تصدير
تعد تسمية الجامعات إحدى القضايا التي تبدو في ظاهرها إدارية، لكنها في حقيقتها تعكس اختيارات الدولة في بناء الذاكرة الوطنية وصياغة الهوية المجالية والثقافية للمؤسسات الجامعية. فالجامعة ليست مجرد فضاء للتكوين والبحث العلمي، وإنما مؤسسة رمزية تحمل اسمًا يختزل تاريخًا ورسالةً ومشروعًا حضاريًا.
وفي المغرب، وعلى الرغم من تعدد الجامعات وتنوع تسمياتها، لا تزال عملية التسمية تفتقد إلى إطار مرجعي واضح يحدد فلسفتها ومعاييرها. ويزداد هذا السؤال راهنية في ظل المشاريع المطروحة لإعادة هيكلة الجامعات وإحداث مؤسسات جديدة، مما يفرض التفكير في سياسة وطنية متكاملة لتسمية الجامعات.
ومن هنا يطرح بالحاح سؤال مركزي مفاده، هل تستند تسمية الجامعات المغربية إلى رؤية استراتيجية واضحة، أم أنها نتاج اعتبارات تاريخية وإدارية متفرقة؟ وكيف يمكن بناء ميثاق وطني يجعل من التسمية أداة لتعزيز الهوية والإشعاع العلمي؟
أولاً: الاسم الجامعي باعتباره رأسمالاً رمزياً:
في علم الاجتماع، لا يعد الاسم مجرد علامة تعريفية، بل يمثل رأسمالاً رمزياً يمنح المؤسسة شرعية ومكانة. وقد أبرز “بيير بورديو” أن الأسماء والمؤسسات تنتج سلطة رمزية تؤثر في إدراك المجتمع لها.
وعليه فإن اسم الجامعة: يصنع صورتها الذهنية، ويؤثر في مكانتها الدولية، ويساهم في بناء الانتماء لدى الطلبة والأساتذة، بل ويشكل جزءاً من القوة الناعمة للدولة.
ولهذا تحرص كبريات الجامعات العالمية على الحفاظ على أسمائها لعقود بل لقرون.
ثانياً: تطور تسمية الجامعات المغربية:
يمكن تقسيم تاريخ التسمية في المغرب إلى ثلاث مراحل اساسية:
1- المرحلة الأولى (1957–1975): هيمن فيها البعد الوطني، حيث ظهرت جامعات حملت أسماء شخصيات وطنية كبرى مثل: جامعة محمد الخامس، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله. وكان الهدف تكريس الهوية الوطنية بعد الاستقلال.
2- المرحلة الثانية (1980–2005): تمت العودة فيها إلى الشخصيات العلمية المغربية والأندلسية، مثل:
جامعة القاضي عياض، وجامعة ابن طفيل، وجامعة ابن زهر، وجامعة عبد المالك السعدي. وهنا أصبح الاسم مرتبطاً بالإرث العلمي والحضاري.
المرحلة الثالثة: (2005- …….: وتتميز ببظاية ظهور تأثير البعد الجهوي وربط الجامعة بمجالها الترابي، خصوصاً مع تقدم ورش الجهوية المتقدمة. غير أن هذه المرحلة لم تفرز بعد سياسة وطنية موحدة للتسمية.
ثالثاً: الإشكالات الحالية:
يمكن في هذا الصدد تسجيل خمس ملاحظات أساسية:
1. غياب معايير معلنة، حيث لا توجد وثيقة رسمية تحدد شروط اختيار أسماء الجامعات.
2. تفاوت فلسفة التسمية، اذ يلاحظ ان بعض الجامعات تحمل أسماء علماء، وأخرى ملوكاً، وأخرى أسماء جغرافية.
3. ضعف الارتباط بالهوية الجهوية، اذ رغم اعتماد الجهوية المتقدمة، لا تزال أسماء بعض الجامعات لا تعكس الخصوصية التاريخية والثقافية لمجالها.
4. غياب المشاركة، حيث نادراً ما تشارك الجامعات أو الباحثون أو الجماعات الترابية في اختيار الاسم.
5. ضعف البعد الدولي، حيث لا يتم تقييم أثر الاسم في التصنيفات الدولية أو في قابلية التعريف بالمؤسسة عالمياً.
رابعاً: التجارب الدولية:
على هذا الصعيد تعتمد الدول نماذج متنوعة:
– ففي الولايات المتحدة يغلب اسم المدينة أو الولاية، مما يعزز الهوية المجالية.
– في فرنسا تنتشر أسماء المدن الكبرى مع احتفاظ بعض الجامعات بأسماء شخصيات تاريخية.
– في المملكة المتحدة تعتمد أسماء المدن أو الأقاليم، مع ارتباط قوي بالسمعة الأكاديمية.
– في اليابان يغلب الطابع الجغرافي، بينما تُخصص أسماء العلماء للكليات أو مراكز البحث.
بالنتيجة، تبين هذه التجارب أن نجاح الجامعة يرتبط بالاستقرار المؤسساتي والتميز الأكاديمي أكثر من ارتباطه بنمط الاسم وحده، لكن وضوح فلسفة التسمية يعزز الهوية المؤسسية.
خامساً: نحو “ميثاق وطني لتسمية الجامعات”:
فيمكن أن يقوم هذا الميثاق على المبادئ الآتية:
1- احترام الهوية الوطنية والثوابت الدستورية.
2- مراعاة الخصوصية التاريخية والثقافية للجهة.
3- تكريم الشخصيات العلمية ذات الإسهام الوطني أو الإنساني.
4- إشراك الجامعات والخبراء والفاعلين الترابيين في اقتراح الأسماء.
5- تقييم الأثر العلمي والرمزي للاسم قبل اعتماده.
6- ضمان استقرار الأسماء وعدم تغييرها إلا لاعتبارات استثنائية.
سادساً: ارتباط التسمية بإصلاح الجامعة المغربية:
انه إذا اتجه المغرب إلى دمج بعض الجامعات أو إحداث جامعات جديدة، فإن سؤال التسمية سيصبح جزءاً من مشروع الإصلاح نفسه. فالاسم ينبغي أن يعكس رؤية المؤسسة الجديدة ورسالتها، وأن يكون عنصرًا من عناصر بناء الهوية المؤسسية، لا مجرد إجراء إداري.
ومن ثم فإن التفكير في التسمية يجب أن يندرج ضمن سياسة عمومية شاملة لإصلاح التعليم العالي، تأخذ بعين الاعتبار البعد التاريخي والثقافي والمجالي، إلى جانب متطلبات الإشعاع الأكاديمي الدولي.
في الختام
إن تسمية الجامعات ليست قراراً شكلياً، بل فعلٌ مؤسساتي يؤسس للذاكرة ويصنع الرمزية ويعزز الانتماء. وإذا كان المغرب بصدد إعادة رسم خريطته الجامعية، فإن الفرصة سانحة لإرساء “ميثاق وطني لتسمية الجامعات” يقوم على أسس قانونية وعلمية ورمزية، ويجعل من الاسم رافعة للهوية والتميز والإشعاع.