كشفت نتائج استطلاع حديث أجراه شبكة “البارومتر العربي” عن تحولات جذرية في توجهات الرأي العام العربي تجاه إيران عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران خلال سنة 2026، حيث سجلت الدراسة صعودا وصفته بـ “الهائل” في شعبية الجمهورية الإسلامية بدولة موريتانيا، تزامنا مع رصد توجه سابق في أواخر سنة 2025 أظهر ارتفاعا ملموسا في تقييم السياسات الإيرانية بالمملكة المغربية وعدة دول بالمنطقة.
وأوضحت المعطيات الصادرة عن المؤسسة البحثية أن النظرة من موريتانيا إلى إيران أصبحت اليوم الأكثر إيجابية مقارنة بجميع القوى الدولية والإقليمية التي شملها الاستطلاع، إذ عبرت نسبة قياسية بلغت 84 بالمئة من المواطنين عن آراء إيجابية تجاهها، وهو ما يتجاوز بكثير مستويات التأييد لكل من الولايات المتحدة الأمريكية التي استقرت عند 20 بالمئة، وفرنسا بوصفها القوة الاستعمارية السابقة بـ 34 بالمئة، وألمانيا بـ 25 بالمئة.
وأشارت الدراسة التي أجريت في موريتانيا بين 28 أبريل و12 ماي 2026 إلى أن 79 بالمئة من المستجوبين يقيمون السياسات الخارجية للمرشد الإيراني تقييما إيجابيا، مسجلة قفزة نوعية بمقدار 55 نقطة مئوية مقارنة بالنتائج المسجلة قبل عامين، ومؤكدة أن هذا التحول الدرامي في المواقف يعزى بالأساس إلى تداعيات الحرب الحالية التي ولدت تعاطفا واسعا مع طهران، خاصة وأن موقف إيران من غزة وحده لم يكن قد أحدث تحسنا مماثلا في الرأي العام الموريتاني في فترات سابقة.
وأكدت التقارير المبنية على بيانات الاستطلاع أن هذا الارتفاع في منسوب التأييد لسياسات طهران كان قد أخذ مسارا تصاعديا في عدة دول عبر المنطقة حتى قبل اندلاع مواجهات فبراير 2026، حيث ارتفعت التقييمات الإيجابية بحلول أواخر سنة 2025 بمقدار 12 نقطة في المغرب، و17 نقطة في تونس، و15 نقطة في فلسطين، و11 نقطة في العراق، مما يشير إلى أن النزاع العسكري ربما عجّل من وتيرة توجه كان قائما بالفعل في الوعي الجمعي العربي حول إعادة تشكيل تصورات الشرعية والنفوذ الأجنبي.
وتابعت المصادر ذاتها تحليلها لنتائج الاستطلاع مبرزة أن التعاطف المتزايد لا يعني بالضرورة تأييدا للنموذج السياسي الداخلي الإيراني أو لبرنامجها النووي، بل يعكس تغيرا في تصورات دورها في النزاع الحالي مقابل تراجع حاد لمصداقية الخصوم في أعين المستجوبين، إذ لا يحمل سوى 4 بالمئة من الموريتانيين نظرة إيجابية تجاه إسرائيل، كما انخفض التأييد للولايات المتحدة بـ 11 نقطة إضافية رغم رعايتها لخطة نقاط السلام العشرين ووقف إطلاق النار بقطاع غزة.
وأفادت البيانات المسجلة بأن 65 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع يرون أن إيران ملتزمة باحترام القانون الدولي إلى حد كبير أو متوسط، في حين لم تتجاوز هذه النسبة 31 بالمئة بالنسبة للولايات المتحدة، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن 61 بالمئة من الموريتانيين يعتقدون بوجود تأثير إيجابي لإيران على الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقابل 11 بالمئة فقط لصالح واشنطن و5 بالمئة لإسرائيل.
وخلصت الدراسة إلى أن هذه النتائج قد تكون نذيرا بتحولات أوسع في المنطقة العربية قد تدفع نحو انفتاح شعبي على علاقات أوثق مع طهران وتجاوز الانقسامات الطائفية، مما يفاقم التحديات أمام الجهود الأمريكية الرامية لعزلها، لاسيما في ظل ما اعتبره المستجوبون “كيلا بمكيالين” في تطبيق القواعد الدولية، وهو ما قد يجعل من زيادة المشروعية الإقليمية لإيران إحدى أبرز العواقب طويلة الأجل لنزاع سنة 2026.