وجهة نظر

لماذا يُجَرِّمون الفرح؟

يتعامل كثيرون مع الترفيه بمنطق أخلاقي صارم يجعل منه ترفاً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم، وكأن الإنسان مطالب بأن يعلّق حاجاته النفسية والجمالية حتى يفرغ من مواجهة الفقر والبطالة وغلاء المعيشة واختلال الخدمات العمومية. يفضي هذا التصور إلى نظرة تختزل الإنسان في وظيفة واحدة، فتربط قيمته بقدرته على الانشغال الدائم بالأزمات، وتمنحه حق الابتسام وفق جدول تحدده الظروف الاقتصادية والسياسية. هذه الرؤية تصنع إنساناً مثقلاً بالأعباء، وتتعامل مع الفرح باعتباره امتيازاً يستحقه الميسورون وحدهم.

الحياة الإنسانية أكثر تركيباً من هذا التصور. الإنسان يحتاج إلى العمل كما يحتاج إلى الراحة، ويحتاج إلى الكفاح كما يحتاج إلى لحظات يستعيد فيها توازنه. لهذا احتلت الفنون والألعاب والاحتفالات مكانة راسخة في مختلف الحضارات، سواء عرفت الرخاء أو عاشت فترات القحط والحروب. لم تزدهر الموسيقى في القصور وحدها، ولم يولد الشعر بين الأثرياء فقط، ولم تجد الرياضة طريقها إلى المجتمعات المستقرة اقتصادياً فحسب. ارتبطت هذه المظاهر بتاريخ الإنسان منذ بداياته لأنها تلبي حاجة أصيلة في تكوينه النفسي والثقافي.

تتحول المشكلة إلى قضية فكرية عندما يطالب بعضهم الفقراء بالتخلي عن أي مساحة للمتعة بدعوى الانشغال بالقضايا المصيرية. يحمل هذا المنطق تصوراً طبقياً متخفياً تحت غطاء أخلاقي. فهو يمنح الطبقات الميسورة حق السفر والسياحة والقراءة ومتابعة المباريات والحفلات، ثم يدعو الفقير إلى الانضباط الصارم والانصراف الكامل إلى معاناته اليومية. يكشف ذلك عن مفارقة عجيبة؛ فيتحول الفقر من ظرف اقتصادي إلى عقوبة تمتد إلى المجال النفسي والثقافي، ويصبح الفرح نفسه امتيازاً طبقياً.

هذا التصور يخلط بين الأولويات والحقوق. الاهتمام بالصحة والتعليم والعدالة ضرورة اجتماعية وسياسية، والعمل من أجل تحسينها مسؤولية مشتركة، غير أن هذه المسؤولية لا تستوجب مصادرة بقية أبعاد الحياة الإنسانية. يستطيع الإنسان أن يطالب بإصلاح المدرسة، ثم يقرأ رواية في المساء. ويستطيع أن ينتقد تراجع الخدمات الصحية، ثم يجلس مع أسرته لمتابعة مباراة لكرة القدم. ويستطيع أن يشارك في النقاش العمومي، ثم يستمع إلى مقطوعة موسيقية تمنحه شيئاً من السكينة. هذه الممارسات لا تتصارع، وإنما تتكامل لأنها تصدر عن الإنسان نفسه.
يحمل الترفيه وظيفة نفسية عميقة تتخطى معنى التسلية العابرة. فالضغوط المتراكمة تستهلك الطاقة الذهنية والعاطفية، والإنسان يحتاج إلى منافذ تعيد ترتيب مشاعره وتخفف وطأة القلق. علماء النفس يتحدثون عن أهمية الاستراحة الذهنية في المحافظة على القدرة على التفكير واتخاذ القرار ومواجهة الضغوط. لهذا تؤدي لحظات الفرح دوراً عملياً في دعم القدرة على الاستمرار، ولا تمثل انقطاعاً عن الواقع.

الرياضة الشعبية، وعلى رأسها كرة القدم، تؤدي دوراً خاصاً في هذا النطاق. لأنعا تمنح الملايين تجربة وجدانية مشتركة، وتخلق لغة يفهمها الناس على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية. يتابع العامل والطالب والأستاذ والطبيب المباراة نفسها، ويتفاعلون مع اللحظة نفسها، فتتشكل مساحة رمزية تعيد إنتاج الشعور بالانتماء الجماعي. لهذا ارتبطت كرة القدم بالأحياء الشعبية والطبقات الكادحة منذ نشأتها، وتحولت إلى أحد أكثر أشكال الثقافة الجماهيرية حضوراً.

وتاريخ اللعبة يعرفقصصاً كثيرة خرجت من الأزقة والساحات الترابية، ثم وصلت إلى أكبر الملاعب العالمية. لذلك يجد أبناء الأحياء الفقيرة فيها امتداداً لتجربتهم اليومية، ويرون فيها إمكانية رمزية لتجاوز الحدود الاجتماعية. هذا الارتباط يفسر الشعبية الجارفة لكرة القدم في المجتمعات التي تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، لأن هذه اللعبة تمنح الناس فرصة للتعبير عن الانتماء والأمل والطموح، وتفتح نافذة على عالم أرحب.
يستند الخطاب الرافض للترفيه أحياناً إلى تصور يجعل الانشغال الدائم بالمشكلات دليلاً على الجدية، وكأن الابتسامة تنتقص من قيمة الإنسان، أو كأن متابعة مباراة تعني التخلي عن الوعي. هذا الربط يفتقر إلى الدقة، لأن الوعي فعل عقلي مستمر، ولا يتوقف مع بداية مباراة أو انتهاء فيلم أو حضور عرض مسرحي. الإنسان القادر على التفكير يحتفظ بموقفه من القضايا العامة، ويواصل حياته اليومية في الوقت نفسه.

تاريخ الحركات الاجتماعية يقدم أمثلة كثيرة تؤكد هذه الحقيقة. العمال الذين خاضوا معارك نقابية كانوا يؤسسون فرقاً رياضية وجمعيات موسيقية ونوادٍ ثقافية. المثقفون الذين دافعوا عن الحرية كتبوا الرواية والشعر، واهتموا بالمسرح والسينما. الشعوب التي واجهت الاحتلال احتفظت بأغانيها ورقصاتها الشعبية واحتفالاتها. لم تنفصل مقاومة الواقع عن إنتاج الفرح، لأن الروح الإنسانية تحتاج إلى مصادر تغذي قدرتها على الصمود.

خطاب تجريم الترفيه ينطوي على نزعة وصائية أيضاً. فصاحب هذا الخطاب يمنح نفسه سلطة تحديد ما يحق للناس متابعته، وما ينبغي عليهم التفكير فيه، وكيفية توزيع وقتهم ومشاعرهم. تتشكل علاقة غير متوازنة بين الواعظ والجمهور، فيتحول الناس إلى موضوع للتوجيه المستمر، وتفقد اختياراتهم قيمتها. المجتمع الحر يقوم على احترام قدرة الأفراد على ترتيب أولوياتهم دون وصاية أخلاقية متعالية.

تحتاج المجتمعات إلى ثقافة تعترف بتعدد حاجات الإنسان. فالخبز يضمن استمرار الجسد، والتعليم يصنع المعرفة، والعدالة تحمي الحقوق، أما الثقافة والفن والرياضة فتمنح الحياة معناها الإنساني. لا تستطيع أي منظومة اجتماعية أن تستغني عن أحد هذه العناصر، لأن اختلال التوازن بينها ينعكس مباشرة على جودة الحياة.

تؤدي البطولات الرياضية الكبرى وظيفة ثقافية تتعدى المنافسة. لأنها تخلق لحظات مشتركة بين ملايين البشر، وتدفع الناس إلى الحوار والتفاعل وتبادل المشاعر. تكتسب هذه اللحظات قيمة خاصة في المجتمعات التي ترزح تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية، لأنها تمنح الناس فرصة للتنفيس واستعادة شيء من الأمل. لهذا تحتفل مدن فقيرة كما تحتفل مدن غنية، ويشارك الأطفال والشباب وكبار السن في التجربة نفسها.

تتغذى بعض الخطابات على شعور دائم بالذنب، فتسعى إلى زرعه في نفوس الناس كلما مارسوا نشاطاً يمنحهم شيئاً من السعادة. لتتحول لحظات الفرح و السعادة وفق هذا المنطق إلى تهمة تحتاج إلى تبرير، ويغدوان فعلاً يستوجب الاعتذار. هذا المسار يضعف الإنسان نفسياً، لأن الشعور المستمر بالذنب يستهلك طاقته ويجعله أقل قدرة على المبادرة والإنتاج والمشاركة.