وجهة نظر

طقوس الاحتفال بعاشوراء بين جيل البساطة وجيل الفري فاير

منذ عقود بعيدة، والمغاربة يستقبلون عاشوراء وسط أجواء احتفالية مميزة وسائغة، أجواء أقل ما توصف به أنها مزيج من شعائر دينية وطقوس مستوحاة من موروثنا الشعبي الذي يعكس جزءا من الهوية المغربية. وترمز في المخيال الشعبي المغربي إلى الكرم، ففيها توقد النيران لطبخ الطعام وإكرام الضِّيفان؛ كما ترمز عند الأطفال إلى الحرية والتخلص من الرقابة الأسرية، حيث تَرْفع جل الأسر المغربية اليد عن بناتها في الخروج للاحتفال ب “بابا عيشور” بشكل يومي. وتتجلى أبرز صور الاحتفال بعاشوراء في الصيام وتلاوة القرآن، والتوسعة على الفقراء بإخراج الزكاة، والإكثار من الصدقات والهِبات، وزيارة الأقارب وتعهد الجيران، وإدخال السرور على الأطفال بشراء اللعب والفواكه الجافة…

غير أن هذه المناسبة الدينية العظيمة تحولت من سبب للفرح بيوم نجَّى فيه الله تعالى سيدنا موسى من فرعون، إلى كابوس يؤرق راحة السكان، ويهدد سلامتهم وسلامة أطفالهم نظرا للأحداث العنيفة التي باتت تصاحب طقوس الاحتفال بعاشوراء، لتتسبب سنويا في تسجيل إصابات خطيرة بعضها ينتهي بعاهات مستديمة، كما حدث قبل أسبوع بمدينة المحمدية للطفل نور الدين الذي أطفأت بصرَه مفرقعةٌ قوية انفجرت في وجهه، واغتالت حلمه في أن يصبح لاعب كرة قدم شهير.

لقد اختزل جيل “الفري فاير” هذه الطقوس في إضرام النيران بالعجلات المطاطية، وتفجير المفرقعات والألعاب النارية بالأزقة إلى وقت متأخر من الليل. ولوحظ في السنوات الأخيرة ميلهم نحو وضع تلك المفرقعات داخل قنينات بلاستيكية فارغة، مع إضافة مواد أخرى منها حمض النتريك أو ما يُعرف بين الناس ب “الماء القاطع”، حتى يُسمع لها صوت مُدَوِّي شبيه بصوت العبوات الناسفة الذي يستعمل في الحروب، فضلا عن رَشْقِ المارة بالبيض وبأكياس بلاستيكية معبأة بماءٍ يطلقون عليه زورا وبهتانا اسم “ماء زمزم”، بل إن إجرامهم وصل إلى رمي وحدات التدخل السريع بالحجارة، وتعريض عناصرها لخطر بالغ.

كم يتحسر المرء على حال جيل ما بعد الألفية لوقوعه تحت تأثير تكنولوجيا الواقع الافتراضي! ففي زمن التحولات الرقمية، لم تعد قيم المجتمع تدخل ضمن فاتحة أولوياته، بعد أن أوجد لنفسه قيما وعاداتٍ جديدةً في العالم الموازي، وبات يعيش حياة افتراضية شاملة بين شبكات التواصل، وداخل غرف الألعاب الإلكترونية ذات الطابع القتالي، التي لا شك أنها تترك بصمةً من العنف على سلوكهم، ونزعةً من حب السيطرة على الآخرين داخل نفوس كل من يلعبونها. في هذا الإطار نفهم تصرفات هذا الجيل العدوانية في عاشوراء، فَمَنْ تغذى على العنف والتخريب داخل غرف الألعاب، تَوَقَّعْ منه أن يرى في التسامح ضعفا، وفي العدوان قوة ورجولة.

وكيف لا يتحسر المرء وهو يتابع كل هذا الضرر من أطفال، وكل هذا الفرح المسموم والاحتفال المذموم من شباب انخرطوا في نشر السوء وصناعة المآسي؟! إن المواجهات العنيفة التي تندلع أحيانا كثيرة بين المحتفلين بعاشوراء ورجال الأمن ورجال القُوى العمومية، ما هي سوى تجسيدٍ لذلك العنف الذي تسلل إلى دواخلهم من غرف الألعاب، ومعركة من معارك حب البقاء والسيطرة على المنطقة التي يرسمون حدودها. ألا نسمعهم يرددون في اعتزاز وفخر: “احنا حاكمين la zone”؟ وطبيعي أن قواعد تلك الألعاب العنيفة التي يدمنون عليها، تفرض ألا تأتي السيطرة على الخصوم عن طريق المنافسة الصحية، ولكن عن طريق القتال وإشعال النيران والتفجير، وكافة أشكال الإيذاء الجسدي والنفسي.

لذلك، لا يجب أن نُصدم إذا لمسنا رغبة جامحة لدى هؤلاء الأطفال واليافعين في تسجيل النصر على أقرانهم بأحياء أخرى من خلال هجومات جماعية مباغتة، أو حتى على رجال الشرطة وقوات الأمن. ذلك لأنهم وإن كانوا يعيشون تجربة المداهمة بأحيائهم الشعبية في الواقع، فإنهم يخوضون تلك المعارك من وحي حياتهم الافتراضية في المواقع، والتي تفتقد إلى كثير من القيم الإنسانية والأخلاقية.

هذه العينة من الأطفال، لا يهمها أن يموت المصارع أو يُعرِّض حياة الناس للخطر، بل ما يهمها هو أن يكسب المصارع الذي يراهنون عليه معركة من المعارك سواء أكانت ضد أشخاص، أم ضد مؤسسات، أم ضد قيم المجتمع حتى ينال لقب: “حاكم la zone”.

لست هنا بصدد تفسير أسباب السلوك العدواني لدى جيل ما بعد الألفية، لكن بصدد إعطاء القارئ صورة عن طقوس الاحتفال بعاشوراء في زماننا. وتحديدا بقرية “أولاد نجاع” إحدى قبائل “بني عمير” بضواحي مدينة الفقيه بن صالح، والتي ولدت وترعرعت بها. ما أروعها من أجواء وطقوس كانت تغذي جذور القيم الجماعية للمجتمع المغربي المحافظ، وتشبع جزءاً من حاجاتنا الروحية! ومع أنها كانت لا تخلو من ممارسات ضالة مُضِلَّة، وبقايا وثنية تجاوز الله عنا فيها جميعا، إلا أن نفعها كان أكبر من إثمها.

الطقس الأول: “الشُّعَّالَة”

مع أول أيام شهر محرم، نشرع نحن ـــ الأطفالَ ـــ في جمع الكثير من الحطب في دار مهجورة، تدعى “دار أيت عبو”، ثم ننتشر في الأرجاء المنبسطة بحثا عن كل قرص كبير قابل للدوران كإطار عجلات الدراجات المعدنية (la jante de pneu)، نستطيع التسابق به كل مساء من المساءات التي تسبق ليلة عاشوراء. ورغم أن نصف الدار المهجورة مكشوف تماما، إلا أن الأهالي كانوا لا يقربون حَطَبَنَا وأشياءنا التي نجمعها احتراما لنا. فإذا جنَّ ليلُ العاشر من شهر “مُحَرَّم”، أضرمنا النار في الهشيم معلنين عن افتتاح دورة جديدة من مهرجان “الشُّعَّالَة” التقليدي بالقرية، نقفز فوقها، ونغني أغاني شعبية متوارثة، ونلعب ألعابا جماعية على ضوء القمر لبعض الوقت، أبرزها: “عْظَيْم” وجر الحبل بين فرقتين…

الطقس الثاني: الكسكس بـ “الذَّيَّالَة”

رائحة الكسكس داخل البيوت بذيل الخروف “الذَّيَّالَة”، مع شيء من القَدِيدِ والنقانق المحشوة بقطع الكبد والرئة الصغيرة والمعروفة “بالكُرْدَاس”، تمسح عن أنوفنا أدخنة الحرائق الكريهة، وتثير في نفوسنا أجمل ذكرى من ذكريات عيد الأضحى المبارك، فيتحلب ريقنا لطعمها اللذيذ. يتوزع الحاضرون ـــ مهما كان عددهم ـــ على قصعتين كبيرتين بالبيت العتيق: قصعة للرجال، وقصعة للنساء في أكبر لَمَّةٍ عائلية بعد لمة عيد الأضحى. ويحرص كبير العائلة على تقسيم اللحم إلى أنصبة صغيرة في صحن كبير فارغ بحسب عدد الحاضرين، وقليلون من يسمحون في نصيبهم من “الذَّيَّالَة”. فإذا حدث وانقضى القَدِيدُ مبكرا، استعاض الأهالي عنه بقصعتين من “الرفيسة” بالدجاج البلدي.

بعد الفراغ من الأكل، نوسع المجلس بالبيت العتيق، نتجاذب أطراف الحديث ونستل الذكريات من أغمادها في جو مميز يرمم الفجوات بين الأفراد، ويعيد ترتيب العلاقات العائلية: الأماكن المألوفة؛ حكايات الجدة؛ لحظات الفرح؛ الخيبات… وفي كل مرة، تنجح ليالي الذكريات حين نعاود رسمها باستحضار الماضي ومقارنته بالحاضر. وفي كل جلسة، نكتشف أن دفاتر ذكرياتنا المشتركة مازالت قادرة على رسم ملامح طفولتنا المعذبة والجميلة في آن واحد.

الطقس الثالث: “بابا عيشور”

طيلة شهر كامل، تخرج الصبايا كل مساء للطواف على البيوت وعلى الرجال من المارة، لأداء حق “بابا عيشور” عليهم. تقف الواحدة منهن أمام الرجل قائلة: “زَوَّرْ لي بابا عيشور”. وفي المساء، تجتمع الصبايا بالكُدْيَةِ يندبن السلطان “بابا عيشور” لأن كل يوم يمر عليهن فإنه يقربهن من موعد الفراق معه. من يرى أثر الحزن على الصبايا وَهُنَّ يبكين “بابا عيشور” في أنين وتوجع، يشك في أن المرثي هو مجرد عظم لا روح فيه.

كممثلة بارعة، تتأرجح رئيسة المجموعة بين شخصيتها الحقيقية وشخصية النائحة المفجوعة في أعز الناس إليها! تتقمص الدور بانفعالات خارجية مدهشة، وتُهِيبُ بصويحباتها في كل مرة الانسجام في الضرب على الطعاريج والبنادير، فيتحولن بتوجيهاتها إلى كائنات احتفالية متآلفة على مسرح الساحة المفتوحة، تتلون بلون إيقاعات الأغاني الشعبية التي يحفظنها جيدا. ما زلت أستظهر عن ظهر قلب جملة من تلك الأغنيات كلماتٍ وألحاناً وحركات:

ــــــ «أَبَابَا عَيْشُورْ مْشَى يْصَلِّي وَدَّاهْ الوَادْ.. قَدِّيدَة قَدِّيدَة مَلْوِيَة عْلَى لَعْوَادْ»؛
ــــــ «عَيْشُورْ أَبُو مْدِيْجَّة.. مَاتْ وْخَلَّا خْدِيْجَّة»؛
ــــــ «هذا بَابَا عَيْشُورْ، مَا عْلِينَا لْحَكَامْ آ لَالَّة.. سِيدْ المِيلُودْ، يِتْحَكْمُو الرْجَالْ آ لَالَّة»…

بعد تناول وجبة العشاء ليلة عاشوراء، ينزل “بابا عيشور” عن عرشه مرغما، ويفقد كل جاه وحظوة كانت له طيلة شهر كامل. والغريب أنه ينزل على يد الصبيات أنفسهن اللائي حملنه فوق الأعناق! يُجَرِّدْنَهُ من ملابسه ويخلعن عنه بذلته الكهنوتية، ثم يبيت ليلة كاملة في الحناء. وعند الصباح، يتم تغسيله من قبل امرأة طاعنة في السن، حتى يلقى ربه وهو طاهر. هكذا، تقضي الطقوس التي لا تخلو من ضلالات وبدع كما أسلفت الذكر. ثم يُؤْذَنُ للذكور بالخروج معهن إلى المقبرة قبل طلوع الشمس.

تحمل كل فتاة “بابا عيشور” في يدها، والتمر والتين المجفف في حِجْرِهَا، ويلتزم الموكب المُشيِّع الصمت من الإناث والذكور. ما يهمنا نحن الذكور من هذه الطقوس (الوثنية) هو “البياض” الذي يأخذه الدَّفَّانُ من إحدى البنات، وهو عبارة عن بضع تمرات وتِينَاتٍ عن كل “بابا عيشور” دفنه بالمقبرة.

حال عودة الفتيات من المقبرة، ينزلن ببيت دادا “الزوهرة” رحمها الله، أو أي بيت آخر يتم الاتفاق عليه بشكل مسبق، يُجَمِّعن فيه كل ما غَنِمْنَهُ خلال جولاتهن السابقة على البيوت وأهالي العشيرة. تتكلف دادا “الزوهرة” بتقسيم الغنائم عليهن بالتساوي، وتأمرهن بالاغتسال، ثم الاكتحال والتسوك. فإذا ما فرغن من الاغتسال، طَلَتْ أيديهن بالحناء الواحدة تلو الأخرى تعبيرا منها عن انتهاء مدة الحزن.

ومن يومها، تختفي البنات عن أنظارنا، فلا تخرجهن إلا الحاجة والضرورة القصوى.

الطقس الرابع: “صدقة يا الدراري”

صباح الجمعة الأول من شهر محرم، يبادر أطفال الحي مبكرا نحو ظل السور المحاذي للملعب. فاليوم يوم عيد، وفرحتنا به لا تقل عن فرحتنا بالأعياد الدينية في قلب القرية. وإن كنا في الحقيقة نحيي فيه ذكرى حزينة على قلوب بعض الأهالي، وعلى رأسهم “أمي حادة” رحمها الله. نشغل أنفسنا بالحديث في موضوعات مختلفة، في انتظار أن يبلغنا النداء الخالد الذي تردده “أمي حادة”:

ـــــ «آ صدقة يا الدراري.. آ صدقة يا الدراري! رحمة ومغفرة على مَّيمتي العزيزة…»؛
ما إن يتناهى إلى مسامعنا ذلك النداء العزيز على معداتنا قبل قلوبنا، حتى نهرع نحوها أملا في الحصول على قسط من طبق “البطبوط” أو “البغرير” المدهون بالزبد والعسل. وقد يحدث أحيانا، أن نسمع النداء ذاته في ناحية أخرى من القرية، فنركض كوحوش البرِّية نحو مصدر الصوت الجديد، ومازال إدام الطبق الأول يقطر من أيدينا.

الطقس الخامس: توزيع “الفاكية”

حين يعلن الليل سطوته على القرية في اليوم العاشر من شهر محرم، نضرب بالقبة الصغيرة دائرة حول كبير العائلة، ولا يتخلف عنها أحد إلا من حبسه عذر قاهر. ننتظر قليلا قبل فراغ جدي رحمه الله من صلاة العصر بالمسجد. فور دخوله، يبسط جدي إزارا أبيض كبيرا، ويطلب منا تذكيره وهو يضع الأنصبة إذا نسي أحد أفراد العائلة. ثم يُفْرِغُ أكياس “الفاكية” فوق الإزار بالتتابع، وهي عبارة عن تشكيلة متنوعة من الفواكه الجافة، ويَجْزَعُ بواسطة آنية معدنية لكل فرد منا جُزْعَةً من اللوز والجوز الهندي والزبيب والفول السوداني، ثم يَجْزَعُ ضعفها مرتين من الحمص والتمر والتين المجفف… يوزعها بالتساوي تبعا لعدد الحاضرين، وحتى الغائبات المتزوجات في بيوتهن.

تتلألأ في حصة كل واحد منا بضع حَبَّات من حلوى ملونة دائرية الشكل، ومُقَرْنَصَةِ الحواشي على هيئة ساعة يدوية، كنا نسميها “حلوة الماكانة”. كل حبة في أعيننا بمائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء في نصيبه. وغالبا ما يكون عدد الحبات الزائد نسبيا في بعض الحصص هو المحدد الأساسي في اختيارنا لها.

حين يختار الواحد منا نصيبا من الأنصبة، يضعه داخل كيس ورقي متين خاص بالفاكهة، ويكتب عليه اسمه أو يضع عليه علامة تميزه عن غيره. نأكل منه بقدر كل يوم، وندخر الباقي بصندوق المؤونة عند جدتي رحمها الله.

الطقس السادس: الحضرة والذكر

تشهد المساجد والزوايا بمختلف قبائل بني عمير خلال أيام عاشوراء حيوية غير مسبوقة، لا نراها إلا في شهر رمضان. ولا تقتصر مظاهر الاحتفال بهذه الأماكن المقدسة على غسل الفراش، وتجديد الحُصُر، وتكثير الشموع والمشاعل، وجلب الهدايا… بل تتعداه إلى الإكثار من أعمال الخير كالصيام والصلاة مع الجماعة، والصدقة وإطعام الطعام وصلة الأرحام… أما الزوايا فيُرابط بها المريدون ويُكثرون من تلاوة القرآن والذكر، وإخراج “اللطيف” بشكل جماعي، وهو عبارة عن ورد يومي يطلبون فيه اللطف من ربهم. لكن ما كان يستهوينا نحن الأطفال ويشدنا إلى مجالس الشرفاء “الفُقَرَة”، هو الإنشاد والمديح النبوي أكثر مما تشدنا “الحضرة” إلى طقوسها بضريح “سيدي بوعبيد”، وخصوصا إذا أنشد “سيدي أحمد بن الهبيل” بصوته الرخيم الذي ينساب إلى مسامعنا كالنسيم العليل.

ختاما أقول إن “عاشوراء” في زماننا لم تكن مجرد مناسبة دينية واجتماعية، بل كانت أيضا تظاهرة فنية تتميز بعدة مظاهر احتفالية تمتزج فيها الأهازيج الشعبية بالعادات والتقاليد، وبطقوس رائعة لا تخلو من ضلالة، لكنها تؤكد على أهمية التفاعل الاجتماعي والاحترام والتعاون والانسجام والولاء للجماعة… ولذلك لم يكن الكبار يخشون علينا من قدومها كما نخشى نحن اليوم على صغارنا من قدومها، بعد أن اختزلها جيل “الفري فاير” في إضرام النيران وإزعاج الجيران. وشتان بين احتفالات جيل “الفول فاير” (طايب وهاري)، وجيل “الفري فاير”.