كم منا توقف أمام شباك في الملحقة الإدارية القريبة من محل سكناه، وهو يمسك بجواز سفر منتهي الصلاحية، ليتساءل في سره: لماذا كل هذا مجددا؟ هذا السؤال البسيط، الذي يبدو للوهلة الأولى شخصيا ويوميا، يحمل في طياته إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين المواطن ودولته.
منذ عام 2024، دار حديث واسع حول إمكانية تمديد صلاحية جواز السفر المغربي إلى عشر سنوات. وقد استقبل كثير من المغاربة هذا الخبر بارتياح حقيقي لأنهم رأوا فيه إشارة واضحة إلى أن الدولة باتت تسمعهم. غير أننا نقف اليوم، في منتصف عام 2026، دون أن يتحول هذا الوعد إلى واقع، وهو ما يستدعي التأمل بعيدا عن الخطاب الرسمي، وقريبا من الإنسان العادي الذي يعيش هذا الانتظار يوما بعد يوم.
تخيل الطالبة التي تستعد للسفر نحو منحة دراسية في الخارج، فتكتشف أن جوازها يفقد صلاحيته بعد أشهر قليلة. أو المغترب الذي يعود لزيارة أهله ويجد نفسه أمام إجراءات تجديد تستهلك إجازته كلها. أو المرأة المسنة التي تشق طريقها إلى مصلحة بعيدة فقط لتجديد وثيقة تعرف من هي. هؤلاء ليسوا أرقاما إحصائية، بل هم الوجه الحقيقي لكل إصلاح إداري يعلن ولا ينجز.
الجواز، في جوهره، ليس مجرد كتيب يحمل صورة وأرقاما. إنه امتداد لهوية الإنسان في العالم، وصلة الوصل بين أحلامه وفرصه وأسفاره. ولهذا فإن كل إجراء يمس هذه الوثيقة يمس الإنسان في صميم حياته، سواء كان طالبا أو عاملا أو ابنا يزور والديه في بلد آخر.
ما يجعل هذا الملف لافتا للانتباه ليس فقط التأخر في اتخاذ القرار، بل النمط الذي يكشفه. فكثيرا ما تطلق الإصلاحات كـ”أخبار سارة” قبل أن تكتمل شروطها، فيجد المواطن نفسه في حالة من الانتظار المعلق، لا يعرف أيصدق ما سمع أم يتعلم تجاهل ما يقال. دول عديدة قطعت هذا الطريق قبلنا، إذ تمنح مواطنيها وثائق سفر تمتد عشر سنوات، ليس ترفا، بل لأنها تدرك أن تخفيف الأعباء الإدارية عن كاهل المواطن هو في حد ذاته استثمار في الثقة العامة، وتوفير لموارد المؤسسات في الآن ذاته.
والمفارقة أن المغرب يمضي بخطى متسارعة في مجالات أخرى، من رقمنة بعض الخدمات إلى إطلاق منصات إلكترونية لتسهيل الولوج إلى الإدارة. غير أن هذا التسارع لا يعكس نفسه دائما في قرارات تبدو في ظاهرها بسيطة لكنها عميقة الأثر في الحياة اليومية للناس. فتمديد صلاحية الجواز ليس قرارا تقنيا معزولا، بل هو جزء من منظومة تفكير في علاقة الدولة بمواطنيها، ومؤشر على مدى جدية الانتقال من إدارة تستدعي المواطن إلى إدارة تخدمه.
ثم إن في الأمر بعدا اقتصاديا لا يجب إغفاله. فكل مرة يجدد فيها المواطن جوازه، هناك تكلفة مالية يتحملها من جيبه الخاص، فضلا عن تكلفة الوقت والتنقل والغياب عن العمل. وإذا ضربنا هذه التكلفة في عدد المغاربة الذين يجددون جوازاتهم كل خمس سنوات، ندرك أن تمديد الصلاحية إلى عشر سنوات ليس منة من الدولة، بل هو حق اقتصادي واجتماعي يستحقه المواطن.
لا يمكن الإجابة بشكل قاطع عن أسباب التأخر، لكن التجربة تشير إلى أن الإصلاحات الإدارية غالبا ما تتعثر حين تغيب عنها جداول زمنية واضحة وآليات متابعة فعلية تحول الوعود إلى إنجازات قابلة للقياس. حين تعلن فكرة دون آلية تنفيذ، فإنها تصبح تدريجيا مجرد ذاكرة في الأذهان، لا أثرا في الواقع.
وما يبدو أحيانا صمتا من المواطنين ليس قبولا سلبيا، بل هو شكل من أشكال الرسائل المتراكمة التي تؤثر تدريجيا في مستوى الثقة بالمؤسسات. فالمغربي الذي يعيش في فضاء رقمي متسارع ويتعامل مع محيط دولي متطور، بات يقيس خدماته الإدارية بمعايير أرحب وانسجاما أكبر مع العصر الذي يعيشه. إنه لم يعد يطالب فقط بتوفير الخدمة، بل بجودتها وسرعتها وانسجامها مع الواقع الجديد.
السؤال الذي يبقى مطروحا اليوم ليس فقط: “هل سيتم تمديد صلاحية الجواز؟”، بل: “متى ستنتقل هذه الفكرة من دائرة الوعود إلى يد المواطن فعليا؟” لأن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بقوة الإعلان عنه، بل بالابتسامة التي يرسمها على وجه من يشعر أخيرا بأن دولته وفت بكلمتها. وحتى ذلك اليوم، يبقى الجواز ورقة تجدد… والوعد حكاية تروى.