مع اقتراب موعد 23 شتنبر 2026، تعود الأحزاب السياسية المغربية لتكتشف فجأةً وجود ما يزيد على خمسة ملايين مغربي يقيمون خارج الوطن. تُفتح لهم المنصات، وتُرفع في وجوههم الشعارات، وتُستحضر قضاياهم في الخطب؛ ثم تنتهي الانتخابات، وينتهي معها الاهتمام، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه: صمتٌ مريح، وملفٌ مُعلَّق في انتظار دورة انتخابية قادمة.
هذا النمط ليس طارئاً ولا استثنائياً، إنه بنيةٌ متكررة تكشف عن طبيعة العلاقة بين الخطاب الحزبي ومغاربة العالم: علاقة لا تقوم على المواطنة، بل على الاستثمار الانتخابي.
أولاً: النفعية المزدوجة.. حين تُنتج العلاقة استغلالاً لا مواطنة
ثمة نمط بنيوي راسخ في تعامل المنظومة الحزبية مع مغاربة العالم، يمكن تسميته بـ”النفعية المزدوجة”: استثمار اقتصادي من جهة، واستثمار انتخابي من جهة أخرى. وكلاهما يستحضر المواطن المهاجر لا بوصفه ذاتاً سياسية، بل بوصفه مورداً قابلاً للاستخراج.
النفعية الأولى: التحويلات بلا مقابلسياسي
يُحوّل مغاربة العالم سنوياً مبالغ ضخمة تُشكّل ركيزةً في الاقتصاد الوطني، وتُسهم في تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات. لكن هذا الدور الاقتصادي الاستراتيجي لا يُقابَل بأي أثر سياسي مماثل؛ فلا يوجد عقد صريح يربط هذا المورد بحقوق سياسية موسَّعة، ولا آلية تُحوّل ثقل التحويلات إلى ثقل تمثيلي داخل هياكل القرار. المهاجر يدفع —بمعنى من المعاني— ضريبةً غير مُعلنة للوطن، دون أن يحصل في المقابل على حق الكلمة داخله.
النفعية الثانية: الصوت بلا سياسة
في موسم الانتخابات، يتحوّل المواطن المهاجر إلى هدف تعبوي؛ تُفتح له القنوات, وتُرفع أمامه الشعارات، وتُستحضر هويته وانتماؤه. لكن هذا الاستحضار ليس دعوةً إلى المشاركة بالمعنى العميق، بل هو دعوةٌ إلى الإدلاء بالصوت؛ أي إلى فعل واحد محدود في يوم واحد. بعده، يعود المهاجر إلى هامشيته، وتعود الأحزاب إلى برامجها التي صِيغت أصلاً دون استشارته، وستُنفَّذ دون أن يكون له موضع فيها.
ما لا تُنتجه هذه النفعية
النفعية المزدوجة لا تُنتج مواطنة، لأن المواطنة تفترض شيئاً آخر تماماً: استمرارية الحضور السياسي، والاعتراف بالمواطن بوصفه ذاتاً تُشارك في صياغة القرار، لا مجرد موردٍ يُستخرج منه الصوت والمال موسمياً.
المواطنة التي تقوم على النفعية هي في جوهرها علاقة زبونية: الدولة والحزب يمنحان الاعتراف الرمزي، والمهاجر يُقدّم التحويلات والأصوات. وهذه المعادلة تبدو في ظاهرها علاقةً قائمةً، بينما هي في حقيقتها مُجوَّفة من الداخل.
ثانياً: برامج فارغة من الرؤية، مليئة بالوعود
حين تتأمل الخطابَ الانتخابي للأحزاب المغربية بخصوص ملف الهجرة والمغاربة في الخارج، يصطدم المرء بظاهرة لافتة: وفرة الوعود في مقابل شُح الرؤية.
فالأحزاب تعد بتعزيز التواصل مع الجاليات، وتحسين الخدمات القنصلية، وتيسير مشاركة مغاربة العالم في التنمية، غير أنها نادراً ما تُجيب عن الأسئلة الجوهرية: ما طبيعة العقد السياسي الذي يربط مغاربة الخارج بالدولة؟ كيف تتحول التحويلات المالية إلى رافعة لمشاركة سياسية حقيقية؟ وما الآليات البنيوية التي تضمن استمرارية التمثيل لا موسميته؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم رؤيةً استراتيجية وإرادةً سياسية، وكلتاهما غائبتان في الغالب. فما نجده بدلاً منهما هو خطاب عاطفي يُحرّك الوتر الهوياتي والانتمائي، دون أن يُقدم برنامجاً فعلياً يعالج الإشكاليات البنيوية. وبهذا المعنى، تظل برامج الأحزاب في هذا الملف رهينةً لما يمكن تسميته بـ”أدب المديح والوعد”: مديح لتضحيات الجاليات ووعد بمستقبل أفضل، دون أن يُحدَّد من يُنفّذ، وكيف، ومتى.
ثالثاً: المواطن الغائب في الخطاب الحزبي
في مقالنا السابق حول الموضوع، استعرنا من عبد المالك الصيّاد مفهوم “الغياب المزدوج” لنصف وضع المهاجر الذي يغيب عن مجتمعه الأصلي ومجتمعه المُضيف في آن. واليوم، نجد أن الخطاب الحزبي يُعيد إنتاج هذا الغياب بطرق أخرى.
فمغاربة العالم غائبون عن صياغة البرامج الحزبية، وغائبون عن هياكل القرار، وغائبون عن مواقع الترشح الحقيقية ذات الثقل. لكنهم حاضرون بقوة في الخطاب الانتخابي، وحاضرون في الأرقام والإحصاءات، وكـ”مورد” يُستحضر حين تُحسب الأصوات.
هذا التناقض بين الحضور الخطابي والغياب الفعلي هو ما يُعطي لتجربة كثير من مغاربة العالم طعمَها المرّ: يرون أنفسهم في الخطاب، ولا يجدون أنفسهم في السياسة.
رابعاً: صوت لا مواطن.. جوهر الإشكال
ذهبنا في المقال الأول إلى أن المواطنة ممارسة داخل فضاء حقوق، لا انتماء عاطفي فحسب. واليوم نُضيف: الخطاب الحزبي السائد لا يُنتج فضاءً للحقوق، بل يُنتج فضاءً للأصوات.
والفرق جوهري؛ ففضاء الأصوات يهتم بالمواطن حين يكون ناخباً فحسب، يستدعيه ليدلي بصوته ثم يتركه يعود إلى هامشيته. أما فضاء الحقوق فيهتم بالمواطن بوصفه مواطناً كامل الأبعاد: مُشارِكاً في صياغة القرار، وممثَّلاً في الهياكل، ومحمياً في مواجهة الإشكاليات اليومية التي تعترض حياته في بلدي الإقامة والأصل معاً. الخطاب الحزبي السائد يُقيم في الفضاء الأول وينسى الثاني، وهذا هو بيت القصيد.
خامساً: الفوضى المفاهيمية شريكة في الأزمة
لا تتحمل الأحزاب وحدها المسؤولية؛ فقد أشرنا في مقالنا السابق حول الموضوع إلى فوضى مفاهيمية تعتري النقاش حول مغاربة العالم: مواطنة، مواطنة كاملة، مواطنة مزدوجة… مفاهيم تُستخدم دون ضبط وتحديد.
وهذه الفوضى، في جانب منها، تخدم الخطاب الحزبي الانتخابوي؛ فالغموض المفاهيمي يسمح بالوعد بكل شيء دون الالتزام بشيء محدد. وحين لا يتفق أحد على تعريف “المواطنة الكاملة”، يستطيع كل حزب أن يدّعي أنه يُدافع عنها.
ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي في هذا الملف يبدأ بالإصلاح المفاهيمي: تحديد ما نعنيه بالمواطنة في سياق الهجرة، وتحديد الفضاء الذي تتحقق فيه، والآخر الذي تتمايز عنه. وهذا عمل لا تُقدم عليه الأحزاب لأنه يُضيّق هامش المناورة ويُلزمها بمواقف محددة.
خاتمة: النقد لا يعني العدمية.. بل الانتقائية الواعية
إن قلنا إن الخطاب الحزبي السائد لا يُنتج مواطنة، فذلك لا يعني أن كل الأحزاب سواء، ولا أن الفعل السياسي عبث، ولا أن الصوت لا قيمة له؛ بل يعني أن السؤال الذي يجب أن يطرحه مغاربة العالم على أنفسهم ليس فقط: هل أُصوّت؟ بل: لمن أُصوّت ولماذا؟
والجواب لا يُوجد في الشعارات الانتخابية، بل في التاريخ النضالي. فداخل كل منظومة حزبية، وعبر تاريخ طويل من العمل السياسي المغربي، ثمة رموز أثبتت نزاهتها بالفعل لا بالقول: رموز دافعت عن قضايا الهجرة حين لم تكن هناك انتخابات في الأفق، وحملت ملف مغاربة العالم في غير موسمه، ووقفت مع المهاجر في إشكالياته اليومية حين لم يكن ثمة صوت انتخابي يُنتظر.
هؤلاء موجودون، وإن كانوا قلة، فإن القلة النزيهة أولى بالصوت من الكثرة الانتهازية. والمواطن المهاجر الذي يفهم هذا التمييز لا يُصوّت للحزب كمؤسسة مجرّدة، ولا ينخدع بالخطاب الموسمي، بل يُصوّت للرمز النزيه داخل الحزب، ويجعل من صوته ورقةَ ضغط لا هبةً مجانية.
هكذا تتحوّل المشاركة السياسية من طقس موسمي إلى فعل وعي: وعي بالتاريخ، ووعي بالحاضر، ووعي بما ينبغي أن يكون. وفي هذا وحده يكمن الفرق بين المواطن الذي يُصوَّت به، والمواطن الذي يُصوِّت.