حدثنا جعفرٌ فقال: ولما ألفتُ الراحة والجلوس، وطابت لي الأنفاس في حواضر سوس، بمجالسة شراح النفائس والحواشي والطروس، حيث نهلت من دورها جواهر الآداب وسحر أخلاق الأصحاب، وكسبت أسمى الدرر وحويت أسنى الطرر والغرر، ونلتُ غاية الغايات، وحققتُ أنبلَ الأماني والأمنيات، فاتسعت مدارك العلم، واتضحت عوالم الفهم، وحمدتُ الله على سوابغ النعم ومجامع الكرم، وفي ليلة مقمرة كشفت لي فيها السماء حجب الأستار، واتضحت فيها عظمة النجوم والأقمار، وأضئت الأقطار بأنوار الواحد الأحد القهار، حيث أسررت إلى الله العالم الأعلم بأسراري، وخبرته بجلائل ما يجول في سريرة أنهاري، وأن يفرج عني ما تعسر، وأن يزدني من يسره ما تيسر، وكنت إذ ذاك أحمل كتابي المختار، وأحسبه من العلماء الأخيار، فتصفحت سوس العالمة والمعسول، ووجدت فيهما مبادئ المعارف والأصول، ومما تشنفت له الأسماع وذابت من سحره صلابة الأوجاع أحاديث الشيخ الفضيل في مجالسه، عن نفائس درعة الجنوب وعرائسه، وكشفه عن جلائله وعوائده، ولما سمعت من شيخنا المقال، فقلت حان وقت الترحال، وانتهت الآجال، ولي مع درعة لقاء وأفرغت من عقلي فكرة البقاء، وقلبي من الشوق يحترق ويذوب إلى زيارة أرض الجنوب، فهامت بي الأشواق، نال مني إلف الفراق، وصلّى الله على من أوضح به الإعلام، وشرع بلسانه الإسلام، منار الهدى والهداية والغفران، وخيار الورى والإحسان. وألمُ فراق سوس في البال يجول، فأنشد قلبي يقول:
تمتّع من حبيب بالوداع ـ فما بعد الفراق من اجتماع
فلم أر في الذي لاقيت شيئا ـ أمرّ من الفراق بلا وداع
وجهزت إلى لقيا أهالي درعة أسفاري، وحملتُ على الحافلة أحمالي، وشهقت شقهة تكتم أحزاني وأمالي، فخبرت السيد السائق بكلام طريف لائق، وحديث عجيب فائق، وسألني ما وجهتك وما نوالك؟ قلت: إلى دار الخيرات والمبارك، والسادة الأشراف الممالك، إلى مكان تجلت فيه بركة العارفين والمتصوفة الواصلين، ومقام احتضن الرّحال والأسياد الرجال، ويتسم فيه الناس بالظرافة والحسن والاعتدال، ويتصفون بمحاسن الأخلاق وأفضل الخصال، وضحك ضحكة الحشمة والوقار، وقال في بهاء واعتبار: أنت إلى زاكورة غادي، وقد سمع عنها العادي والبادي، وشدت إليها أنظار النظار، ونزل بوادها الناس الأخيار، وقيل عنها خير المنازل والأقطار، وفيها مختلف الأجناس والأعراق، وتجمعات الأدباء والشعراء العشاق، وقد كتب الله لها أن تكون دار السعادات، ومطلب أهل العلم والإفادات، وألوان الأهالي مختلطة، ويغلب عليهم لون القرنيف والنخيل، ومن لطافته إليه النساء تميل، ومكث فيها اليهود وأهل الإسلام والكتاب، وعشائرهم وقبائلهم يقل فيها التعنصر والعتاب، وطال كلامه في هذا الباب، ومن جماله قلبي استطاب، فكان الرجل في الطريق خير الأصحاب وأحاديثه تداوي القلوب والألباب، ولما سمرت طويلا صار الجسم مكدودا، وعقلي من ألم مهدودا، فبكرتُ في الصباح وسكتَ السيد السائق عن الكلام المباح، وبعد لحظات النزول شممت في تامكروت مشاعر الكرم والقبول، وتسربت إلى دواخلي حلاوة تمر المجهول، والنخل نائم من شدة الذبول، والذباب واقف على الدور يضرب الطبول، والأرض فقدت حسنها وسربالها، وذاقت من الجفاف وسوء التدبير وبالها، كأنها قد زلزلت زلزالها، وأخرجت للناس شدتها وحرارتها وعذابها، وألقت لهم أثقالها، وشمسها تيأس منها النفوس والأنوف، ومعايشها أهلكتها حدة الفقر والفاقة والظروف، والمنازل الطينية شهباء، ووجوه الناس غبراء، فمنهم البيض والحراطين، الذين كانوا في خدمة عتبة السلطة والسلاطين، وقد جلت بعيوني في جنانها وطفت في قصورها وقصباتها، وتبسمت حالي بعد رؤية بدائع صنائع الفخار، ومحادثة الكبار وممازحة الصغار، وأنا في ديارهم غريب، وفي دارهم حبيب، فذقت طعامهم وشوتني حرارتهم، وسرحت أنظاري في الواحات وتأملتُ في عظائم الآيات، وذكرت الله في مقام الشرفاء والزيارات، زاوية الناصري الولاي الصالح، والعابد الزاهد الناصح، ودعوت الله لرجالات درعة بالعلو والاعتلاء، على ما تركوه للأهالي من البركة وقيم السمحاء اللطفاء، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، والحمد لله ذي الفضل الجواد الكريم، ونحمده على ما أسدى من جزيل الرغائب، وأجدى لأشراف الزاوية من جميل المواهب، وسنّى لهم جليل المآرب، وأسداهم كميل المراتب، وحدثني في الزاوية شيخٌ شريف، أسمر اللون ذي جسم نحيف، فسرد تفاصيل العشائر والقبائل، وقص لي حكايات الترحال والتجار والقوافل، وأبهرني بحديثه عن جمع من الأدباء والشيوخ العارفين البلغاء، كالسيد اليوسي، والتجموعتي، والمكي، والشفشاوني، والكنسوسي وغيرهم من العلماء والفصحاء والشعراء، الذين رفعوا همة الأدب، وبلغوا في ذلك أسمى الطلب والآرب، وفي زاكورة شيء من حتى وخير النعم، وهذا خير ما تأتى لي قوله عن تامكروت أهل العلم والكرم، وأنشد القلب الولهان من الشعر الحسان قول عروة بن الورد:
أيا بنت عبد الله وابنة مالك ــ ويا بنت ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ــ أكيلا فإني لست آكله وحدي
أخاً طارقاً أو جار بيت فإنني ــ أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زاداً وجارُهُ ــ خفيف المِعى بادي الخصاصة والجهد
وللمَوْتُ خير من زيارة باخل ــ يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ــ وما فيَّ إلاّ تلك من شيمة العبد»