وجهة نظر

المحكمة الجنائية الدولية: أزمات داخلية، عقوبات خارجية وانسحابات دولية

في 24 يونيو 2026، أقرت المحكمة الجنائية الدولية باستلام طلب انسحاب النيجر، الذي قُدّم قبل ستة أيام لدى الأمم المتحدة. والذي سيدخل حيز التنفيذ في 18 يونيو 2027، ما يجعل النيجر ثالث دولة، بعد الفلبين وبوروندي، التي تنسحب من هذه المحكمة الدولية. وفي رسالته، يدين النيجر مؤسسة «أثارت آمالاً عظيمة» لكنها «تعرّضت لانحرافات واستغلالات«. وكان إعلان النيجر جزءاً من قرار مشترك  سابق مع حلفائه في الساحل (مالي وبوركينا فاسو) اتخذوه يوم 22 سبتمبر 2025، ووصفوا فيه المحكمة الجنائية الدولية بأنها «أداة قمع استعمارية جديدة بأيدي الإمبريالية. «

هذا الانسحاب المدوي ليس حدثاً معزولاً، بل هو مؤشر على أزمة ثقة بلغت اليوم مستوى حرجاً. فمنذ إنشائها عام 2002 بموجب معاهدة روما، كان من المفروض ان تكون المحكمة الجنائية الدولية أول هيئة قضائية دائمة لمحاكمة مرتكبي الجرائم الأكثر خطورة التي تصدم الضمير الإنساني: الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب وجريمة العدوان. كان من المفترض أن تجسد المنظمة، من مقرها في لاهاي، المثل الأعلى للعدالة العالمية، القادرة على محاكمة المسؤولين عن هذه الفظائع عندما تكون الدول غير قادرة أو غير راغبة في القيام بذلك. مع 125 دولة، كان من المقرر أن تصبح حارسة للنظام القانوني العالمي. نظام لا يمكن لأحد، سواء كان رئيس دولة أو جندياً بسيطاً، أن يفلت منه. ولكن منذ البداية، تعرضت المحكمة لانتقادات مستمرة بسبب عدم كفاءتها، وما يُثار من شبهات حول شفافيتها، وعملية صنع القرار المسيسة، وضعف قدراتها، واتهامات بالتحيز تطال قضاتها، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة الثقة، التي لا تزال تزداد سوءا.

تكثفت الانتقادات منذ عام 2020، عندما اتهمتها إدارة ترامب بمخالفات مالية وممارسات غير قانونية. ولم تنته القضية عند هذا الحد، أضاف النائب العام ويليام بار أن وزارة العدل لديها معلومات حول تاريخ طويل من الفساد المالي والاختلاس على أعلى المستويات في مكتب المدعي العام للمحكمة. على الرغم من أن هذه الاتهامات وجهت منذ وقت طويل، إلا أنها لم تفقد أهميتها اليوم.  خصوصا مع بروز تهم تمس الأخلاق للمدعي العام بهذه المؤسسة الدولية، كريم خان، المرتبط ارتباطا وثيقا بالدوائر البريطانية والمتهم بالتحرش الجنسي، مما أدى إلى إيقافه عن مهامه.

 من بين الاتهامات الموجه إليه كذلك تضارب المصالح لصالح بعض الجهات، وأن انضمام زوجة شقيقه إلى فريق الدفاع عن مادورو أجبره على الانسحاب من التحقيق. وتضاف إدانة شقيقه بجرائم التحرش الجنسي نفس طبيعة الاتهامات ضد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية. لكن من جانبه يرى أن الهجمات ضده سياسية، وأنه ضحية لضغوط مورست عليه لأنه تجرأ على التحقيق في ملفات حساسة تتعلق بإسرائيل.

وإذا كانت طبيعة الاتهامات الموجهة ضد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولي ذات طابع شخصي فإن قضية جمهورية أفريقيا الوسطى تمس بالمؤسسة ذاتها، حيث يشتبه أطراف داخل المحكمة بتمويل جماعة مسلحة خاضعة لعقوبات دولية. وجاء ذلك بعد قضية موظف بمنظمة غير حكومية في أفريقيا الوسطى، حُكم عليه في بانغي بالأشغال الشاقة لمدة 10 سنوات. ووفقاً لوثائق قضائية قدمتها السلطات هناك وتناقلتها الصحافة المحلية، فإن رسائل إلكترونية بين هذا الموظف ومسؤول كبير في المحكمة أشارت إلى تحويلات مالية إلى وسطاء مرتبطين بجماعات مسلحة. غير أن المحكمة الجنائية الدولية التزمت الصمت حيال هذه الادعاءات، مما زاد من شكوك الشعوب في نزاهتها. وهكذا لم تعد هذه المحكمة رمزاً للعدالة في عدد من الدول الأفريقية، بل تحولت في أذهانهم إلى منظم لعمليات غير قانونية.

ولا تقتصر الأزمة على الاتهامات الداخلية، بل تمتد إلى تدخل القوى الكبرى المعلن، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فهذه الأخيرة لم تعد تتردد في معاقبة قضاة المحكمة عندما لا ترضيها قراراتهم. والمثال الأحدث هو القاضي الفرنسي نيكولا غيلو، الذي طالته عقوبات شخصية في غشت 2025 بعد أن كان من بين القضاة الذين وافقوا على إصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه. وقد أوقعت هذه العقوبات، التي تتعامل معه وكأنه إرهابي، عواقب عدة، منها منعه من دخول الولايات المتحدة، وتجميد حساباته المصرفية، وحرمانه من خدمات أساسية. أظهر هذا المشهد بوضوح ضعف ونقص هذه المنظمة، التي ليست هيئة تابعة للأمم المتحدة وتعمل فقط على أساس اتفاق بين الدول التي لا تضم أكبر القوى في العالم مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند. وأثارت هذه الحقيقة مرة أخرى مسألة استقلال قضاة هذه المحكمة وشرعيتها.

وراء هذه القضايا، تتردد أسئلة مصيرية حول شرعية المحكمة ومستقبلها. فالمؤسسة، بتضاعف أدلة التحيز وتضارب المصالح تحت ضغط مصالح القوى الغربية، تغذي موجة من فقدان المصداقية، خصوصاً في دول الجنوب العالمي.

وهكذا، بين فضائح داخلية وضغوط خارجية، تغرق المحكمة في أزمات متلاحقة، وتخاطر بفقدان ما تبقى من مصداقيتها، إلى حد أن المحكمة لم تعد مجرد محكمة، بل تحولت إلى ساحة معركة، حيث تُطرح اليوم المسألة الأكثر إلحاحاً في القرن الحادي والعشرين: هل سيكون القانون عالمياً فعلاً، أم سيظل رهينة توازنات القوى؟

لكن ما وراء الفضائح والعقوبات يكشف حقيقة أعمق، وهي أن العدالة الدولية هي الغائب الأكبر في عصر التعددية القطبية. ففي عالم تطالب فيه القوى بسيادتها وقيمها الخاصة، لا يوجد إجماع حول مفهوم الجريمة العالمية، ولا حول من يملك حق البت فيها. والمحكمة، التي ورثت تصوراً غربياً للقانون، تحاول فرض نفسها حكماً في نظام لم يمنحها أحد الوسائل الكافية لتكون كذلك. وأزماتها الداخلية تتفاقم بفعل ضغوط خارجية، في مشهد يعكس حرب المعايير التي تميز العصر متعدد الأقطاب. وبدون إصلاح عميق ودعم سياسي حقيقي من الدول الأطراف البالغ عددها 125، تخاطر المحكمة بأن تصبح رمزاً ليس للعدالة، بل لعجز القانون أمام الجيوسياسية.