وجهة نظر

من القميص الوطني إلى المواطنة الكاملة: أي مكانة لمغاربة العالم في مغرب المستقبل؟

لا يمكن لأي متابع للشأن المغربي خلال السنوات الأخيرة إلا أن يقف بإعجاب أمام النتائج المبهرة التي حققها المغرب في مختلف المجالات، وعلى رأسها ما تحقق في المجال الرياضي. فقد نجح المنتخب الوطني المغربي في كتابة صفحات مشرقة من تاريخه، ولفت أنظار العالم ليس فقط بنتائجه وإنجازاته، بل أيضاً بقدرته على »استقطاب «لاعبين ولدوا وترعرعوا خارج أرض الوطن الدفاع عن القميص الوطني المغربي.

ولعل هذا النجاح الرياضي يعكس نجاحاً أكبر وأعمق يتمثل في قدرة المغرب على الحفاظ على ارتباط ملايين من أبنائه المقيمين بالخارج بوطنهم الأم. فالجالية المغربية المنتشرة عبر مختلف القارات، والتي يقدر عدد أفرادها بالملايين، ما تزال تحتفظ بروابط قوية مع المغرب رغم مرور عقود على الهجرة ورغم نشأة أجيال كاملة خارج حدوده. ويكفي أن نستمع إلى تصريحات العديد من اللاعبين أو الفنانين أو الباحثين أو رجال الأعمال المغاربة المقيمين بالخارج لندرك أن الانتماء إلى المغرب ما يزال حاضراً بقوة في وجدانهم، رغم أنهم يحملون أحياناً جنسيات أخرى ويتحدثون لغات مختلفة.

وما يثير الانتباه في حالة لاعبي المنتخب الوطني على وجه الخصوص أن العامل المالي لا يبدو حاسماً في اختياراتهم. فمعظمهم يمارس في أكبر الأندية الأوروبية والعالمية ويتقاضى أجوراً ومكافآت تفوق بكثير ما يمكن أن يحصل عليه من مشاركته مع المنتخب الوطني. كما أن العديد منهم يساهم في أعمال خيرية ومبادرات اجتماعية ويوجه جزءاً من اهتمامه وموارده نحو المغرب ومناطقه الأصلية. لذلك يصعب تفسير اختيارهم للمغرب بمنطق الربح والخسارة، بينما يبدو أكثر منطقية تفسيره بقوة الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.

فحين نشاهد هؤلاء اللاعبين يقاتلون فوق أرضية الملعب، ويحتفلون بانتصارات المغرب كما لو أنهم نشؤوا في أحيائه ومدنه وقراه، ندرك أن العلاقة التي تربطهم بالمغرب ليست علاقة مصلحة ظرفية، بل علاقة وجدانية وثقافية عميقة تشكلت داخل الأسرة ومن خلال الذاكرة الجماعية والروابط الإنسانية التي انتقلت من جيل إلى آخر.

ومن خلال متابعة تصريحات العديد من هؤلاء اللاعبين، برزت أمامي ملاحظة تستحق التأمل. فعدد كبير منهم لا يتحدث العربية الفصحى في حياته اليومية، بل يتحدث لغة البلد الذي ولد فيه وترعرع داخله. كما أن جزءاً مهماً منهم ينحدر من أسر أمازيغية ويتواصل داخل محيطه العائلي بالأمازيغية أو بالدارجة المغربية. ومع ذلك فإن ارتباطهم بالمغرب لم يضعف، بل ظل قوياً ومتجذراً.

ومن هنا يبرز سؤال أعتقد أنه يستحق النقاش العمومي: إذا كانت الدولة المغربية قد خصصت منذ عقود برامج واتفاقيات وموارد لتعليم اللغة العربية لأبناء الجالية المغربية بالخارج بهدف الحفاظ على ارتباطهم بوطنهم الأم، فلماذا لا يحظى تدريس الأمازيغية بالاهتمام نفسه، رغم أنها لغة رسمية للدولة وتشكل بالنسبة لعدد كبير من أبناء الجالية لغة الأسرة والأصول؟
والواقع أن الحديث عن تدريس الأمازيغية لأبناء الجالية ليس مطلباً جديداً أو فكرة طارئة. فقد سبق توقيع اتفاقيات وشراكات رسمية بين المؤسسات المكلفة بمغاربة العالم والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من أجل النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين في صفوف أبناء الجالية. غير أن النقاش اليوم لا يتعلق بغياب الاعتراف أو غياب الاتفاقيات، بل بمدى تفعيلها وتنزيلها على أرض الواقع بالشكل الذي ينسجم مع المكانة الدستورية للأمازيغية ومع التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى إقصاء العربية أو التقليل من أهميتها. فالعربية لغة رسمية للمملكة ولغة التعليم والإدارة والإعلام والثقافة، ولها مكانتها الراسخة داخل المجتمع المغربي. غير أن الواقع الاجتماعي واللغوي للمغاربة يبين أن الدارجة والأمازيغية تشكلان، كل حسب مجاله ومجتمعه، لغتي التواصل الأساسيتين داخل الحياة اليومية للمغاربة. وهما اللغتان اللتان يتواصل بهما ملايين المواطنين داخل أسرهم وأحيائهم وعلاقاتهم الاجتماعية، سواء داخل المغرب أو خارجه. ولذلك فإن تمكين أبناء الجالية من تعلم الأمازيغية، والتفكير في آليات تساعدهم على اكتساب أدوات التواصل بالدارجة المغربية، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بديلاً عن العربية، بل باعتباره استكمالاً لمشروع المحافظة على الروابط الثقافية والإنسانية التي تجمع مغاربة العالم بوطنهم الأم.

كما أن التجربة الرياضية نفسها تطرح أسئلة أخرى مرتبطة بحضور الأمازيغية داخل الفضاء العمومي. فالكثير من اللاعبين يعتزون بأصولهم الأمازيغية ويعبرون عن ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، غير أن حضور الأمازيغية في التغطيات الإعلامية وفي فضاءات الترجمة والتواصل ما يزال محدوداً مقارنة بلغات أخرى. وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى مواكبة المؤسسات الإعلامية والثقافية للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي وللتنوع الذي يميز هويته الوطنية.

غير أن سؤال الارتباط بالوطن لا ينبغي أن يتوقف عند اللغة وحدها. فمغاربة العالم لا يمثلون مجرد امتداد بشري خارج الحدود، بل يشكلون جزءاً أصيلاً من المجتمع المغربي ورصيداً استراتيجياً للدولة والمجتمع. ومن هنا يصبح من المشروع التفكير في مكانتهم داخل المشروع الوطني بشكل أشمل، ليس فقط من زاوية المحافظة على الهوية الثقافية واللغوية، بل أيضاً من زاوية المشاركة الفعلية في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.

فالجالية المغربية تضم اليوم رجال أعمال ومستثمرين وباحثين وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين ورياضيين وفنانين وكفاءات راكمت تجارب وخبرات مهمة داخل كبريات المؤسسات العالمية. وفي هذا السياق يبرز ملف هجرة الأدمغة باعتباره أحد أكبر التحديات التي تواجه المغرب، لكنه يمكن أن يتحول في الوقت نفسه إلى فرصة حقيقية إذا تم التعامل مع الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج باعتبارها شريكاً استراتيجياً في التنمية، لا مجرد مورد بشري غادر الوطن. فالهجرة لا تعني بالضرورة القطيعة، بل يمكن أن تصبح جسراً لنقل المعرفة والخبرة والاستثمار والتكنولوجيا والتجارب الناجحة إلى المغرب.

ومن هذا المنطلق، يبدو من الضروري توسيع فضاءات مشاركة مغاربة العالم في مختلف مجالات الحياة الوطنية. فإلى جانب المشاركة الثقافية واللغوية، تبرز أهمية المشاركة المدنية من خلال دعم المبادرات الجمعوية والتطوعية، والمشاركة البيئية من خلال المساهمة في نشر الخبرات المرتبطة بالتنمية المستدامة وحماية الموارد الطبيعية، كما يظل البعد السياسي بدوره حاضراً باعتبار أن ملايين المغاربة المقيمين بالخارج يظلون مواطنين كاملي الحقوق والواجبات، ومن المشروع أن يستمر النقاش حول أفضل السبل الكفيلة بضمان حضورهم وإسهامهم في الحياة العامة وفي القضايا الكبرى التي تهم مستقبل وطنهم.

لقد أثبت أبناء الجالية المغربية، سواء في الملاعب أو المختبرات أو الجامعات أو المؤسسات الاقتصادية، أن الانتماء إلى الوطن لا يقاس بمكان الولادة ولا بلغة واحدة فقط، بل يتشكل من شبكة واسعة من الروابط التاريخية والثقافية والإنسانية. كما أثبت لاعبو المنتخب الوطني أن الاعتزاز بالمغرب يمكن أن يكون أقوى من كل الاعتبارات الأخرى، وأن الهوية المغربية قادرة على الجمع بين مكونات متعددة داخل إطار وطني موحد.

ولذلك فإن الرهان اليوم لا ينبغي أن يقتصر على المحافظة على هذا الارتباط، بل على تطويره وتعزيزه من خلال رؤية شاملة تجعل من مغاربة العالم شركاء كاملين في المشروع الوطني، ثقافياً ولغوياً ومدنياً وسياسياً وبيئياً واقتصادياً، وتعمل في الوقت نفسه على تفعيل كل الآليات الكفيلة بالحفاظ على مختلف مكونات الهوية المغربية الجامعة، وفي مقدمتها المكون الأمازيغي الذي يشكل أحد الأسس التاريخية والحضارية للمغرب، إلى جانب باقي الروافد التي ساهمت عبر القرون في بناء شخصية هذا الوطن وتفرده.