في كل مرة يلمس فيها عز الدين أوناحي الكرة، يبدو وكأنه يوقّع على فصل جديد من الحكاية المغربية الجميلة في كرة القدم. لاعب لا يكتفي بالركض في وسط الميدان، بل يمنح اللعب معناه، ويحوّل المساحات الضيقة إلى ممرات مفتوحة، والضغط إلى فرصة، واللحظة الصعبة إلى ومضة فنية قادرة على تغيير مصير مباراة بأكملها.
لم يكن تألق أوناحي أمام كندا، وتوقيعه على ثنائية حاسمة قادت “أسود الأطلس” إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، مجرد إنجاز فردي عابر، بل كان صورة مكثفة لمسار طويل بدأ من ملاعب التكوين، وتحديدا من أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، حيث تتشكل المواهب في صمت، قبل أن تخرج إلى الضوء وهي قادرة على مجاراة كبار اللعبة في أكبر المسارح العالمية.
أوناحي، ابن المشروع الكروي المغربي، لا يمثل نفسه فقط. إنه يحمل في قدميه دلالة جيل جديد من اللاعبين المغاربة الذين لم يعودوا يذهبون إلى المنافسات الكبرى بعقدة المشاركة أو الاكتفاء بشرف الحضور، بل بثقة المنتصر، ووعي من يعرف أن كرة القدم الحديثة لا تعترف إلا بمن يملك التكوين والرؤية والانضباط والاستمرارية.
منذ ظهوره اللافت في مونديال قطر 2022، حين خطف الأنظار بأناقته الفنية وهدوئه المدهش في وسط الميدان، بدا أوناحي لاعبا مختلفا. ليس صاخبا في حضوره، لكنه عميق في تأثيره. لا يحتاج إلى كثير من الاستعراض كي يفرض نفسه، فبتمريرة ذكية أو مراوغة محسوبة أو تحرك بين الخطوط، يستطيع أن يغيّر إيقاع اللعب ويمنح المنتخب المغربي جرعة إضافية من الثقة.
وإذا كان المغرب قد دخل التاريخ سنة 2022 كأول منتخب إفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، فإن عودته القوية في نسخة 2026 تؤكد أن ما حدث في قطر لم يكن صدفة سعيدة، ولا طفرة مرتبطة بجيل استثنائي فقط، بل نتيجة مشروع رياضي بدأ منذ سنوات، وراهن على التكوين والبنية التحتية والاستقرار المؤسساتي وتطوير المسابقات الوطنية.
داخل هذا المشروع، تبرز أكاديمية محمد السادس لكرة القدم كواحدة من أهم العلامات الفارقة. فمنذ تدشينها سنة 2009، تحولت إلى مشتَل حقيقي للمواهب، خرّج أسماء باتت جزءا من العمود الفقري للمنتخب الوطني، من بينها عز الدين أوناحي ونايف أكرد ويوسف النصيري ورضا التكناوتي. أسماء تؤكد أن الاستثمار في اللاعب المغربي منذ سنواته الأولى قادر على إنتاج نخب كروية تنافس في أعلى المستويات.
أمام كندا، لم يكن أوناحي مجرد لاعب سجل هدفين. كان عنوانا لمرحلة بكاملها. مرحلة أصبح فيها اللاعب المغربي أكثر نضجا، وأكثر جرأة، وأكثر قدرة على الحسم في المواعيد الكبرى. وفي كل لمسة، كان يستعيد شيئا من ذاكرة قطر، ويضيف إليها وعدا جديدا: أن المغرب لم يعد ضيفا مفاجئا على الكبار، بل صار رقما ثابتا في معادلة كرة القدم العالمية.
قصة أوناحي هي، في العمق، قصة المغرب الكروي الجديد. مغرب لا ينتظر الصدفة، بل يصنعها بالتخطيط. لا يراهن فقط على الحماس، بل على العمل القاعدي. ولا يكتفي بتصدير المواهب، بل يبني لها بيئة قادرة على التكوين والتأطير والتطور.
من أكاديمية محمد السادس إلى مدرجات المونديال، ومن ملاعب التدريب إلى لحظات الحسم، يختزل عز الدين أوناحي الكثير من دلالات النجاح المغربي: موهبة صافية، تكوين رصين، شخصية هادئة، وقدم تعرف متى تقول كلمتها.
لذلك، لم تكن ثنائية أوناحي في مرمى كندا مجرد رقم في سجل المباراة، بل كانت شهادة جديدة على أن الحلم المغربي صار مشروعا، وأن “أسود الأطلس” لم يعودوا يطاردون التاريخ من بعيد، بل يكتبونه بثبات، جيلا بعد جيل.