أحاول ان أبين في أسطر قليلة في ثلاث نقاط لماذا يمثلني أسود الأطلس، لكن قبل ذلك أسجل إعترافي بأنكتابة هذه المقالة ليست بريئة كلياً، أي انها ليست موضوعية في مجملها، بل تحمل بعداً نفسياً شخصياً، لكن البعد الشخصي لا يشكل سوى ربع الدافع لكتابته وإبداء الشعور المكنون تجاه أسود الأطلس، ومن أجل التوضيح والبيان، كيف لكوردي ليس عربياً ولا أفريقياً يرى في إنجازات المنتخب المغربي مصدر سعادة وفرح، ومع أنه ليس من متابعي الرياضة ولا الملاعب، لكنه يسهر لحين ساعات الصباح الأولى وليس الفجر من أجل الاستمتاع برؤية الأسود وهم يحفرون الملاعب الدولية ببصمات لا تنسى، بصمات تظهر أن القمة ليست حكراً على أبناء قارة أو قارتين بعينها، ولا هي من تخصصات بيئة معينة ولا محجوزة للون من ألوان البشرة أو عرق من الأعراق.
- متابعتي للمغرب وشؤنها العامة والرياضية منها على وجه خاص، هو لحبي للبلد من حيث هو، فقد قضيت فيها فترة ليست بالقصيرة من حياتي، ومن يرى التراب المغربي يعجز عن نسيانه، تراب جامع للأصالة والحداثة، ترى في مدن المغرب كل الحضارات والثقافات تتفاعل، لكنك ترى الأصل متجذراً كما هي بارزة، استعصت على الغزوات الأوروبية المتعاقبة محوها، والعمارة المغربية هي التي توحي لك بفن معماري إسلامي رصين، يتبين ذلك من منارات جوامعها الشاهقة، وتصاميم بيوتها الساكنة، ترىالأصل والعصر في كل مدينة من مدنها، ربما مدينة “الأصيلة” أصيلة كما هي تحتوي على حركات الحداثة، و”طنجة” عشقي المتوسط هي مختصر دولي شامل.
- ما يلاحظه المشاهد المتابع للاعبي المنتخب المغربي، أنهم يحاولون في كل فرصة إظهار القيم الرصينة، مع أن العديد منهم تربوا في أحضان الغرب، ونهلوا من ثقافته، ومازالوا يعيشون هناك، لكن البعد الأخلاقيالعائلي، والرصانة الإنسانية بادية عليهم في كل حركة، قليل جداً الربط العائلي، والحضور الأبوي أو الأم في الساحات والإفتخار بهم، لكن اللاعب المغربي لم يفعل ذلك فحسب، وإنما بدأ الفريق بتعليقات وتصريحات في اللقاءات الخاصة والعامةعن مكانة الوالدين في الثقافة المغربية، وكان تعبير “رضى الوالدين” من العبارات التي رافق المباريات في مونديال قطر 2022 كما هو الآن في مونديال 2026، ربما أهمية ابراز مكانة الوالدينفي المجتمعات التقليدية لا تلفت النظر الكبير لأنها عادة، لكن في عالم تنهار فيه القيم، وتتحطم فيه الأسرة، ويتردى فيه احترام الوالدين في تربية الأبناء، في عالمواضح أمام عين العالمين، تمثل هذه الصفة جانباً مهما من جوانبمواجهة عولمة هدم الأسرة،وتحطيم قواعدهاحيث التحرر من رضى الوالدين أساس من أسس التربية الفردانية، ومن هنا فإن أسود الأطلس يمثلني.
- النقطة الثالثة، وهي مهمة نظراً للتطورات الثقافية التي تتلاطم في العالم،حيث جعلت الثقافة الغازية في مجتمعاتنا كماهي في المجتمعات الغربية، أن الإنسان الحديث المعاصر يكون مدنياً حين التخلي عن الدين، أو حجزه داخل المنزلوبين حيطانه، ليس من علامات حضور الانسان ولا من أمارات مدنيته أن يظهر مظاهر العبادة، ومؤشرات عبودية الله في الساحات العامة، حيث العالم المتحضر يرى ويراقب، لا يستساغ أن يظهر اللاعب بما يرى فيه الآخرون أنه من مظاهر التخلف والرجعية، أي المظاهر الدينية وكل ما يرمز الى الدين، في حين كان أسود الأطلسأكثر جرأة وأكثر وضوحاً، خاصة في مباراة إقصاء هولندا وطرده من البطولة ورميه خارجاً، تذكر الله سبحانه والإعتراف بفضله فيالإنجازات هو من الخصال التي يتصف بها الانسان الواعي، الجامع بين خيري الدنيا والآخرة، كان لافتاً قراءة سورة الفاتحة قبل الشروع بالضربات الترجيحية، وهي ضربات تضرب قلب المحب، وتهزّه، وكان لافتاً السجود الجماعي بدعوة من “المزراوي” العابد المحب للقرآن، شكراً لله سبحانه على النعمة والفضل، فهم قد دعوا وخاطبوا رب العالمين العون والمساندة، وشكروه فيما بعد على تقديم العون والمساندة، تذكر الله في الشدة والرخاء..ربما قد لا يكون هذا نهج الجميع في كل الوقت أو في ممارسة الحياة التفصيلية ويومياتها، لكن الحركات تلك دليل على ما في عمق الانسان من بذرات الإيمان والهداية، والأجمل هو في تصريح الجنرال “عيسي ديوب” بأن ما حصل هو من فضل الله وأننا بلد مسلم وينبغي أن نشكر الله على ذلك، هذه بحد ذاته دعوة إلى الله، محاولة للتذكير بالخالق،وأن الوصول الى العواصم العالمية لا يعني الانفصال عن الله تعالى.
- ثم أليس من الجمال الافتخار بإختراق الجدار الصلب الذي وضعه الواضعون حاجزاً أمام إنتصار المسلمين وتصويرهم على انهم في الموقع المتخلف من الصف؟ وأليس من الكمال الشعور بالتكامل مع هؤلاء اللاعبين الذين يسجلون تاريخاً يحق لنا التباهي به في محطاتقادمة، والدرس بأن الجمع بين التوكل على الله واتخاذ كل أسباب النجاح يجعلك متألقاً تنافس من يسمون أنسفهم كباراً، تكرههم على رؤيتك أنك الكبير وقد تدفع بهم صغاراً خارج الساحة؟،صغاراً ليس انسانياً وانما رياضياً فالإنسان من حث هو مكرّم مفضّل، ومعاييرنامعنوية قيمية وليست مادية شيئية كما هم يفعلون،بالنسبة لي أجاهر بالافتخار.. وهو درس في طريق التقدم، ربما الرياضة لا تبني مدينة، لكن التفوق روح تبحي كل شيء عندما تثق بأنك بعبع الكبارالذي ظنوك في يوم ما صغيراً.