ليس الصراع حول الساعة مجرد خلاف تقني بين توقيتين، ولا نقاشا عابرا حول عقارب تتحرك إلى الأمام أو تعود إلى الخلف. إنه، في جوهره، سؤال عميق عن علاقة الإنسان بزمنه، وعن حدود تدخل القرار الإداري في إيقاع الحياة اليومية. فالوقت ليس رقما محايدا في مرسوم، ولا تفصيلا تنظيميا يمكن تعديله دون أثر؛ إنه جزء من توازن الإنسان النفسي والإجتماعي، ومن إنتظام الأسرة، والمدرسة، والعمل، والنقل، وسائر تفاصيل اليوم العادي.
منذ اعتماد إضافة ستين دقيقة سنة 2018، ظل النقاش مفتوحا بين خطاب رسمي يربط القرار بمقتضيات الإقتصاد والإدارة، وصوت إجتماعي واسع يرى فيه عبئا يوميا يطال النوم، والصحة، والدراسة، والحياة الأسرية. وبين التبرير الإداري والإعتراض المجتمعي، ظل السؤال معلقا: هل يمكن للدولة أن تنظم الزمن دون أن تصغي إلى الذين يعيشون هذا الزمن بأجسادهم وأعصابهم وأطفالهم ومواعيدهم؟
في التصريح الحكومي الصادر عقب إجتماع مجلس الحكومة المنعقد يوم الخميس 25 يونيو 2026، تمت المصادقة على مشروع المرسوم رقم 2.26.530 في شأن الساعة القانونية، والقاضي بنسخ المرسوم رقم 2.18.855 الصادر سنة 2018، والرجوع إلى التوقيت الزمني المتوسط لخط غرينتش، وذلك بتأخير الساعة بستين دقيقة عند حلول الساعة الثانية صباحا من يوم الأحد 20 سبتمبر 2026. وقد قدم هذا القرار بإعتباره إستجابة لمطالب المواطنات والمواطنين، وتعزيزا للإستقرار النفسي والإجتماعي، وملاءمة مع متطلبات الظرفية الإقتصادية، ورهانا على تحسين نجاعة العمل الإداري. غير أن القراءة النقدية لا ينبغي أن تكتفي بالترحيب بالعودة إلى الساعة القانونية، بل يجب أن تسائل أصل الإختيار السابق: لماذا إحتجنا كل هذه السنوات لنعترف بأن الزمن الإجتماعي لا يختصر في حسابات تقنية؟
إن الساعة ليست مجرد أداة لضبط المواعيد، بل هي نظام حياة كامل. حين تضاف ساعة بقرار إداري، فإنها لا تضاف إلى عقارب الحائط وحدها، بل تضاف إلى تعب الأطفال في الصباح، وإلى قلق الأسر، وإلى إرتباك العمال والطلبة، وإلى إحساس عام بأن اليوم يبدأ قبل أن يستيقظ الجسد فعلا. لذلك بدا الصراع حول “ساعة ناقصة وساعة زايدة” أكبر من تعديل زمني بسيط؛ لأنه كشف فجوة بين من يقررون الوقت من موقع السلطة، ومن يعيشون آثاره في تفاصيلهم اليومية.
لقد كان من الممكن أن يكون النقاش أكثر نضجا منذ البداية، لو تم الإنصات مبكرا إلى أثر الساعة الإضافية على الصحة النفسية ح. فالسياسات العمومية لا تقاس فقط بما تعلنه من أهداف إقتصادية، بل بما تخلفه من آثار ملموسة في حياة الناس. وإذا كان تحسين الأداء الإداري مطلبا ضروريا، فإن الإدارة نفسها لا يمكن أن تكون ناجعة داخل مجتمع يتحرك بإيقاع مضطرب. فالنجاعة لا تعني أن نستيقظ أبكر على الورق، بل أن نعيش يوما أكثر توازنا في الواقع.
من جهة أخرى، تكشف العودة المرتقبة إلى الساعة القانونية عن إشكال أعمق في منهجية إتخاذ القرار. فقد قدمت إضافة ستين دقيقة سنة 2018 بإعتبارها خيارا عمليا، ثم يأتي مشروع مرسوم جديد لينسخ المرسوم السابق ويعيد الأمور إلى أصلها. هنا تكتسب عبارة “زيادة من راس لحمق” معناها النقدي؛ فهي ليست مجرد سخرية شعبية، بل توصيف مكثف لسياسة تبدأ من فوق، ثم تعود تحت ضغط الواقع. فالقرارات التي تمس الحياة اليومية تحتاج إلى دراسة قبلية، وحوار عمومي، وتقييم دوري، لا إلى إنتظار سنوات كي يتأكد ما كان واضحا منذ البداية لكثيرين.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الرجوع إلى توقيت غرينتش كمنحة أو إنتصار عاطفي عابر، بل كفرصة لإعادة الإعتبار للزمن الإجتماعي بوصفه شأنا عموميا. المطلوب اليوم أن يصبح تدبير الوقت مبنيا على العلم والإنصات والتقييم، لا على الحسابات الضيقة أو الحلول السريعة. فالساعة القانونية ليست مجرد إختيار بين زائد وناقص، بل تعبير عن إحترام إيقاع الناس وحقهم في يوم طبيعي.
إن إمتحان الوقت الحقيقي لا يكمن في تحريك العقارب، بل في القدرة على إتخاذ قرارات عاقلة في وقتها. وحين يطول الطريق بين الخطأ وتصحيحه، يصبح الزمن نفسه شاهدا على ضعف الحكامة. لذلك، فالعودة إلى الساعة القانونية خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. الأهم أن نتعلم أن الوقت ليس ملكا للإدارة وحدها، بل هو حياة الناس اليومية، وكل زيادة غير محسوبة قد تتحول، ببساطة، إلى زيادة من راس لحمق.