منتدى العمق

تحديث الجهوية المتقدمة بالمملكة المغربية: قراءة في قرار المحكمة الدستورية بشأن تعديلات القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات

في ضوء تحديث الجهوية المتقدمة بالمملكة المغربية

يشكل القرار رقم 267/26 الصادر عن المحكمة الدستورية بشأن البت في مطابقة مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، لأحكام الدستور اجتهادا دستوريا بالغ الأهمية في مسار بناء القضاء الدستوري المغربي المرتبط بمنظومة اللامركزية الترابية ولا تنحصر أهمية هذا القرار في إقراره بدستورية المقتضيات المحالة وإنما تمتد إلى ما تضمنه من تأويل دستوري للمبادئ المؤطرة للجهوية المتقدمة، وفي مقدمتها مبدأ التدبير الحر ومبدأ التوازن بين الاستقلالية التدبيرية للجهات ووحدة الدولة وحتى لا ننسى كذلك ان دستور المملكة يؤكد على ان التنظيم الترابي للمملكة هو تنظيم لا مركزي قائم على الجهوية المتقدمة،
ومن خلال تعليلها، اعتمدت المحكمة الدستورية مقاربة وظيفية في تفسير الاختصاصات الذاتية للجهات، معتبرة أن التعديلات التي همت المواد 82 و83 و91 لا تشكل مجرد توسع كمي في مجالات تدخل الجهة وإنما تعكس تطورا نوعيا في فلسفة اللامركزية الترابية، عبر تعزيز الدور الاقتصادي للجهات بوصفها فاعلا عموميا في تحقيق التنمية الترابية.

وبناء على هذه المعطيات أقرت المحكمة بأن إسناد اختصاصات تتعلق بدعم الاستثمار المنتج، وتشجيع المبادرات المقاولاتية، وإحداث وتدبير مناطق الأنشطة الاقتصادية و و و…. (إلخ)، ينسجم مع مقتضيات الفصل الأول من الدستور، الذي جعل الجهوية المتقدمة أساس التنظيم الترابي للمملكة كما ذكرنا أعلاه، على اعتباره يدخل ضمن المجال المحفوظ للقانون التنظيمي المنصوص عليه في الفصل 146 من الدستور.
ويستفاد من هذا التعليل أن المحكمة تبنت فهما مرنا لمبدأ الاختصاصات الذاتية، يقوم على قابلية هذه الاختصاصات للتطور تبعا للتحولات الاقتصادية والمؤسساتية، شريطة عدم المساس بالتوازن الدستوري بين اختصاصات الدولة واختصاصات الجماعات الترابية، وهو ما يعكس توجها قضائيا يروم مواكبة الدينامية الإصلاحية التي يعرفها التنظيم الترابي للمملكة.

وفي السياق نفسه، اعتبرت المحكمة أن التعديلات التي طالت المواد 98 و115 و194 تستجيب لمقتضيات الانسجام التشريعي والمؤسساتي، خاصة بعد تحويل الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركة جهوية ويكشف هذا التعليل عن توجه قضائي يعتبر أن تطوير الآليات المؤسساتية لتنفيذ المشاريع لا يمس في حد ذاته بالاختصاصات الدستورية للجهة، ما دام القرار الاستراتيجي يظل من اختصاص الأجهزة التداولية المنتخبة، بينما يقتصر دور الشركة الجهوية على التنفيذ والتدبير التقني للمشاريع.

ويبرز هذا المنحى بصورة أوضح في تفسير المحكمة للمادة 98، حيث اعتبرت أن إسناد سلطة التداول في القضايا المالية والاختيارات الاستراتيجية الكبرى إلى مجلس الجهة يجسد مبدأ التدبير الحر المنصوص عليه في الفصل 136 من الدستور ويؤكد هذا التعليل أن المحكمة تنظر إلى التدبير الحر باعتباره ضمانة دستورية لاستقلالية القرار الترابي، وليس مجرد مبدأ تنظيمي، بما يكرس مكانة المجلس الجهوي باعتباره السلطة التداولية صاحبة الاختصاص الأصيل في رسم التوجهات الاستراتيجية للجهة، مع خضوع ممارسته لهذا الاختصاص لمبادئ المشروعية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما خلصت المحكمة إلى أن توسيع مجالات تدخل شركات التنمية الجهوية، بموجب المادتين 145 و146، لا يتعارض مع مقتضيات الفصل 140 من الدستور، ما دام هذا التوسيع لا يؤدي إلى نقل الاختصاصات الدستورية للجهة إلى أشخاص معنوية مستقلة، وإنما يقتصر على إسناد بعض مهام التنفيذ إلى أدوات مؤسساتية متخصصة، في إطار ما يمكن وصفه بالتدبير العمومي الترابي الحديث، القائم على الفصل بين وظيفة اتخاذ القرار السياسي ووظيفة التنفيذ التقني والإداري.

غير أن القراءة النقدية لهذا القرار تثير نقاشا دستوريا مهما حول الحدود الفاصلة بين تدعيم النجاعة التدبيرية والحفاظ على جوهر مبدأ التدبير الحر. فبالرغم من تأكيد المحكمة على احتفاظ المجلس الجهوي بسلطاته التداولية والاستراتيجية، فإن التوسع المتزايد في إسناد تنفيذ المشاريع إلى الشركات الجهوية قد يفضي عمليا إلى إعادة تشكيل موازين السلطة داخل الجهة، بما يمنح الأجهزة التنفيذية والمؤسسات ذات الطابع المقاولاتي دورا متناميا في تدبير الشأن الجهوي؛ ويظل نجاح هذا النموذج رهينا بمدى فعالية آليات الرقابة الديمقراطية التي سيضطلع المجلس المنتخب ممارستها، الى جانب الرقابة المالية التي اسنتد مهام تنفيدها الى المفتشية العامة للمالية أو المفتشية العامة للإدارة الترابية او بشكل مشترك بينهما معا، بما يضمن عدم تحول شركات التنمية إلى مراكز لاتخاذ القرار خارج دوائر التدبير الترابي.

وعليه، فإن القرار رقم 267/26 لا يمثل مجرد حكم بمطابقة مشروع قانون تنظيمي للدستور، وإنما يؤسس لاجتهاد دستوري يعكس توجها واضحا نحو التوفيق بين متطلبات تحديث الإدارة الترابية واعتبارات احترام المبادئ الدستورية المؤطرة للجهوية المتقدمة، كما يؤكد أن القضاء الدستوري المغربي يتجه إلى تبني تأويل مرن لمبدأ التدبير الحر، يسمح بتطوير الوسائل المؤسساتية لتدبير الشأن الجهوي، شريطة ألا يترتب عن ذلك المساس بالاختصاصات الأصيلة للمجالس المنتخبة أو إفراغ اللامركزية الترابية من مضمونها الدستوري.