العمق الرياضي

من “لمة” العائلة إلى المدرجات.. كيف تعاظم شغف المغربيات بكرة القدم؟

تزايد اهتمام النساء المغربيات برياضة كرة القدم ومتابعتها بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، حيث شهدت الأحداث الكروية الأخيرة تحولا غير مسبوق من حيث متابعة المغربيات لها، تشجيعا وتحليلا وتفاعلا، وهو التحول الذي برز بشكل كبير خلال كأس العالم 2026.

وتجمع الكثير من المشجعات المغربيات على أنهن كن “فأل خير وقدم ربح”، وأن الكرة أنصفتهن، و”الرابح من المرأة والخاسر من المرأة”، في إشارة منهن إلى أن اهتمامهن بهذه الرياضة رافقه تحقيق المغرب لعدد من الانتصارات، أبرزها وصول أسود الأطلس إلى المربع الذهبي في “مونديال قطر 2022″، كما أن كرة القدم المغربية غدت نموذجا يحتذى به ومبعثا للافتخار. فما سر هذا الاهتمام المتزايد من العنصر النسوي بكرة القدم؟

مشروع مارشال

شكل مشروع مارشال لكرة القدم المغربية، الذي خططت له الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عام 2020، الخطوة الأساس التي غيرت معالم الكرة المغربية، خاصة النسوية منها. المشروع الذي وضع رهن إشارة الكرة النسوية ميزانية تبلغ حوالي 60 مليون درهم، اعتمد في أساسه على ثلاث ركائز مهمة حضر فيها الجانب الاقتصادي والرياضي والتقني.

وأوضح رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم آنذاك، أن “كرة القدم رياضة عالمية ودامجة. وبعيدا عن أبعادها الرمزية، تشكل هذه الاتفاقية (مارشال) خطوة أولى نحو إقلاع كرة القدم النسوية المغربية وازدهارها؛ إذ من شأنها أن تفتح أمام لاعباتنا آفاق الطموح لبلوغ أعلى مستويات التنافسية على الصعيدين الإفريقي والدولي”.

وبعد هذه العناية بكرة القدم، بدأت تظهر أسماء نسائية لتخط اسمها في مجال كرة القدم.

وشكل مونديال قطر 2022 تحولا عميقا في البنية الرياضية المغربية وفي البنية المجتمعية، حيث أكدت الصحافية الرياضية هند شمراق، في تصريح لـ”العمق”، أن إنجاز أسود الأطلس في قطر جعل كل المغاربة يقفون أمام الشاشة منبهرين، مضيفة أنه مع وصول المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم، وإقصاء منتخبات كبرى، “أصبحت القضية الكروية قضية وطنية”.

وأضافت المتحدثة أن المرأة المغربية وجدت في المنتخب قصة فخر رياضي مشترك، فصارت تتابع وتشجع لأنها تحس بأنها جزء من النجاح، “حيث إنها كانت في بادئ الأمر تتابع برفقة أبنائها وزوجها، لأنها كانت مجبرة، قبل أن تجد في ذلك متعة غريبة”.

وجاء اهتمام المرأة المغربية بكرة القدم نتيجة تراكم عوامل اجتماعية وثقافية ورياضية، حولت هذه اللعبة إلى فضاء جامع. وتوضح شمراق أن النساء استطعن فرض حضورهن في مجال ظل لعقود حكرا على الرجال، من خلال التجمعات العائلية و”سهرات الأصحاب” في المقاهي والبيوت والساحات، حيث لم يعد دورهن يقتصر على التشجيع، بل أصبحن يشاركن في النقاش، ويحللن المباريات، ويحتفلن بالأهداف، ويتابعن البرامج الرياضية، بعدما وفرت لهن كرة القدم مساحة جديدة للتعبير والانخراط في الشأن الرياضي.

أبعاد وعوامل نفسية

لاهتمام النساء بكرة القدم بهذا الشكل أيضا دوافع نفسية، وهو ما أشار إليه الباحث في الاحتراق النفسي والذكاء الوجداني، عبد الرحيم بونعيسات، قائلا إن هذا التحول في الاهتمام ليس مجرد طفرة سلوكية عابرة، بل هو انعكاس لـ”إعادة هيكلة وجدانية” في البنية النفسية المجتمعية.

وأضاف بونعيسات، في تصريح لـ”العمق”: “يعتبر تاريخيا أنه ساد نوع من الحتمية البيولوجية الثقافية التي حصرت الانفعالات الحماسية لبعض الرياضات في القالب الذكوري”، واستدرك بأن المجتمع المعاصر يشهد ما يمكن تسميته بـ”تحرير الرغبة الانفعالية المشتركة”، من منظور علم الأعصاب الإدراكي لدى أنطونيو دامازيو.

واعتبر المتحدث أن خروج المرأة إلى الفضاء التشجيعي يعبر عن كسر “الوسم الاجتماعي” القديم، واستبداله بمنظومة قيمية تسمح بالتعبير الانفعالي الجمعي دون قيود جندرية. واعتبر أن هذا التحول هو ما جعل الملعب يتحول من حيز جغرافي ذكوري إلى فضاء رمزي مشترك يعزز الانتماء والمواطنة السيكولوجية، حيث لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أداة لإنتاج وتفريغ الشحنات الوجدانية التي يتطلبها التوازن النفسي المجتمعي الحديث.

ويؤكد الباحث أن هذا الاهتمام بكرة القدم يحدث لدى النساء أثرا عميقا في البناء النفسي وتطوير الكفايات السلوكية، مستندا في تحليله إلى أدبيات دانييل غولمان حول الذكاء الوجداني، حيث اعتبر أن الانخراط في المشهد الرياضي، سواء كمشاهدة تفاعلية أو ممارسة، ينمي مهارات الوعي الذاتي بالانفعالات وتوجيهها.

واسترسل: “حيث تتيح ديناميات كرة القدم للمرأة آلية سيكولوجية لـ”التسامي الإيجابي” وتفريغ الضغوط النفسية والمهنية الناتجة عن تعقد الحياة المعاصرة، مما يسهم في الوقاية من الاحتراق النفسي”، وأكد أن عيش تجارب النصر والهزيمة جماعيا يطور ما يصفه غولمان بـ”التعاطف الوجداني والمهارات الاجتماعية”، حيث تخلق هذه الأنشطة فضاء لتأكيد الذات وتفكيك الصور النمطية السلبية حول الكفاءة البدنية والاهتمامات الجندرية.

هذا التحول السيكولوجي، يضيف المتحدث، لا يقف عند حدود الاستهلاك البصري للمباريات، بل يدفع بالضرورة نحو مأسسة اهتمامات رياضية جديدة للمرأة، تتجاوز الأنماط الرياضية التقليدية السائدة، نحو رياضات تنافسية جماعية تعزز منسوب الثقة بالجسد والقدرة على القيادة والعمل الشبكي داخل المجتمع.

وهو الأمر ذاته الذي أكدته هند شمراق، معتبرة أن الصورة تغيرت اليوم، حيث أصبحت النساء يشتغلن صحفيات رياضيات، ومحللات، ومشجعات، وصوتهن عال في الملاعب وعلى السوشيال ميديا”، مؤكدة أن ظهور المرأة في كرة القدم كسر فكرة أن التشجيع حكر على الرجال، كما كسرتها النساء في عدة مجالات.