تقديم
يمكن الجزم ومنذ البداية أن الموضوعية في العلوم الاجتماعية على وجه التخصيص تظل مطلبا يسعى إليه، وتمرينا لا بد من احترامه على مستوى البناء الذهني للموضوع، وأيضا من خلال الممارسة الميدانية، لكن يكاد يتفق على أن التحقيق المطلق للموضوعية يكاد يكون مستحيلا.
انطلاقا من هذه المسلمة وبناء على الاطلاع المسبق فإنه من الصعب بمكان اعتبار الباحث موضوعيا ومحايدا إزاء الحمولة التاريخية والثقافية التي أفرزته، وأيضا من السياق الذي حكم ظهور المنهج العلمي فضلا عن التحيزات الشخصية والمعرفية التي يختارها دارسو الظواهر الاجتماعية بوعي منهم أو بدونه.
ينبه عدد من الباحثين في العلوم الاجتماعية، إلى ضرورة التفريق بين دلالة مفهوم الموضوعية في العلوم الاجتماعية ودلالتها في العلوم الطبيعية، حيث إن الالتزام بالمنهج العلمي لا يعني بالضرورة التحرر المطلق من الإيديولوجيا.
من خلال هذا العرض سنحاول إثارة إشكالية حياد وموضوعية الباحث من عدمه، من خلال الجواب عن السؤال التالي:
هل بإمكان الباحث أن يكون موضوعيا إزاء الظاهرة الاجتماعية المدروسة؟
وأيضا الوقوف عند الدفوعات التي يقدمها أنصار طرح الموضوعية والمضادين لهم، وصولا إلى بعض الخلاصات التي سيفرزها ذلك السجال العلمي بين الطرحين.
المحور الأول: الدفوعات النظرية لعدم موضوعية الباحث
على عكس الوضعيين يرفض نقاد الوضعية الفصل بين ذات الباحث وموضوع بحثه، معتبرين أن فهم وتفسير الفرد للعالم من حوله إنما يمر حتما عبر ما يأتي من داخله وليس من الخارج، معتبرين أن محاولة عزل الباحث عن الظاهرة المدروسة، يعد نوعا من التأمر على الفرد وأن الموضوعية ما هي إلا أحد أوهام العصر الحديث
أولا: التحيز الاجتماعي طبيعة بشرية
انطلاقا من المسلمة القائلة بأن الموضوعية هي ذلك المستحب صعب المنال”، يقر “كارل بوبر “، أن عالم الاجتماع يصعب عليه أن يكون موضوعيا بالمطلق، معتبرا أنه حتى لو طلبنا من عالم الاجتماع لأن يقول الحقيقة، باعتبارها مقياس للموضوعية، إلا أن قول الحقيقة نفسه قد يصبح تحيزا، فحتى بقول الحقيقة لا تستطيع أن نزعم بأنه لم ينحرف عن الموضوعية العلمية، حتى وإن تنبأ بحقيقة ووقعت فإنما ذلك بعد ترتيبا للحوادث حسب ميول العالم كما يشرح ذلك ، فالإنسان بطبيعته ميال إلى إسقاط وضعه الاجتماعي، أو مصلحته على الأفكار، فتكون نتائج البحث متحيزة، لا تعكس بالضرورة واقع الظاهرة المبحوثة، بل تعبر عن رؤية الباحث لهذا الواقع” .
الدكتور إبراهيم أبراش يذهب أبعد من ذلك في سياقه الاستدلالي على استحالة الموضوعية في البحث العلمي إلى القول إنه وحتى في حالة اتخاذ الباحث الموقف محايد إزاء ظاهرة معينة، فإن ذلك الحياد بعد موقفا في حد ذاته، ولا يعبر عن موضوعية الباحث إزاء الظاهرة المبحوثة معتبرا أن “أي باحث مهما ادعى العلمية والموضوعية، ومهما التزم بالقواعد الصارمة للمنهج العلمي فإنه بوعي أو بدون وعي سيجد نفسه يعبر عن واقع ماء يؤيده، أو يرفضه وحتى إن أتخذ موقفا محايدا في قضية مختلف بشأنها، فإن حياده بعد موقفا بحد ذاته”.
ثانيا: نماذج من تأثير تاريخ العالم على إنتاجه الفكري
يقول الفرنسيون إن السياقات تحكم النصوص، وكذلك الأمر ينسحب عن على العديد من الفلاسفة والمنظرين في مختلف العلوم ومنها الاجتماعية، حيث نجد أن نشأة الباحث والظروف المحيطة بها، يكون لها الأثر البالغ والبين على مختلف خلاصاته وأفكاره وإن الصقت بها صفة البحث العلمي أو المعرفة العلمية، في هذا الإطار يمكن استحضار نموذجين من الفلاسفة مختلفين في طروحاتهم النظرية لكن بصمة الحمولة الثقافية والنشأة تظل واضحة على اجتهاداتهم العلمية:
النموذج الأول: توماس هوبز أحد أشهر الفلاسفة السياسيين في القرن السابع عشر (1588-1679)، وأحد مؤسسي مفهوم العقد الاجتماعي، والذي اعتبر أنه مقابل أن توفر الدولة الأمن وتفادي الحروب الأهلية لابد من تمتيع الحكم المركزي بكل الصلاحيات وعلى إطلاقيتها، فقد عرف هوبز بأنه من أنصار الملكية المطلقة، ويعتبر الاستنتاج العملي الرئيسي لنظريته السياسية هو : “أن الدولة أو المجتمع لا يمكن أن يكونا أمنين إلا تحت التصرف المطلق للحاكم”. لقد ولد هوبز في سياق حرب الأرماد الإسبانية، وشهد عمليات القتل والاغتصاب أمام عينه في جو من الخوف واللا أمن حيث قال معلقا على مرحلة ولادته لقد وضعت أمي توءما أنا والخوف”.
في كتابه “اللفيتان”، عرض هوبز مذهبه حول أساس الدول والحكومات الشرعية مؤكدا على ضرورة وجود سلطة مركزية قوية لتجنب شر الشقاق والحرب الأهلية. ويفترض هوبز أن الحياة بدون حكومة، ستنتج لنا “حرب الجميع ضد الجميع”.
النموذج الثاني: شارل لوي دي سيكوندا، المعروف بمونتيسكيو، من أسرة النبلاء، وإعلان التنوير والحداثة من مواليد 1689 1755، بالجنوب الغربي الفرنسي، وكان العمل في الجيش أولى المهن التي زاولها قبل أن يختار الانتقال المزاولة مهنة المحاماة قبل أن يتفرغ للكتابة الأدبية والروايات قبل كتبه “روح القوانين” و “نظرية المناخ”، حيث يؤكد دور المناخ وتأثيره على فكر وحياة الفرد وطبيعته. وهنا يحضر المناخ ومونتيسكيو نفسه للتدليل على العوامل المتعددة والمؤثرة على اختيارات الباحث العلمية وعلى اختياراته الحياتية المختلفة، فكيف للباحث في العلوم الاجتماعية أن ينسلخ من كلال هذا ويكون ويتحلى بالموضوعية المطلقة.
لقد كان الفيلسوف الذي نشأ في جو الثورات وإعلان بريطانيا نفسها نظاما ملكيا دستوريا، من أشد المدافعين على ضرورة استقلال السلط، وقد أكد عدة مرات عن تأثر فكره وحياته بالتحولات الوطنية والإقليمية التي عاصرها.
المحور الثاني: الدفوعات النظرية لموضوعية الباحث
ينطلق أنصار الموضوعية من خلاصة مركزة مفادها أن مطلب الموضوعية في البحوث الاجتماعية لن تهزه كل النظريات والمدارس الفكرية المعارضة له، ويخلصون إلى أن الاعتماد على رأي المشاركين في الظواهر الاجتماعية أو على ذات الباحثين، سيبعد البحث العلمي عن الحقيقة ويجعله حقل فوضى تسيطر عليه الأهواء الذاتية والإيديولوجيا.
أولا: التعامل مع الظواهر كأشياء
يعتبر عالم الاجتماع الفرنسي، “إميل دوركايم” – 1858-1917 ومن خلال كتابه “قواعد المنهج في علم الاجتماع”، من أبرز الداعين إلى ضرورة التعامل مع الظواهر الاجتماعية كأشياء، في محاولة منهجية منه إلى فصل وعزل ذات الباحث عن الظاهرة موضوع البحث، مسجلا أن إسقاط قناعات ومعتقدات الباحث على الظاهرة المدروسة يجعلها مجانبة للعلمية وهو أمر في النهاية لا يتطلب أي بحت، فالنتائج معلومة سلفا انطلاقا من انتماء الفرد الديني أو القبلي. أو لطبقته/ فئته الاجتماعية.
على هذا الأساس يدعو إيميل دوركايم، إلى ضرورة التخلص من الأفكار المسبقة حول ظاهرة ما، والتعامل معها كشيء مجرد عن ذات الباحث والحرص على دراسة الظواهر الاجتماعية في حد ذاتها، مسجلا أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن على الإطلاق أن تكون متشابهة للفرد في خصائصه النفسية، مؤكدا دراسة نفسية الفرد أو صفاته البيولوجية لا تقوم بالوصول إلى الظواهر الاجتماعية الخارجة من الإنسان أو الفرد نفسه، وتتميز بأنها تكون بمعزل عن إرادة الفرد، ومن أهم خصائصها ممارسة القوة والقهرية والإلزام على الأفراد، فضلا عن عنصري العمومية والانتشار والإنسانية.
يسجل صاحب الدراسة الشهيرة حول الانتحار، أن ليس كل شيء موجود في المجتمع يعتبر ظاهرة اجتماعية، فالنوم والأكل والتأمل لا تعتبر ظواهر اجتماعية، لكن الطقوس الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية وأشكال الزواج والطلاق والقرابة والمظاهرات كلها تعتبر من الظواهر الاجتماعية حسب إيميل دوركايم.
و خلص دوركايم إلى أنه إن لم يكن للظاهرة الاجتماعية وجود مستقل عن الظواهر التي يقوم بدراستها علماء النفس، فإنه لا حاجة لنا في إنشاء علم جديد يسمى علم الاجتماع.
ثانيا: بين التحيز والموضوعية
يميز عدد من الباحثين بين التحيز المقصود للباحث والذي يروم من خلاله تشويه الحقيقة ابتغاء مصلحة خاصة أو تلبية لميول إديولوجي، وبين التحيز المرتبط بطبيعة البحث في الظواهر الاجتماعية والذي يهدف إلى منفعة اجتماعية تكون لصالح فئة أو طبقة اجتماعية دون أخرى.
في الحالة الأولى يشرح إبراهيم ابراش أن التحيز المشوه للحقيقة يرافق الباحث منذ الخطوة الأولى في البحث إلى آخر الخطوات من اختيار الموضوع الذي قد يكون هامشيا بالنسبة للمجتمع، إلى الإشكالية والمراجع…. أما التحيز المتعلق بطبيعة الاجتماع وعدم الالتزام بالموضوعية حيث يرى عدد من الباحثين الاجتماعيين أن العلوم الاجتماعية متحيزة بطبعها، وأن الإيديولوجيا محايثة للعلوم الاجتماعية وأنها شر لابد منه.
كما أنه لا يوجد علم من أجل العلم، في هذا الصدد يقول إميل دوركهايم “إن علم الاجتماع لا يستحق ربع ساعة من التعب إن لم يكن قادرا على إثبات منفعة اجتماعية” .
أما “رأيت ملز”، فقد شدد على أن “البحث السوسيولوجي اليوم موجود مباشرة الخدمة قادة الجيش والمرشدات الاجتماعيات ورؤساء المنشئات ومديري الإصلاحيات” .
في هذا الصدد يمكن استحضار العديد من المفاهيم التي كانت مقدمة لشن الحروب الأمريكية على دول أخرى أو التدخل في شؤونها الداخلية، انطلاقا من مقولة “الفوضى الخلاقة”، في حقية وزيرة الخارجية الأمريكية ” كونداليزارايس”، أو “الشرق الأوسط الجديد”، وغيرها من المفاهيم التي تم ولادتها داخل الجامعات ومعاهد البحث الأمريكية لتكون في خدمة الجيوش والعساكر والساسة على حد سواء، لتكون في خدمة الشعب الأمريكي ومصالحه الحيوية في نهاية المطاف.
ثالثا: رأي توفيقي
يمكن اعتبار أن “ماكس فيبر”، ومن خلال كتابه رجل العلم ورجل السياسة) قد وجد توليفة للإشكالية موضوع العرض، حيث دعا للتفريق بين أحكام القيمة وأحكام العلم، مبرزا الفرق بين البعد العلمي لاختيارات عالم الاجتماع وبين أحكام القيمة التي تكون للسياسي، وأيضا بين الحياة العادية للباحث حيث يمكنه أن يتخذ أيضا أحكام قيمة وبين القيام بتحليل علمي للبنيات السياسية.
خلاصة
إذا كانت موضوعية البحث العلمي موضع شكوك وأسئلة وتباين في الرؤى والطروحات، بالنظر الموقع ذاتية الباحث وثقافته في الظاهرة موضوع البحث فكيف سيكون الحال ونحن إزاء ذات النقاش لكن هذه المرة على مستوى أكبر يتعلق بمناهج البحث العلمي في حد ذاتها، وما إن كانت هي الأخرى محايدة ومجردة من الحمولة الثقافية والتاريخية؟
فإذا كان المنهج العلمي هو سلاح الباحث في خدمة الموضوعية المشكوك فيها، فكيف سيكون الوضع العلمي والبحتي تاريخا ومستقبلا إذا كانت المناهج نفسها غير محايدة ولا موضوعية، وأنها هي الأخرى نتاج حمولة ثقافية وتاريخية وسياق حاكم لنصوصها.
قائمة المراجع:
• المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية، د. إبراهيم أبراش، دار الشروق، عمان، 2008،
• ماكس فيبر كتاب رجل العلم ورجل السياسة، ترجمة نادي ذكرى بيروت، دار الحقيقة، 1982.
• محمد أحمد الزعبي كتاب علم الاجتماع العام والبلدان النامية مدريد، 1985.
• المعجم النقدي لعلم الاجتماع، يمون بودون وبوتريكو، ترجمة سليم حداد، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة الأولى، 1986.
* طالب باحث بسلك الدكتوراه، تخصص القانون العام والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية _ أكدال، جامعة محمد الخامس.
المقال منشور العدد 41 – 2026 من مجلة “مسارات”