تمثل عاشوراء في المغرب نموذجا سوسيولوجيا بالغ الثراء لكيفية تحول المناسبة الدينية من حدث عقائدي وتاريخي إلى فضاء تتقاطع داخله الذاكرة الجماعية والسلطة السياسية والتمثلات الثقافية والممارسات الشعبية. فهي ليست مجرد يوم في التقويم الديني الإسلامي، بل هي حقل رمزي تتصارع داخله سرديات متعددة حول الماضي والحاضر، وحول الدين والهوية والسلطة، وحول الفرح والحزن، وحول الذاكرة والنسيان.
إذا كانت عاشوراء في أصلها الإسلامي مرتبطة بصيام اليوم العاشر من شهر محرم، تأسيا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي صامه شكرا لله على نجاة موسى وقومه من فرعون، فإن مسارها التاريخي عرف تحولات عميقة جعلتها تحمل دلالات مختلفة ومتعارضة أحيانا. فقد أضفت عليها واقعة كربلاء سنة 61 هـ بعدا سياسيا وعاطفيا قويا، حيث أصبح اليوم مرتبطا باستشهاد الحسين بن علي وأهل بيته، فتحولت عاشوراء في جزء كبير من العالم الإسلامي إلى مناسبة لاستحضار المأساة وإحياء الذاكرة الشيعية.
ومن الناحية التاريخية، ساهمت الدولة الفاطمية في ترسيخ بعض الطقوس المرتبطة بعاشوراء داخل المجال المغاربي. فقد عمل الفاطميون على توظيف الرمزية الكربلائية في بناء شرعيتهم السياسية باعتبارهم ينتسبون إلى آل البيت، فغدت عاشوراء مناسبة رسمية للحزن وإظهار الولاء الرمزي للسلالة النبوية. لكن مع سقوط الدولة الفاطمية وصعود الأنظمة السنية، ولاسيما في الغرب الإسلامي، تعرضت هذه الطقوس لإعادة التأويل والتفكيك، دون أن تختفي آثارها الرمزية بالكامل من المخيال الشعبي.
في المغرب، تبدو عاشوراء اليوم وكأنها فسيفساء من الممارسات المتراكمة تاريخيا. فمن جهة، نجد طقوسا احتفالية يغلب عليها الفرح واللعب والتوسعة على الأسرة، ومن جهة أخرى تظهر بعض الممارسات ذات الخلفية الحزنية أو التذكارية، ومن جهة ثالثة نجد التوجه السني الفقهي الذي يختزل المناسبة في الصيام والعبادة دون غيرهما.
وتكشف القراءة السوسيولوجية أن هذه التعددية ليست مجرد اختلافات دينية، بل هي انعكاس لمسارات تاريخية متشابكة. فالمجتمع لا يحفظ الوقائع كما حدثت، بل يعيد إنتاجها وفق حاجاته الرمزية والثقافية. لذلك لم تعد عاشوراء في المخيال الشعبي المغربي مرتبطة مباشرة بالنقاشات العقدية حول كربلاء أو حول نجاة موسى، بقدر ما أصبحت مناسبة اجتماعية تؤدي وظائف متعددة.
فالاحتفال المغربي بعاشوراء من خلال شراء اللعب للأطفال وإشعال النيران ورش المياه وإعداد أطباق خاصة من اللحم المجفف أو القديد والشحم المدخر من عيد الأضحى يعكس عملية “تدنيس رمزي” بالمعنى السوسيولوجي، أي انتقال المناسبة من المجال العقائدي الصرف إلى المجال الثقافي الشعبي. فالأفراد لا يمارسون هذه الطقوس باعتبارها تعبيرا عن موقف سياسي أو مذهبي، بل باعتبارها جزءا من التراث والعادة والذاكرة الجمعية.
ومن منظور إميل دوركايم، يمكن فهم عاشوراء باعتبارها لحظة من لحظات “الهيجان الجمعي” الذي يعيد إنتاج التضامن الاجتماعي. فالاجتماع حول الطعام، وتبادل الزيارات، ومشاركة الأطفال ألعابهم، كلها ممارسات تؤكد انتماء الأفراد إلى الجماعة وتعيد إنتاج الروابط الاجتماعية. ولذلك فإن الوظيفة الاجتماعية للمناسبة قد تصبح أحيانا أهم من أصلها الديني.
وفي المقابل، تمثل الممارسات الحزنية المرتبطة بكربلاء نموذجا لما يسميه علماء الاجتماع “سياسات الذاكرة”. فاستحضار مقتل الحسين لا يتعلق فقط بالتاريخ، بل بإعادة بناء سردية أخلاقية حول الظلم والعدالة والتضحية والوفاء. لذلك تتحول الذاكرة هنا إلى أداة لصناعة الهوية الجماعية والمحافظة عليها عبر الأجيال.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن اليوم نفسه أصبح مجالا لتضاد رمزي حاد. فبينما يرى فريق أن عاشوراء يوم فرح وبركة وتوسعة، يراها آخرون يوما للحزن واستذكار المأساة. وبينما يعتبر البعض إظهار السرور نوعا من الشكر لله، يعتبره آخرون تجاهلا لفاجعة كربلاء. وهكذا يتحول الزمن الديني الواحد إلى فضاء تتعايش داخله قراءات متناقضة للتاريخ.
ومن منظور سوسيولوجيا المعرفة، لا يتعلق الأمر بصراع حول الوقائع بقدر ما يتعلق بصراع حول المعنى. فكل جماعة تعيد تأويل الحدث التاريخي بما ينسجم مع منظومتها الرمزية والعقدية. ولذلك فإن عاشوراء لا تكشف فقط عن اختلاف المذاهب، بل تكشف أيضا عن اختلاف طرق بناء الذاكرة وفهم التاريخ.
أما الاتجاه السني الغالب في المغرب فقد تشكل تاريخيا من خلال موقف نقدي للطرفين معا. فهو يرفض تحويل المناسبة إلى عيد احتفالي استثنائي يحمل طابعا تعبديا خاصا، كما يرفض في الوقت نفسه تحويلها إلى موسم للحزن واللطم والنياحة. ولذلك استقر الفهم السني التقليدي على اعتبار أن المشروع فيها هو الصيام، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، مع إضافة يوم قبله أو بعده مخالفة لليهود.
لكن حتى هذا الموقف لم يسلم من التأويلات الاجتماعية. فالكثير من المغاربة الذين يمارسون طقوس عاشوراء الشعبية لا يستحضرون الجدل المذهبي أصلا، بل يتعاملون معها باعتبارها جزءا من التراث الثقافي المحلي. وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات السوسيولوجية: فبينما ينشغل الفقهاء بأصل الممارسة ومشروعيتها، ينشغل الفاعلون الاجتماعيون بوظيفتها الرمزية والاجتماعية.
إن عاشوراء المغربية تكشف كذلك عن ظاهرة “التراكم الحضاري للطقوس”. فداخل المناسبة الواحدة نجد آثارا لعناصر دينية إسلامية، وأخرى مرتبطة بتاريخ الصراع السياسي بين الدول والمذاهب، وأخرى نابعة من الثقافة الشعبية المحلية، بل وحتى بعض البقايا المرتبطة بالمعتقدات السحرية والوقائية التي كانت سائدة في المجتمعات التقليدية. وهكذا تتحول عاشوراء إلى أرشيف حي لذاكرة المجتمع المغربي.
إن عاشوراء ليست مجرد مناسبة دينية بقدر ما هي مرآة تعكس كيفية تعامل المجتمعات مع التاريخ والذاكرة والهوية. فهي تكشف كيف يمكن لحدث واحد أن ينتج معاني متعارضة؛ يوم للشكر عند البعض، ويوم للحزن عند آخرين، ويوم للفرجة والاحتفال عند فئات واسعة من الناس. كما تكشف أن الطقوس لا تعيش بسبب أصولها التاريخية فقط، بل بسبب قدرتها المستمرة على أداء وظائف اجتماعية ورمزية داخل المجتمع. ومن ثم فإن عاشوراء المغربية تمثل مختبرا سوسيولوجيا لفهم الكيفية التي يعيد بها المجتمع إنتاج الماضي داخل الحاضر، وتحويل الوقائع التاريخية إلى سرديات متنافسة، وإلى طقوس متجددة تتجاوز أحيانا المعاني التي نشأت من أجلها أول مرة.
غير أن عاشوراء بالمغرب، شأنها شأن كثير من الطقوس الجماعية التقليدية، أصبحت اليوم تواجه تحولات عميقة بفعل التغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية المتسارعة. فمع صعود الفردانية وتراجع بعض أشكال التضامن التقليدي، وانتقال جزء مهم من الحياة الاجتماعية إلى الفضاء الرقمي، لم تعد عاشوراء تعاش بالكيفية نفسها التي كانت عليها في الأحياء العتيقة والقرى والمجتمعات المحلية المتماسكة. فقد خفتت بعض الممارسات الجماعية المرتبطة بالتجمعات الشعبية والألعاب التقليدية والاحتفالات المشتركة، في مقابل صعود أشكال جديدة من التفاعل تقوم على تداول الصور والفيديوهات والذكريات عبر منصات التواصل الاجتماعي. كما أصبحت المناسبة نفسها موضوعا لنقاشات وسجالات رقمية تتجاوز حدود المجال المحلي لتندرج ضمن فضاء عمومي واسع تتواجه داخله التأويلات الدينية والتاريخية والثقافية المختلفة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي المطروح أمام عاشوراء يتعلق فقط باستمرار الطقوس أو اندثارها، بل أيضا بقدرتها على إعادة إنتاج معناها داخل مجتمع يتغير بسرعة، حيث تتراجع سلطة الذاكرة الشفهية أمام سطوة المحتوى الرقمي، وتتقلص وظائف بعض الطقوس التقليدية أمام أشكال جديدة من التنشئة والتواصل والترفيه. وهكذا تبدو عاشوراء اليوم واقعة بين منطق الاستمرارية الذي يحافظ على جزء من رصيدها الرمزي والثقافي، ومنطق التحول الذي يعيد تشكيلها وفق شروط العصر الرقمي، بما يجعلها مثالا دالا على الكيفية التي تتفاوض بها المجتمعات المعاصرة مع تراثها وذاكرتها الجماعية في زمن التغير المتسارع.