يؤدي بصورة تلقائية إلى اعتباره فاعلا أو مشاركا في الجريمة، لأن ذلك من شأنه أن يقلب قواعد الإثبات ويجعل الشخص مطالبا بإثبات براءته بدل مطالبة النيابة العامة بإثبات إدانته. وهو ما يتعارض مع الفلسفة الدستورية للعدالة الجنائية ومع المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء المقارن.

ومن الناحية العملية فإن التجربة القضائية أظهرت أن عددا من المساطر المرجعية كانت ترتبط بجرائم المخدرات والاتجار غير المشروع وتكوين العصابات والجرائم المالية، حيث يلجأ بعض المتهمين إلى الزج بأسماء أشخاص آخرين لأسباب متعددة قد تكون مرتبطة بالرغبة في الانتقام أو الضغط أو المساومة أو تحقيق منفعة معينة. ولذلك فإن التعامل مع هذه التصريحات بمنطق الاحتياط القانوني يشكل ضرورة لحماية الحرية الفردية وضمان سلامة الإجراءات.

كما أن الاجتهاد القضائي المغربي ساهم بدوره في بناء مجموعة من الضوابط المتعلقة بهذا الموضوع، حيث أكدت العديد من القرارات القضائية أن شهادة متهم على متهم لا ترقى بمفردها إلى مستوى الدليل الكامل، وأن المحكمة ملزمة بالبحث عن عناصر إضافية تعززها قبل ترتيب أي أثر قانوني عليها. وهو توجه يجد سنده في المنطق القانوني وفي قواعد المحاكمة العادلة وفي متطلبات الاقتناع القضائي السليم.

إن الرهان الأساسي الذي يطرحه قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 لا يتعلق فقط بتنظيم المساطر المرجعية، وإنما يتعلق بإرساء نموذج جديد للحكامة الجنائية يقوم على تعزيز الثقة في العدالة، وترسيخ الأمن القانوني والأمن القضائي، وضمان التوازن بين فعالية مكافحة الجريمة وحماية الحقوق والحريات. فكلما كانت قواعد الإثبات واضحة، وكانت سلطة الاتهام خاضعة للرقابة، وكانت قرارات القضاء معللة تعليلا كافيا، كلما تعززت ثقة المواطنين في العدالة وفي المؤسسات القضائية.

وختاما، يمكن القول إن تنظيم المساطر المرجعية في ظل قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 يعكس تطورا تشريعيا مهما في مسار تحديث العدالة الجنائية المغربية، لأنه انتقل بالموضوع من دائرة الممارسة العملية غير المؤطرة إلى دائرة التقنين والضبط القانوني. كما أنه كرس رؤية حديثة تجعل من الحكامة الجنائية والأمن القانوني والأمن القضائي وقرينة البراءة والشرعية الإجرائية مرتكزات أساسية لبناء سياسة جنائية متوازنة. فالتصريح الصادر عن متهم في مواجهة متهم آخر لم يعد دليلا قائما بذاته، وإنما أصبح مجرد عنصر من عناصر الإثبات يخضع للمناقشة والتمحيص والتقييم القضائي، بما يضمن أن تبقى الحرية الفردية مصونة، وأن تبقى سلطة العقاب محكومة بالقانون، وأن يظل القضاء الضامن الحقيقي للتوازن بين مقتضيات النظام العام ومتطلبات حماية الحقوق والحريات.