منتدى العمق

الإصلاحات الضريبية في المغرب: طنجة في قلب النقاشات حول السيادة الضريبية ومبادرة “BEPS 2.0” والتحول الرقمي

في 27 يونيو 2026، رسخت مدينة طنجة مكانتها كمركز محوري للحوار الأكاديمي والمؤسساتي خلال الدورة الثالثة للندوة الدولية التي حملت عنوان: “الإصلاحات الضريبية في المغرب في ظل مبادرة ‘BEPS 2.0’ والتحول الرقمي: تحديات الحكامة والعدالة الضريبية والأداء في عالم يتسم بالعولمة”.

وقد جمع هذا الحدث -الذي نظمته كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة- نخبة من الأكاديميين والمسؤولين المؤسساتيين والخبراء والممارسين والباحثين والمهنيين حول هدف مشترك: إعادة التفكير في مستقبل النظام الضريبي المغربي في ضوء التحولات الاقتصادية الدولية ومتطلبات الحكامة الجديدة.

الإصلاح الضريبي: قضية استراتيجية للمغرب

من خلال هذه الفعالية، وضع المنظمون مفهوماً جوهرياً في صلب النقاش: لم يعد بالإمكان النظر إلى الضرائب مجرد آلية لتحصيل الإيرادات العامة.

ففي سياق يتسم باحتدام المنافسة الدولية، وحركة رؤوس الأموال، وصعود الشركات متعددة الجنسيات، ونمو الاقتصاد الرقمي، أصبح النظام الضريبي يُنظر إليه كأداة للسيادة الاقتصادية، وتعزيز التنافسية الترابية، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ويُعد الإطار الدولي “BEPS 2.0” (الخاص بمعالجة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح) -وهو مبادرة عالمية تهدف إلى مكافحة تآكل الأوعية الضريبية والنقل المصطنع للأرباح- نقطة تحول كبرى في كيفية تصور فرض الضرائب على الأنشطة الاقتصادية.

وفي هذا الصدد، يسعى المغرب -الذي انخرط منذ سنوات في تحديث إطاره الضريبي- إلى تحقيق توازن دقيق بين الامتثال للمعايير الدولية، والحفاظ على جاذبيته الاقتصادية، وحماية موارده العامة.

افتتاح مؤسساتي يبرز دور الجامعة في مواكبة التحولات العمومية

شهدت الجلسة الافتتاحية مشاركة عدد من ممثلي الوسط الجامعي، وفاعلي الحكامة الترابية، والبحث العلمي.

وأكدت مختلف المداخلات على ضرورة تبني رؤية متكاملة للإصلاح الجبائي، تقوم على تعزيز الحوار والتنسيق بين المؤسسات العمومية، والبحث الأكاديمي، والفاعلين الاقتصاديين.

كما تم التأكيد على دور الجامعة باعتبارها فضاءً استراتيجياً لإنتاج المعرفة ومواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع العام، بما يسهم في بلورة حلول ملائمة للواقعين الاقتصادي الوطني والدولي.

الجباية الترابية، والعدالة الجبائية، والأداء العمومي: أبرز محاور النقاش

أتاحت الجلسة العامة التعمق في عدد من القضايا والمحاور الأساسية التي أصبحت اليوم تؤثر بشكل مباشر في صياغة وتوجيه السياسات الجبائية الحديثة.

BEPS 2.0 الجباية الترابية في مواجهة تحديات برنامج

شكّل موضوع الجباية الترابية أحد أبرز المحاور التي استأثرت بالنقاش خلال هذا اللقاء العلمي، بالنظر إلى ارتباطه الوثيق بورش الجهوية المتقدمة والتحولات التي تعرفها أنماط الحكامة الترابية.

وقد أبرزت المداخلات أن الجماعات الترابية لم تعد مجرد وحدات إدارية تضطلع بمهام تدبيرية تقليدية، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في التنمية الاقتصادية، والتخطيط الاستراتيجي، وتعزيز جاذبية الاستثمار على المستوى المحلي والجهوي.

وفي هذا الإطار، برزت الجباية الترابية كآلية للحكامة الحديثة، قادرة على تحسين الأداء العمومي، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز تنافسية المجالات الترابية بما يخدم أهداف التنمية المستدامة.

أسعار التحويل: حماية العدالة الجبائية في اقتصاد معولم

من بين المواضيع المركزية التي حظيت باهتمام واسع خلال الجلسة العامة، برزت قضية أسعار التحويل باعتبارها من أبرز التحديات المرتبطة بالجباية الدولية.

ومع تزايد اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية وتوسع نشاط الشركات متعددة الجنسيات، أصبحت القدرة على ضبط آليات تحويل الأرباح أولوية لضمان عدالة توزيع العبء الضريبي.

وأكدت المناقشات أهمية تطوير آليات قانونية ومؤسساتية تضمن خضوع الثروة المنتجة داخل التراب الوطني لمنظومة ضريبية تقوم على مبادئ العدالة الجبائية والشفافية الدولية.

كما تم التشديد على ضرورة تعزيز الأمن القانوني للمستثمرين، بالتوازي مع تطوير قدرات الإدارة الجبائية في مجالات المراقبة والتتبع.

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: نحو إدارة جبائية جديدة

احتلت الرقمنة مكانة محورية ضمن مختلف النقاشات، باعتبارها أحد أهم مرتكزات تحديث الإدارة الجبائية.

ويقوم هذا التحول اليوم على مجموعة من الأدوات والآليات، من بينها رقمنة المساطر، وتوسيع العمل بالفوترة الإلكترونية، والاستفادة من تحليل البيانات، والتوظيف التدريجي لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تهدف هذه التحولات فقط إلى رفع مستوى النجاعة الإدارية، بل تسعى أيضاً إلى بناء علاقة أكثر شفافية وثقة بين الإدارة والملزمين.

كما تطرقت المداخلات إلى رهانات جديدة ترتبط بالتدقيق الرقمي، والأمن السيبراني المالي، وتعزيز موثوقية المعلومة المحاسبية في بيئة اقتصادية متزايدة الرقمنة.

حين يلتقي البحث العلمي بالفعل العمومي

بعيداً عن الطرح التقني البحت، أبرزت هذه الدورة الثالثة أهمية تعزيز جسور التعاون بين الجامعة ومختلف الفاعلين الميدانيين.

وقد ساهم تنوع المشاركين — من أساتذة باحثين، ومسؤولين عموميين، وقضاة ماليين، وخبراء محاسبة، ومتخصصين في التدقيق والجباية — في إغناء النقاش وفتح آفاق جديدة للتفكير في مستقبل الإصلاح الجبائي بالمغرب.

ومن خلال هذا الموعد العلمي، تؤكد مدينة طنجة مكانتها كفضاء للحوار الأكاديمي والفكري حول التحولات الاقتصادية الكبرى.
وفي الأخير، أعاد هذا الملتقى التأكيد على أن جباية المستقبل لم تعد تقتصر على تمويل الدولة فحسب، بل أصبحت أداة للحكامة، وتحسين الأداء العمومي، وتحقيق التنمية المستدامة في عالم يزداد ترابطاً وعولمة.