رفض مقترحي القانونين المتعلقين بتسقيف أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة “سامير”: قراءة تحليلية
وجهة نظر

رفض مقترحي القانونين المتعلقين بتسقيف أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة “سامير”: قراءة تحليلية

صادق مجلس المستشارين بالأغلبية في جلسته العامة المنعقدة يوم الثلاثاء 16 يونيو 2026 على رفض مقترحي قانونين يتعلقان بتنظيم وتسقيف أسعار المحروقات بالمغرب وتفويت أصول شركة تكرير البترول “سامير” لحساب الدولة المغربية. 

ويمثل هذا الموقف البرلماني منعطفا تشريعيا بارزا في مسار السجال السياسي والاقتصادي حول نموذج الحكامة الطاقية في المغرب وكيفية تدبير تقلبات الأسعار؛ وهو ما يمكن اعتباره ظاهريا توجها نحو التمسك بآليات السوق الحرة باعتبارها الإطار الناظم لقطاع الطاقة الوطني. 

ومن الأهمية بمكان التأكيد أن مقترحي القانون موضوع الرفض يتصلان بإشكاليتين هيكليتين في البنية الاقتصادية والاجتماعية المغربية، تتشابك فيهما اعتبارات تاريخية وقانونية وسياسية، الأمر الذي يفرض تفكيكهما وتحليلهما وفق المحاور التالية:

أولا: التطور التاريخي والقانوني لسياسة الأسعار بالمغرب (من التقنين إلى التحرير)

لفهم الخلفيات البنيوية لرفض مقترح تقنين وتسقيف الأسعار، لا بد من العودة إلى المسار التاريخي لسياسة تقنين الأسعار بالمغرب والتي مرت بثلاث محطات رئيسية:

تمثلت المحطة الأولى في مرحلة التقنين الإداري والدعم الشامل، الممتدة من فترة الحماية إلى مطلع الثمانينيات، حيث تميزت بتبني الدولة لسياسة تدخلية مباشرة تقنن أسعار المواد الأساسية والخدمات التي بلغت 172 فئة عبر صندوق المقاصة، مدعومة بالمرسوم الملكي بمثابة قانون رقم 008.71 الصادر سنة 1971، بهدف حماية السلم الاجتماعي وتوجيه الاقتصاد.

ثم تلتها مرحلة التحول البنيوي والتقويم الهيكلي ابتداء من سنة 1982، حيث فرضت أزمة ميزان المدفوعات وضغوط المؤسسات المالية الدولية مراجعة نموذج التدخل العمومي، مما أدى إلى تقليص العبء المالي المباشر على الخزينة العامة للدولة والتراجع التدريجي عن التثبيت الإداري للأسعار لصالح الانفتاح التجاري وتخفيف الانفاق.

وصولا إلى مرحلة مأسسة اقتصاد السوق والتنظيم المستمرة منذ سنة 2000، والقطع مع تثبيت الأسعار والتي توجت بصدور القانون رقم 99-06 وتلاه القانون الحالي رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.

 وقد كرست المادة الثانية من هذا القانون مبدأ الخضوع لقانون العرض والطلب كأصل عام مع الاحتفاظ بآلية التدخل الاستثنائي والمؤقت للإدارة في حالات الأزمات الحادة والاحتكار أو الظروف الاستثنائية والكوارث.

ثانيا: اختلالات السوق وسؤال التدخل العمومي

شكلت الصدمات الاقتصادية لعام 2022 مختبرا حقيقيا لتقييم مدى مرونة منظومة الأسعار الحرة بالمغرب؛ حيث تضافرت ضغوط التضخم المستورد الناتج عن الحرب الروسية الأوكرانية مع صدمة مناخية وطنية تمثلت في استمرار موجة الجفاف.

وأمام هذا العبء المالي، بادرت الدولة إلى تفعيل آلياتها المؤسساتية عبر إعادة هيكلة لجان اليقظة؛ حيث أُسندت كتابة اللجنة المركزية للأسعار ولجنة الأسعار المشتركة إلى مديرية الأسعار والمقاصة بوزارة الاقتصاد والمالية.

 ورغم الإشارات القانونية الصادرة عن مجلس المنافسة والتي ذكرت بإمكانية التدخل الحكومي المؤقت وفق المادة الثانية من القانون 104.12، إلا أن التدبير العمومي مال إلى تفادي التدخل المباشر في الأسعار، تلافيا -بحسب التبريرات التي كانت تقدم -لأي تشويه في آليات السوق الحرة والاعتماد بدلا من ذلك على بعض الأليات كالدعم القطاعي المباشر لمهنيي النقل.

ثالثا: تحليل مبررات رفض التسقيف في ضوء النقاش المؤسساتي

يعود الجدل حول تسقيف أسعار المحروقات إلى قرار التحرير الشامل للقطاع سنة 2015 في عهد حكومة بنكيران، وقد أظهرت المؤشرات المالية اللاحقة – خاصة تقرير المهمة الاستطلاعية البرلمانية المؤقتة حول كيفية تحديد أسعار البيع للعموم وحقيقة وشروط المنافسة بقطاع المحروقات بعد قرار تحديد  الأسعار لسنة 2018- أن التحرير لم يفرز تنافسية سعرية كاملة، بل أدى إلى تراكم أرباح إضافية للشركات الفاعلة قدرت بـ 15 مليار درهم بين سنتي 2015 و2017، مع ارتفاع متوسط هامش الربح للتر الواحد من الغازوال ليصل إلى مستويات قياسية مقارنة بفترة ما قبل التحرير.

وفي خضم الرفض الحالي للمقترح البرلماني، تستند الأغلبية الحكومية إلى مجموعة من المبررات يواجه بعضها نقدا تحليليا. 

فمن جهة، تبرر الحكومة موقفها بالتمييز بين التسقيف الإداري النهائي للأسعار وضبط هوامش ربح الفاعلين، غير أن هذا التمييز يظل قاصرا في ظل غياب أدوات رقابة قادرة على كبح الممارسات الاحتكارية في سوق يتسم بنسب تركيز عالية.

ومن جهة ثانية، يربط الخطاب الحكومي تلقائيا بين تسقيف الأسعار والعودة لنظام الدعم الشامل عبر صندوق المقاصة، وهو اختزال غير متجانس؛ إذ يمكن تفعيل التسقيف عبر تدابير مرنة وبديلة لا تكلف الميزانية العامة اعتمادات مالية اضافية، كاعتماد هندسة ضريبية استثنائية ومؤقتة (عبر تعديل الرسوم الجمركية أو مراجعة الضريبة الداخلية على الاستهلاك) أو فرض ضرائب استثنائية على الأرباح المفرطة للشركات، كما أن تقديم فرضية أن التدخل المباشر يهدد التوازنات المالية وتمويل ورش الحماية الاجتماعية يعكس مفاضلة تقنية وقيمية ترجح أولوية المؤشرات المالية على الكلفة الاجتماعية المباشرة لتقلبات الأسعار.

وفي المقابل، تتطابق مبررات رفض التسقيف كإجراء هيكلي دائم مع التوجهات والآراء التحليلية للمؤسسات الاستشارية؛ إذ يرى في هذا الصدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الحل لا يكمن في التسقيف، بل في إصلاح سلاسل التسويق وتقنين دور الوسطاء وتفعيل المراقبة لمحاربة المضاربات والتمركز.

 وفي الاتجاه ذاته، يعتبر مجلس المنافسة أن تسقيف الأسعار يظل آلية قانونية استثنائية ومؤقتة محفوفة بالمخاطر، لأنها قد توفر حماية وهمية للمستهلك ولا تحميه عند الارتفاع الشامل للأسعار دوليا، فضلا عن تهديدها لاستمرارية الفاعلين الصغار والمتوسطين، وهو ما يجعل تيارا واسعا الاقتصاديين يفضلون خيار “تسقيف هوامش الربح” كآلية حمائية عادلة تضمن استقرار السوق دون تحميل المالية العمومية أي أعباء تداولية إضافية.

رابعا: معضلة “سامير” وإشكالية الأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية

بالموازاة مع ملف الأسعار، يطرح رفض مقترح تأميم أصول مصفاة “سامير” أو نقل ملكيتها للدولة تساؤلات حول تدبير الأمن الطاقي الاستراتيجي؛ حيث كشف مسار خوصصة الشركة سنة 1996 وتوقفها عن الإنتاج سنة 2015 ثم دخولها مرحلة التصفية القضائية سنة 2016، عن اختلالات هيكلية بالغة الكلفة أدت إلى تفاقم مديونيتها لتتجاوز 44 مليار درهم، تشكل مستحقات إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة منها حوالي 13.5 مليار درهم، مما جعل خيار الاسترداد العمومي المباشر عبئا ماليا قد يخل بالتوازنات الجارية للميزانية العامة.

ومع ذلك، فإن استمرار تعطيل المصفاة يضع المغرب أمام خسائر متعددة الأبعاد؛ إذ يفقد البلاد قدرة تخزينية كانت تؤمن ما يقارب 74 يوما من الاستهلاك الوطني، ويكرس في المقابل الاعتماد الكامل على استيراد المواد البترولية المكررة ذات الكلفة العالية، بما يترتب عنه أثر مالي سلبي يقدر بنحو 6 مليارات درهم سنويا على شكل قيمة مضافة مفقودة. 

وقد أسهم هذا الوضع في تعميق عجز الميزان التجاري الطاقي، كما قلص مستوى المنافسة البنيوية داخل السوق الوطنية لفائدة عدد محدود من الفاعلين المستوردين.

وبرغم التوجه الاستراتيجي الطموح للمملكة نحو الانتقال الطاقي وتسريع مساهمة الطاقات المتجددة لتصل إلى 52% في أفق 2030، فإن تأمين التموين بالمواد البترولية يظل حاجة حيوية غير قابلة للإلغاء في المديين القصير والمتوسط، مما يفرض معالجة ملف مصفاة “سامير” خارج حدود الرؤية التجارية الضيقة للشركات المتعثرة وباعتباره ركيزة للأمن الطاقي.

خامسا: بين منطق السوق والدولة الضابطة — أي نموذج للمستقبل؟

يكشف هذا النقاش السياسي والاقتصادي عن صراع بين رؤيتين لإدارة الاقتصاد والمرفق العمومي؛ رؤية نيوليبيرالية متمسكة بآليات السوق الحرة، وترى في التحرير اختيارا لا رجعة فيه لحماية جاذبية الاستثمار الخارجي وعدم إثقال كاهل الميزانية العامة بالتدخلات.

 وفي المقابل، تبرز رؤية تدخلية حمائية تطالب بضرورة اضطلاع الدولة بدور أكثر فاعلية في القطاعات الاستراتيجية لتفعيل أدوات الضبط حماية للسلم الاجتماعي والسيادة الوطنية والقدرة الشرائية.

غير أن أدبيات المالية العمومية الحديثة تؤكد أن النجاعة الاقتصادية لم تعد رهينة الاختيار الثنائي الجامد بين التحرير المطلق أو التقنين الصارم، بل في صياغة نماذج هجينة تقوم على التنظيم المعقلن والدولة الضابطة والتي تتيح الجمع بين مرونة السوق وحماية المستهلك عبر مؤسسات حكامة قوية ومستقلة.

وخلاصة القول، فإن إسقاط مقترحي القانونين بمجلس المستشارين لا يعني إغلاق الملف، بل ينقل التحدي إلى مستوى أكثر إلحاحا يتعلق بمدى قدرة المدبر العمومي على بلورة سياسات استباقية مرنة، إذ لا يقاس نجاح السياسة الاقتصادية بمدى انسجام خطابها النظري مع مبادئ السوق الحرة، بل بقدرتها الإجرائية والعملية على حماية المستهلك والاقتصاد الوطني من الصدمات الخارجية دون الإضرار بالتوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني وهو التحدي الجوهري الذي سيحدد معالم ومستقبل الحكامة الطاقية في المغرب.