وجهة نظر

الساعة والسلطة: حين يُوقَّت القرارُ بمنطق الانتخاب.. يرتهن مصير الشعب بحساب النخب المتنفذة

في السياسة، كما في نظام الفلك، ثمة توقيتات مُحسوبة بدقة متناهية. وحين أعلن رئيس الحكومة عزيز أخنوش قرار عودة المغرب إلى اعتماد الساعة القانونية (غرينتش)، ونهاية العمل بالتوقيت الإضافي (غرينتش+1)، ابتداءً من أواخر صيف هذه السنة 2026، لم يكن ذلك مجرد إجراء تقني في تدبير زمن المغاربة؛ بل كان إعلاناً سياسياً بامتياز، يُقرأ في سياقاته أكثر مما يُقرأ في مضمونه.

فالقرار لم يأتِ من فراغ مؤسسي، ولم يُفاجئ أحداً بمضمونه. المغاربة ظلوا يطالبون بهذه العودة منذ أن فُرض عليهم التوقيت الإضافي بموجب مرسوم أكتوبر 2018. وقد وصلت هذه المطالبة درجة الحرارة القصوى في الأشهر الأخيرة، حتى تجاوزت العريضة الإلكترونية المطالبة بإلغاء الساعة الإضافية 85 ألف توقيع، مُمارِسةً ضغطاً شعبياً لم يعد في وسع أي حكومة تجاهله. بل إن حزب العدالة والتنمية تبنّى رسمياً هذا المطلب وطالب الحكومة بالاستجابة له، في خطوة تُنبئ بأن الملف في طريقه ليصبح سلاحا انتخابيا بيد المعارضة.

هنا بالذات يكمن جوهر السؤال الذي يطرحه هذا المقال: هل الذي جرى قرارٌ يستجيب لإرادة شعبية ما تلبث تنبأ عن قوة عزمها، أم هو مناورة يستبق بها رئيس الحكومة خصومه ويُحيّد ورقةً كانت في متناول عبد الإله بنكيران ليوظفها في الحملة الانتخابية المقبلة؟

أولاً: التوقيت الرمزي وسؤال النوايا

ثمة قاعدة في التحليل السياسي مفادها أن الأسئلة الكبرى لا تطرحها القرارات في حد ذاتها، بل توقيتها وسياقها. وهذا القرار يحمل في توقيته ما يُغني عن كثير استنتاجات.

المغرب مقبل على انتخابات تشريعية في خريف 2026. ورئيس الحكومة الذي أمضى ثلاث سنوات في مواجهة ملفات اقتصادية حارقة كغلاء المعيشة وأسعار المحروقات، يجد نفسه أمام ملف بسيط في ظاهره، عميق في تأثيره الشعبي: ساعةٌ تُؤرّق نوم الأسر المغربية وترهق الأطفال قبل ذهابهم إلى المدارس وتُخل بالساعة البيولوجية للمواطنين. أن يُعلن إلغاءها، وأن يُعلن ذلك قُبيل الانتخابات تحديداً، ليس صدفةً تستحق التجاهل.

والأدهى أن الإعلان جاء بعد أن تحول المطلب إلى برنامج انتخابي صريح لحزب العدالة والتنمية في المعارضة. فبدلاً من أن يحصد بنكيران ثمار هذا الملف في صناديق الاقتراع، وجد نفسه أمام أخنوش يُعيد رسم خريطة الإنجازات، ويجعل الفضل حصرا لحكومته. خطوة قد يعدها البعض بأنها ورقة انتخابية رابحة لدى حزب المصباح وزعيمه بنكيران، أضحت هي والعدم سواء..

ثانياً: سياسة تدبير التوقعات الشعبية

لكن التفكير الرصين يقتضي ألا نُحوّل كل قرار صحيح إلى قرار مشبوه بمجرد توافقه مع مصلحة انتخابية. المنطق الاستبعادي الذي يرفض كل إجراء حكومي، فقط، لأنه يُفيد الحاكمين سياسياً، هو منطق عقيم لأنه يُفضي إلى مفارقة غريبة: المطلوب من الحكومة ألا تُرضي الشعب كي لا تنتفع انتخابياً!

المسألة الجوهرية ليست هل يُفيد القرار أخنوش، بل: لماذا لم يأتِ هذا القرار في السنة الأولى أو الثانية من عمر الحكومة حين كانت الشكاوى الشعبية ذاتها قائمة؟! لماذا احتاج الأمر ثماني سنين من التوقيت الإضافي المفروض، وعشرات الآلاف من التوقيعات، والتهديد بتوظيف الملف انتخابياً من طرف المعارضة، حتى تتحرك الحكومة العتيدة؟

الجواب المحتمل ليس أن الحكومة لم تكن مُقتنعة بعدالة المطلب، بل إن التوقيت الأمثل لتحقيق أقصى عائد سياسي من القرار كان هو الذي حكم التأخير. وهذا يعني أن المواطن المغربي ظل يعيش لسنوات تحت وطأة ساعة ترهقه، لأن إصلاح هذا الخلل لم يكن أولوية في حسابات الحكومة وما تمثل، بل احتفظ به باعتباره ورقة تُوظَّف في اللحظة المناسبة. هذا هو العطب الحقيقي، لا في القرار ذاته، بل في منطق التدبير الذي يُحوّل مصالح المواطنين إلى رصيد انتخابي.

ثالثاً: من فرض الساعة وما الذي تغيّر؟

ثمة بُعد بنيوي في هذا الملف لا يمكن إغفاله. قال عدد من المعلقين إن موضوع الساعة الإضافية ليست بيد حكومة أخنوش بل بيد صنع القرار في المغرب وفرنسا، في إشارة إلى علاقة هذا التوقيت بقطاع مراكز الاتصال الذي يعمل وفق المنطقة الزمنية الأوروبية، ولا يُخفى ما لهذا القطاع من ثقل اقتصادي. ولعل هذا هو ما يجعل بعض المحللين يُشككون في ديمومة القرار أصلاً، فلا شيء يُضمن ألا يعود التوقيت الإضافي بعد الانتخابات حين يُعاد ترتيب الأولويات من جديد.

في هذا السياق، يصبح الإعلان الحكومي عن إلغاء الساعة الإضافية بعد نهاية صيف 2026 مليئاً بأكثر من دلالة: أولاً، أنه تأتي به حكومة لم تكن هي من اتخذ قرار فرض التوقيت الإضافي أصلاً، مما يجعل الإلغاء إجراءً يُحسب لها مجاناً. ثانياً، أن توقيت التطبيق – بعد الصيف أي بعد الانتخابات – يجعل المواطن في حالة انتظار جديدة، لا يذوق طعم القرار قبل أن يُدلي بصوته. والانتظار في السياسة هو شكل ناعم من أشكال الاستدراج. ولما لا الابتزاز السياسوي..

خاتمة: الديمقراطية تقاس بمدى تحقق السياسة بما هي كذلك..

وبالمحصلة؛ لا يتعلق الأمر بالحكم على قرار ساعة في حد ذاته. القرار صحيح في مضمونه وإن جاء متأخراً. الذي يستوجب التأمل هو النمط الذي تكشف عنه هذه الحادثة: نمط يجعل السياسات العامة مرتبطة بالمنطق الانتخابي بدلاً من أن تكون استجابةً مستمرة وأمينة لحاجيات المواطنين.

حين يُصبح تحسين حياة الناس ورقةً تُلعب في اللحظة المناسبة، لا إجراءً يقتضيه الرشد في السياسة العمومية باعتبار وظيفتها الاجتماعية: حفظ السلم المدني، والمنافسة السلمية على المنافع (الخيرات)، فإننا نكون أمام خلل جوهري في فلسفة الحكم. وهذا الخلل يبقى قائماً سواء سجّل أخنوش هدفه في الوقت الميت، أو كانت الخطوة بمثابة ضربة ساحقة (Smash) أُهديت إليه بسخاء في زمن انتخابي مناسب.

الساعة قد تعود إلى غرينتش. لكن الديمقراطية الحقيقية لن تتحقق ما لم تعد السياسات إلى خدمة المواطن خارج منطق المواسم. وما لم تُصالح السياسةُ ذاتَها – بوصفها فعالية اجتماعية مدنية – مبدأها الوجودي الأول: إن المصلحة العامة ليست وسيلةً تُوظَّف، بل غايةٌ تُلزِم. وحين يغيب هذا التلازم، لا تسقط الساعة فحسب، بل تسقط معها المشروعية الديموقراطية أو تكاد.