وجهة نظر

المراحيض العمومية بين الممانعة الثقافية والحق في الكرامة بالمغرب

حين يبحث الجسد عن مكانه في المدينة:

ثمة موضوعات تبدو صغيرة إلى درجة أنها تفلت من اهتمام السياسات العمومية ومن عدسات الباحثين، لكنها تكشف عند الاقتراب منها عن طبقات عميقة من التنظيم الاجتماعي والثقافي للمجتمع. ومن بين هذه الموضوعات قضية المراحيض العمومية، التي لا تتعلق فقط بتدبير حاجة بيولوجية طبيعية، بل تفتح بابا واسعا لفهم علاقة المغاربة بالجسد، والحياء، والفضاء العمومي، والمواطنة، والحق في المدينة. فالسؤال البسيط: “أين يقضي المغربي حاجته عندما يكون خارج المنزل؟” يتحول سريعا إلى سؤال سوسيولوجي مركب حول حدود المجال العام، وأشكال اللامساواة المجالية، والاختلافات الجندرية، والتوتر القائم بين الثقافة والتمدن.

في المجتمع المغربي، لا تزال الوظائف البيولوجية للجسد تنتمي إلى دائرة المسكوت عنه. فالجسد، رغم حضوره القوي في الحياة اليومية، يظل محكومًا بمنطق الستر والإخفاء، وكأن الحديث عن حاجاته الأساسية يهدد نظاما رمزيا يقوم على الحشمة والاحتشام. لذلك نادرا ما تتحول المراحيض العمومية إلى موضوع للنقاش العمومي أو إلى مطلب اجتماعي واضح، رغم أن غيابها أو ندرتها يطال الجميع دون استثناء. إنها واحدة من تلك القضايا التي يعيشها الناس يوميًا لكنهم يتجنبون الحديث عنها، في مفارقة تعكس ما يسميه علماء الاجتماع بـ”التابوهات اليومية”؛ أي تلك الوقائع الحاضرة بقوة في الممارسة والغائبة في الخطاب.

وعندما يغادر المغربي منزله، يدخل عمليا في مفاوضة مستمرة مع المدينة حول كيفية تدبير حاجاته البيولوجية. فالمقاهي لم تعد مجرد فضاءات للاستهلاك والترفيه، بل تحولت ضمنيا إلى ملاذات وظيفية للبحث عن مرحاض، حتى إن كثيرا من الزبائن يلجونها لهذا الغرض أكثر مما يلجونها لشرب القهوة. والمساجد، بدورها، تؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز بعدها الديني، إذ تشكل بالنسبة إلى عدد كبير من المواطنين فضاءات آمنة ومجانية لقضاء الحاجة والوضوء والاستراحة. أما المراحيض العمومية المؤدى عنها، فتبقى محدودة العدد ومتفاوتة الجودة والتوزيع، بما يجعل الاستفادة منها رهينة بالموقع الجغرافي والقدرة على الوصول إليها.

هنا تظهر بوضوح إشكالية العدالة المجالية. فبينما تتوفر بعض المناطق السياحية أو المراكز الحضرية الكبرى على عدد نسبي من المرافق الصحية، تعاني أحياء كاملة، ومحطات نقل، وأسواق شعبية، وساحات عمومية من نقص واضح أو غياب شبه تام لهذه الخدمات. وهكذا يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى ابتكار حلول بديلة، تتراوح بين التوسل لصاحب مقهى أو متجر بالسماح له باستعمال المرحاض، وبين البحث عن أماكن معزولة أو مهجورة، أو تأجيل الحاجة إلى أقصى حد ممكن. وفي هذه الحالات، يتحول فعل بيولوجي طبيعي إلى تجربة اجتماعية مشحونة بالقلق والتوتر والبحث المحموم عن الخصوصية.

إن ما يلفت الانتباه هنا هو أن المدينة المغربية تبدو في كثير من الأحيان وكأنها مهيأة لحركة الأجساد أكثر من تهيئتها لحاجاتها. فهي توفر الأرصفة والطرق ومراكز التسوق والمقاهي، لكنها لا توفر دائما البنية التحتية التي تسمح للجسد بأن يمارس وظائفه الأساسية بكرامة وأمان. وهذا ما يجعل قضية المراحيض العمومية جزءا من النقاش الأوسع حول “الحق في المدينة” كما صاغه هنري لوفيفر Henri Lefebvre، أي حق الأفراد ليس فقط في التواجد داخل المدينة، بل في الاستفادة العادلة من مرافقها وخدماتها الأساسية.

وتزداد الصورة تعقيدا عندما يتعلق الأمر بالنساء. فبينما يستطيع الرجال، بدرجات متفاوتة، تدبير هذه الحاجة في ظروف متعددة، تجد النساء أنفسهن أمام معادلة أكثر صعوبة. فالأمر لا يتعلق فقط بإيجاد مرحاض، بل بإيجاد فضاء يحترم الخصوصية ويوفر شروط النظافة والأمان. ولهذا تصبح تجربة التنقل أو السفر أو حضور الفعاليات الجماهيرية مختلفة جذريا بين النساء والرجال. إن نقص المرافق الصحية لا يمثل مجرد عائق لوجستي بالنسبة للنساء، بل يتحول إلى شكل من أشكال الإقصاء غير المعلن من الفضاء العمومي، لأنه يحد من حريتهن في الحركة والاستمتاع بالمدينة على قدم المساواة.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذه المسألة باعتبارها تجسيدًا لعلاقة المجتمع المغربي بالجسد. فقد بين Norbert Eliasإلياس نوبرت في تحليله لمسار التحضر أن المجتمعات الحديثة طورت تدريجيًا آليات متزايدة لضبط الجسد وإخفاء وظائفه الطبيعية عن المجال العام. كما أظهر ميشيل فوكو Michel Foucault كيف تتحول الأجساد إلى موضوع للتنظيم والانضباط الاجتماعي. غير أن المفارقة المغربية تكمن في أن قواعد ضبط الجسد وإخفائه تبدو أكثر تطورًا أحيانًا من البنيات التي تسمح له بتدبير حاجاته بشكل طبيعي. فالمجتمع يطالب الجسد بالاختفاء، لكنه لا يوفر له دائمًا الأماكن اللازمة لذلك الاختفاء.

ولعل أبرز ما يكشف هذه المفارقة هو ما يحدث خلال المهرجانات الكبرى والتظاهرات الرياضية والثقافية والمواسم والأسواق الشعبية. ففي تلك اللحظات التي يتدفق فيها آلاف الأشخاص إلى فضاء واحد، تصبح المراحيض العمومية فجأة قضية مركزية لا يمكن تجاهلها. ويتحول نجاح التنظيم أو فشله جزئيًا إلى مسألة مرتبطة بقدرة المنظمين على تدبير هذه الحاجة الإنسانية الأساسية. ولذلك ليس من المصادفة أن تصبح المرافق الصحية أحد المؤشرات المعتمدة عالميا لتقييم جودة الفضاءات العامة وقدرتها على استقبال المواطنين والزوار.

ومن منظور أعمق، فإن الحديث عن المراحيض العمومية ليس حديثا عن البنية التحتية فحسب، بل عن الاعتراف الاجتماعي بالجسد الإنساني. فالمجتمعات تكشف عن قيمها ليس فقط من خلال ما تبنيه من مؤسسات كبرى ومشاريع ضخمة، بل أيضا من خلال الطريقة التي تستجيب بها لأبسط الحاجات الإنسانية. ولهذا فإن المرحاض العمومي ليس مجرد غرفة صغيرة في زاوية مهملة من المدينة؛ إنه مؤشر سوسيولوجي كثيف الدلالة، يعكس تصور المجتمع للكرامة، وللمواطنة، وللمساواة، ولعلاقة الإنسان بفضائه المشترك.

إن السؤال الحقيقي ليس لماذا يحتاج المغاربة إلى المزيد من المراحيض العمومية، بل لماذا استغرق الاعتراف بهذه الحاجة كل هذا الوقت. فبين الممانعة الثقافية التي تجعل الموضوع محاطا بالصمت والحرج، وبين الضرورة المدنية التي تفرضها الحياة الحضرية الحديثة، يقف المرحاض العمومي بوصفه أحد أكثر المرافق تواضعا من حيث الشكل، وأكثرها عمقا من حيث الدلالة. إنه المكان الذي يلتقي فيه البيولوجي بالاجتماعي، والجسد بالمدينة، والخصوصي بالعمومي، والكرامة الفردية بالحق الجماعي في فضاء حضري إنساني وعادل.