لاتقاس جودة النظم التربوية بحجم الميزانيات المرصودة، ولا بكم الخرجات الإعلامية و لا الحبر الذي يسال في الحديث عن التعليم وعن “جودته”، ولكن تقاس بما ترسخه في نفوس المتعلمين من قيم تحكم علاقتهم بالمعرفة وفضاء المعرفة وحوامل المعرفة. و في هذا السياق برزت في السنوات الأخيرة بعض السلوكات التي تعتبر مؤشرا قاطعا على علاقة غير صحية ولا سليمة بين المتعلم وفضاء التمدرس، بين المتعلم والمعلم، بين المتعلم وحوامل المعرفة أي الكتب وكذلك الدفاتر التي تخطها أنامله طول السنة ليمزقها في نهايتها.
هذا السلوك الأخير ذو الطابع الاحتفالي، والذي انتشر في البداية في السلك الثانوي، لينتقل كالعدوى الخبيثة للأطفال الأبرياء في السلك الابتدائي، حيث يقْدم التلاميذ على تمزيق دفاترهم وكتبهم كتعبير عن مشاعر مختلطة نهاية السنة الدراسية، تلك الدفاتر التي كان الجيل السابق يحرص على تزيينها و الاحتفاظ بها حبا في العلم و المعرفة وحبا في المدرسة التي كانت تضطلع بأدوارها رغم الاكراهات.
نظرت بعمق الى هذه الظاهرة التي لايمكن أن تعتبر بأي شكل مجرد احتفال بنهاية سنة دراسية، بل إنها تعكس تحولات أعمق في علاقة المتعلم بفضاء التمدرس بشكل عام، وبالتعلم بشكل خاص، فلا شك أن ضغط البرنامج و الزمني المدرسي الذي يضطر كل تلميذ للدراسة بمعدل خمس ساعات في المتوسط كل يوم، بما يعادل 30 ساعة بالأسبوع تتوزع على فترتين صباحية ومسائية ترهق كاهلهم وتركيزهم، فتجد التلميذ أحيانا يروح باكرا ولا يعود إلا مساء ، مما يستهلك شغفهم للدراسة.
ولا شك كذلك أن ضغط كثافة التعلمات في المقررات الدراسية وتعدد المواد المدرسة، يرهق القدرات الفكرية للمتعلم، ويشتت انتباههم ويجعل ذاكرة المتعلم في انشغال دائم مولدا ذلك ضغطا كبيرا يزداد مع قرب فترة الامتحانات. كما أن المدرس بسبب إكراه زمن التعلم المحدود، يضطر إلأى تحويل عملية التعلم من الترصيد والترسيخ إلى منطق الإنهاء واستكمال المقرر على حساب الإستيعاب، فيجعل ذلك المتعلم يعاني ضغطا أكبر.
وبالحديث عن ضغط الامتحانات الإشهادية والتقويمات الصفية، لابد أن نشير إلى عمق إشكالية كل أشكال التقويم التي لاتزال تركز بشكل واضح على الذاكرة والحفظ، رغم أن المقاربة بالكفايات المعتمدة في التدريس تنص نظريا على تمكين المتعلم من تعبئة معارفه ومهاراته ومواقفه لحل وضعيات حقيقية لا استظهار معارف مجردة. ولا ننسى الحديث عن ضغط الواجبات المدرسية بتعدد أشكالها، غير أن هذه الاكراهات ليست جديدة على هذا الجيل دون غيره، فقد عرفها الجيل السابق دون أن ينتج عنها السلوك نفسه، لذلك فإن فهم الظاهرة يقتضي استحضار التحولات النفسية والاجتماعية والثقافية التي عرفها الجيل الجديد. ..
إن محاولة فهم هذه الظاهرة غير ممكنة إلا بوضعها في سياق هذه التحولات التي ظهرت مع الجيل الجديد، فجيل الانترنيت و مواقع التواصل الإجتماعي و الذكاء الاصطناعي، يميل الى التمرد أكثر والى التعبير بحرية أكبر، فالدفتر فقد قيمته المعرفية وأصبح مجرد وسيلة للنجاح وليس للتحصيل، وبمجرد نهاية العام الدراسي وسلسلة الامتحانات، تغيب وظيفة الدفتر الذي كان يحمل في طياته ضغط السنة بأكملها، كما أن المتعلم يفرح بنهاية سنة دراسية مشحونة و متوترة، فرح بالابتعاد عن ضيق الحجرات الدراسية، فرح بالابتعاد عن مكان لم يستوعب شخصه ولم يستجب لحاجاته النفسية .فيكون تمزيقه للدفتر هو التعبير الصريح عن هذا التذمر.
ان هذه السلوكات التي طفت على السطح في السنوات الأخيرة ماهي الا مؤشر من بين عدة مؤشرات على فشل المنظومة التربوية في احتضان التلميذ، وفشل دريع في فهم حاجياته النفسية، و لعل من بين تلك السلوكات أو المؤشرات الأخرى التي يغفل عنها الفاعلون في الحقل التربوي ما عاينته من بعض المتعلمين خلال ممارستي المهنية:
_ الانتكاسة بداية كل خول مدرسي والانقطاع المبكر عن الحضور : فالتلاميذ لايلتحقون بصفوف الدراسة الا منتكسين بداية كل سنة، متأخرين أسبوعين الى ثلاث ان لم يكن شهرا عند المستويات الإشهادية عن البداية الرسمية للسنة الدراسية، بالإضافة إلى تعجيلهم بالانصراف عن صفوف الدراسة حتى قبل النهاية الرسمية للسنة الدراسية.
_ التأخر في الولوج والحرص على وقت الخروج : لطالما حرص كثير من المتعلمين على التأخر في ولوج حجراتهم الدراسية بين الحصص الدراسية، و فئة عريضة منهم حريصين على وقت الخروج أكثر من كل الفاعلين التربويين، حيث يهرعون الى جمع أدواتهم ودفاترهم، ان كانوا قد أحضروها في الأصل، ويترقبون الوقت حتى قبل ان يرن جرس الخروج، لينطلقوا كمن كان سجينا في زنزانة جماعية.
_ غياب لوازم التمدرس : إن غياب أدوات التمدرس عن طاولة المتعلم ليس أمرا حديثا لكنه تعبير صريح عن اللا اهتمام لما تجود به المدرسة العمومية من تعلمات، واللامبالات من طرف المتعلم بجدوى هذه التعلمات، ويستفحل هذا الوضع في ضل غياب مقاربة بيداغوية ناجعة أو وسيلة قانونية تلزم المتعلم بإحظار لوازم التمدرس كجزء من واجباته والتزاماته.
_ الغياب المتكرر و الانقطاع المبكر : إن الغياب المتكرر عن الحجرات الدراسية دون مبرر أصبح عادة يومية عند عدد من المتعلمين. بل إن تكرار هذا الغياب في ضل التساهل مع هذا السلوك او التنميط والتطبيع معه، وغياب منطق الصرامة، هو مايجعله تمهيدا للهدر المدرسي.
_ الشغب والتشويش والعنف: يطول الحديث في خلفيات هذا السلوك، ورغم الأسباب النفسية والاجتماعية المتداخلة، إلا ان الشغب والعنف هو تعبير صريح عن ضعف وفشل المدرسة في تأطير التلميذ وضبطه .
_ عدم احترام فضاء التعلم و المدرس : دائما ما كنت أبادر بالقول عندما استنكر سلوكا بأن فضاء القسم كالمسجد كلاهما مؤسسة تربوية، فلماذا نقدس المسجد وندنس فضاء المؤسسة، فتعلو على وجوه تلاميذي علامات التعجب بل والاستهجان، وكثيرا ما صادفت سلوكات لاتمت للعلاقة السليمة والطبيعية بين المتعلم والمدرس، سلوكات تمس فيها كرامة الإطار التربوي بكل وقاحة من طرف جانحين طائشين مع غياب تفعيل منظومة قانونية من شأنها أن تحمي حرمة الأطر التربوية.
لايمكن اعتبار تلك المؤشرات ومؤشرات أخرى لا تعد، تعبيرا عن حالة استثنائية أو مناخ خاص، بل مناخ عام طبع الجو التربوي في المغرب بمختلف أسلاكه، وهو مناخ جعل العملية التعليمية التعلمية تعيش حالة اللامعنى، مما يستدعي تدخلا عاجلا بالقطع مع أسبابها، ويستدعي تدخل جميع الفاعلين، بداية بهياكل وزارة التربية الوطنية التي أحملها معظم المسؤولية .
فالمراجعة الشاملة للمناهج الدراسية أصبحت ضرورة ولن يكون التنقيح أو التكييف بديلا لحل إشكالية المقررات المليئة بالمعارف غير المفيدة.
كما أن الوزارة ملزمة بالنظر و مراجعة الزمن المدرسي مراجعة توازن بين متطلبات التعلم و حاجيات المتعلم النفسية والاجتماعية وأحيانا حتى البيولوجية كالأكل والنوم. هذه الحاجيات التي قد تُمس بسبب ضغط الزمن المدرسي وسوء توزيعه وغياب البنى التحتية الضرورية.
وفي المقابل يحتاج الوسط المدرسي إلى استعادة الإنضباط و الصرامة التي غيبت من خلال المذكرات التي جعلت الوسط التربوي مستباحا من طرف بعض التلاميذ الجانحين، وهنا أخص بالذكر المذكرة الموسومة بـ”مذكرة البستنة” فمنطق التساهل والتسامح مع السلوكات المعيقة للتعلم لايخدم المتعلم نفسه، بل يرسخ جو التسيب واللامعنى.
أما الأستاذ باعتباره الفاعل المحوري في المنظومة من خلال مرابطته داخل الحجرات الدراسية، فلا يمكن مطالبته بتحقيق الجودة المنشودة في ضل الإكتضاض وضعف التجهيزات وغياب العدة الديداكتيكية اللازمة للتدريس، وتأخر المستحقات، وتراجع الحماية القانونية والمعنوية. ففي ضل غياب كل ذلك، يضل التدريس مجرد مهمة وضيفية لامهمة نبيلة تسنتهض همته وتشحن طاقته. ولا يمكن الحديث عن إصلاح للمدرسة دون تحسين شروط عمل الأستاذ ورد الإعتبار لمكانته.
وتمتد المسؤولية الى الأسرة والإعلام والمجتمع المدني ومختلف المؤسسات المعنية بالتنشئة الاجتماعية، إذ لا يمكن إصلاح العطب الذي أصاب المدرسة العمومية دون إصلاح المحيط الذي قد يدفع أو يساهم في حدوثه. فالمدرسة والتلميذ مسؤولية مشتركة بين جميع الفاعلين.
إن تمزيق الدفاتر أو الكتب، ليس تمزيقا لحامل معرفي فقط، وليس حدثا عابرا أو منفردا، كما أنه ليس مجرد تعبير عن فرحة نهاية سنة دراسية، إنه تعبير صريح عن خلل عميق في علاقة المتعلم بالفضاء المدرسي والمعرفة، خلل أشر بشكل واضع على فشل الخطابات و قصور برامج الإصلاح التربوي، ورسالة صامتة ودلالة رمزية فحواها أن جزءا من المتعلمين لم يعد يجد في المدرسة مايلبي حاجياته المعرفية والنفسية والوجدانية، والتعامل مع الظاهرة لايجب أن يقتصر على الإدانة أو توجيه الاتهام لفاعل معين في المنظومة. بل يستدعي مساءلة الأسباب العميقة التي أفرزتها للعمل على بناء مدرسة تستوعب المتعلم وتجعله يقبل عليها بشغف ويغادرها بمعرفة نافعة وأمل في المستقبل، لا برغبة في تمزيق كل مايربطه بها.