منتدى العمق

الحكامة المائية المستدامة

يشكل الماء والبيئة في العصر الحديث محورًا استراتيجيًا تتقاطع عنده الاعتبارات القانونية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، إذ غدا تدبير الموارد الطبيعية معيارًا حقيقيًا لقياس نجاعة السياسات العمومية، ومؤشرًا دقيقًا على مدى قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الحكامة الجيدة، وصيانة الحقوق الجماعية والفردية للأجيال الحاضرة والقادمة. ومن الثابت أن المنظومة القانونية لم تعد تنظر إلى الموارد المائية باعتبارها مجرد ثروة طبيعية قابلة للاستغلال، وإنما أضحت تعتبرها رصيدًا سياديًا، ومرفقًا حيويًا، ومكونًا أساسيًا من مكونات الأمن الوطني، بما يفرض إخضاعها لمنظومة متكاملة من قواعد التنظيم والتخطيط والرقابة والتدبير والتقييم والاستشراف، في إطار رؤية تشريعية ومؤسساتية قوامها الاستدامة والنجاعة والالتقائية.

ولا شك أن التحولات المناخية، والتقلبات البيئية، وتزايد الضغط الديمغرافي، وارتفاع الطلب على المياه، واتساع الأنشطة الاقتصادية والصناعية والفلاحية، أفرزت تحديات قانونية ومؤسساتية غير مسبوقة، الأمر الذي استوجب تطوير الترسانة التشريعية الوطنية وفق مقاربة استباقية قائمة على التدبير المندمج للموارد المائية، والتخطيط الترابي، والتنظيم المجالي، والتوازن البيئي، والوقاية من المخاطر، والتكيف مع آثار التغيرات المناخية، باعتبار أن حسن التدبير يسبق معالجة الأزمات، وأن التخطيط الاستراتيجي يمثل الوسيلة الأنجع لتحقيق الأمن المائي والعدالة البيئية.

وقد كرس دستور المملكة المغربية لسنة 2011 هذا التوجه من خلال إرساء مبادئ التنمية المستدامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية الحقوق البيئية، وتثمين الموارد الطبيعية، كما نص الفصل 31 على تعبئة الوسائل الكفيلة بتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في الحصول على الماء، في حين أكد الفصل 35 ضرورة المحافظة على الموارد الطبيعية وحقوق الأجيال المقبلة، بينما جعل الفصل 40 حماية الوطن ومصالحه العليا مسؤولية مشتركة، وهو ما يمتد بالضرورة إلى حماية الثروة المائية والبيئية باعتبارها جزءًا من الأمن الاستراتيجي للدولة.

وانسجامًا مع هذه المرتكزات الدستورية، جاء القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء ليؤسس لمرحلة تشريعية جديدة، قائمة على التدبير المندمج والمستدام للموارد المائية، والوقاية من التلوث، وترشيد الاستعمال، وتثمين الموارد غير التقليدية، وإرساء آليات التخطيط المائي، وإعداد المخططات التوجيهية للتهيئة المندمجة للموارد المائية، وتدعيم اختصاصات وكالات الأحواض المائية باعتبارها مؤسسات عمومية تضطلع بأدوار التنظيم والتنسيق والمراقبة والتتبع والاستشراف. كما اعتمد المشرع مقاربة استباقية تقوم على حماية الملك العام المائي، وتنظيم استغلال المياه السطحية والجوفية، وتأطير الرخص والامتيازات، وتكريس مبدأ الأداء مقابل الاستغلال، ومبدأ الملوث المؤدي، ومبدأ الوقاية والاحتراز، وهي مبادئ أصبحت تشكل أعمدة القانون البيئي الحديث.

وبالموازاة مع ذلك، شكل القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة تحولًا نوعيًا في البناء القانوني المغربي، حيث أرسى منظومة متكاملة تقوم على إدماج البعد البيئي في مختلف السياسات العمومية، وربط التنمية بالحفاظ على الموارد الطبيعية، وتعزيز الحكامة البيئية، وإرساء التخطيط الاستراتيجي، واعتماد التقييم البيئي، وإعمال مبادئ المسؤولية والشفافية والنجاعة والاستدامة، بما يجعل البيئة عنصرًا مؤسسًا لكل مشروع تنموي، وليس مجرد قطاع مستقل عن باقي السياسات العمومية.

ومن المؤكد أن التنظيم القانوني للموارد المائية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظومة التخطيط، إذ إن أي سياسة مائية ناجحة تقوم على الاستشراف، وتحديد الأولويات، وتقييم المخاطر، وتعبئة الإمكانيات، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، وتعزيز الالتقائية المؤسساتية، بما يضمن حسن استغلال الموارد، وترشيد النفقات، وتحقيق الأمن المائي، والرفع من فعالية التدخلات العمومية. لذلك أصبح التخطيط أداة قانونية ملزمة، وآلية تنظيمية، ووظيفة استراتيجية، تستند إلى مؤشرات علمية ومعايير تقنية ودراسات استشرافية، تمكن من الانتقال من التدبير الظرفي إلى التدبير الاستراتيجي القائم على الاستدامة والمرونة والنجاعة.

وبذلك، يغدو الماء قضية سيادة، والبيئة قضية تنمية، والتنظيم أداة للحكامة، والتخطيط وسيلة للاستشراف، والقانون الإطار الناظم الذي يضمن التوازن بين متطلبات الاستثمار، وضرورات المحافظة على الموارد الطبيعية، وحقوق الأجيال القادمة، في ظل رؤية وطنية تجعل من الأمن المائي والعدالة البيئية والتنمية المستدامة مرتكزات أساسية لبناء نموذج تنموي قادر على مواجهة تحديات المستقبل وصناعة تنمية متوازنة، قائمة على حسن التدبير، وفعالية التنظيم، وسمو القانون، واستدامة الموارد.