منتدى العمق

ردا على عمدة الدار البيضاء.. التكوين المهني ليس ملاذا للفاشلين بل رافعة لصناعة الكفاءات

أثارت إحدى التصريحات المتداولة بخصوص توجيه الأشخاص الذين “لم تتح لهم فرصة إتمام الدراسة” نحو التكوين المهني، موجة من النقاش داخل الأوساط التربوية والاجتماعية، ليس بسبب تلك العبارات المباشرة فقط، بل بسبب ما تحمله من دلالات فكرية وتربوية عميقة، وتمثلات نمطية سلبية تجاه التكوين المهني. فالقضية هنا لا تتعلق بموقف عابر من المؤسسة التكوينية بعينها، وإنما برؤية كاملة للإنسان في علاقته بالتعلم، ولطبيعة النجاح ومقوماته داخل المجتمع.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في السياق المغربي الراهن، حيث أصبح التكوين المهني خيارا استراتيجيا للدولة ورهانا مركزيا في بناء الرأسمال البشري وتأهيل الكفاءات. ومن ثم فإن أي خطاب يختزل هذا المسار في كونه وجهة للمتعثرين دراسيا، فهو يستند إلى خلفية فكرية ضيقة، تُهمّش التكوين المهني وتختزل وظيفته في كونه ملاذا للفاشلين، وتعبر عن تصور يفتقر إلى السند العلمي والواقعي، مما يجلي أسئلة جوهرية حول طبيعة التمثلات التي ما تزال تحكم نظرتنا إلى التعليم والتكوين وإلى قيمة الإنسان نفسه.

أولاً: المقولة تؤسس لوصم تربوي ممنهج
تقوم المقولة موضوع النقاش على افتراض ضمني مفاده أن هناك فئة ناجحة تستحق المدرسة والجامعة، وفئة أخرى لم تحقق شروط النجاح الأكاديمي، وبالتالي فإن مكانها الطبيعي هو التكوين المهني. وهنا يتحول التكوين من اختيار حر ومسلك متنوع إلى آلية لتدبير الفشل الدراسي.

والحال أن هذا التصور لا يسيء إلى الفكر التكويني، ولا إلى المؤسسة التكوينية فقط، بل يسيء إلى ملايين الشباب الذين اختاروا هذا المسار عن اقتناع، وإلى آلاف المكونين والخبراء الذين يشتغلون داخله، كما يختزل قيمة الإنسان في معدلات دراسية ونتائج المدرسية، متجاهلاً أن القدرات الإنسانية أعقد بكثير من أن تُقاس بنقط الامتحانات.

وتكمن خطورة هذا الخطاب في كونه يرسخ التراتبية الوهمية بين مسارات التعليم والتكوين، ويوحي بأن النجاح لا يتحقق إلا عبر قنوات التعليم التقليدي، بينما أثبتت التجارب أن التنمية الاقتصادية والصناعية تقوم أساسا على الكفاءة المهنية والتقنية المتخصصة.

إنها المقولة السالفة تنتج الوصم بدل التحفيز، وتؤسس للإقصاء بدل الإنصاف، وتعيد تقسيم المجتمع إلى فئات متفوقة وأخرى بلا أو أقل قيمة، لأنها تكمل مسارها التعليمي، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ التربية الحديثة، ومع مقررات حقوق الإنسان.

ثانياً: الخلفية الفكرية للمقولة وحدودها التربوية

تكشف هذه المقولة عن خلفية فكرية تقليدية ترى النجاح من زاوية واحدة، وتربط القيمة الاجتماعية للفرد بموقعه داخل السلم الأكاديمي. وهي رؤية اختزالية قديمة، تنتمي إلى نموذج تربوي كلاسيكي، ظل يعتبر المدرسة أداة للانتقاء الاجتماعي وفرز النخب، أكثر من اعتبارها فضاء لتنمية القدرات المتنوعة.

لقد تجاوز الفكر التربوي المعاصر هذا المنطق منذ عقود. فالأبحاث الحديثة في علم النفس التربوي ونظريات الذكاءات المتعددة بينت أن الذكاء ليس واحداً، وأن التفوق قد يتجلى في المجالات التقنية والمهنية والحرفية كما يتجلى في المجالات الأكاديمية.

ومن ثم فإن اعتبار المتعثر الدراسي مشروع فاشل هو في حد ذاته موقف متجانف وغير علمي، لأنه يتجاهل العوامل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والمؤسساتية التي تنتج التعثر، كما يتجاهل إمكانية نجاح الأفراد في مسارات أخرى أكثر انسجاماً مع ميولاتهم واستعداداتهم الفطرية.

إن أخطر ما في هذه الرؤية أنها لا تعترف بتعدد أشكال التميز الإنساني، بل تختزل الإنسان في مسار واحد للنجاح، وكأن المجتمع لا يحتاج إلا إلى حملة الشهادات الأكاديمية، في حين أن الحضارات تبنى أيضاً بسواعد التقنيين والحرفيين والخبراء والمهنيين.

ثالثاً: التكوين المهني في الرؤية الاستراتيجية للدولة المغربية
إذا كان هذا التصور يجد جذوره في تمثلات اجتماعية متجاوزة، فإن الدولة المغربية اختارت منذ سنوات اتجاها مغايرا يقوم على إعادة الاعتبار للتكوين المهني باعتباره رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ففي ظل التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لم يعد التكوين المهني يُنظر إليه باعتباره مسلكاً لاستيعاب المتعثرين، بل باعتباره فرعا من فروع التعليم، وأداة استراتيجية لإنتاج الكفاءات وربط التكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني.

وقد تجسد ذلك في إحداث مدن المهن والكفاءات، وتحديث المناهج والبرامج، وتعزيز الشراكات مع القطاعات الإنتاجية، بما جعل التكوين المهني فضاء لإعداد الخبرات والكفاءات القادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة.

إن الدولة تتحدث اليوم عن الكفاءة والإنتاجية والابتكار، بينما تعيد بعض الخطابات (كالمقولة السالفة الذكر) إنتاج مفاهيم الفشل والتصنيف والإقصاء، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الرؤية الاستراتيجية للدولة وبعض التمثلات الضيقة والمتجاوزة.

رابعاً: التكوين المهني فلسفة للاعتراف بالإنسان
إن جوهر التكوين المهني لا يتمثل في تعليم مهنة فقط، بل في الاعتراف بحق الإنسان في النجاح من خلال المسار الذي يلائم قدراته وميوله وطموحاته.

فالتكوين المهني في فلسفته العميقة هو انتصار لفكرة التنوع الإنساني، وإقرار بأن المجتمع يحتاج إلى جميع الكفاءات دون تمييز أو تراتبية مصطنعة. وهو بذلك يشكل أحد أهم تجليات العدالة التربوية التي تتيح لكل فرد فرصة بناء مشروعه الشخصي والمهني وفق مؤهلاته الحقيقية.

وفي الأخير، فإن دفاعي عن التكوين المهني ليس باعتباري أنتمي إليه فقط، وليس دفاعاً عن قطاعي الإداري ومؤسستي التكوينية فحسب، بل هو دفاع عن رؤية حديثة للإنسان وللتنمية وللعدالة التربوية. أما الخطابات التي تختزل هذا المسار في كونه ملاذا للمتعثرين أو الفاشلين، فإنها لا تعبر فقط عن سوء تقدير لوظائف التكوين المهني، بل تكشف عن استمرار تمثلات فكرية تجاوزها الزمن، وأصبحت تتعارض مع الفلسفة التربوية المعاصرة ومع الاختيارات الاستراتيجية للدولة المغربية.

أخيرا، فالتكوين المهني ليس عقوبة، وليس محطة للمنبوذين من المدرسة، بل هو فضاء لصناعة الكفاءات، وإنتاج الثروة، وتحقيق الكرامة المهنية، وبناء مواطن قادر على الإسهام في تنمية وطنه من الموقع الذي يتوافق مع قدراته واختياراته.