منتدى العمق

الــــمَــــقَامَــةُ الْفَـــخْرِيّةُ

حدّثنا جعفرٌ فقال: ولما انتهتْ في المغربِ أحداثُ الكأسِ السّمراءِ، المقامة في أرض الرباط وسوس وفاس وطنجيس والمدينة الحمراء، تصاعدت في ليلة العرسِ أنفاسُ الحقادِ وتعالت صيحاتُ الحساد، متغنية بخسارة مغربنا لأغلى الكؤوس، فابتهجت النفوس، وانتشرت المدونات كأنها الطروس، وتضعضع قلب المغاربة الميؤوس، وتألمت الرؤوس، وبعدها سمرتُ مفزوع الحال، ومفجوع البال، متحسرا على سوء المآل، وجلستُ بُعَيدَها أوزع في الغرفة أنظاري، وأتأمل غرائب أفكاري، فقلتُ: لم ساءت نية التيجان، وتنفست أنوفهم علات الزنج الغربان؟ وبدت فيهم نوايا التحاقد وأسروا النجوى والتعاند، وأمكروا فتعسرت أحوالهم، وانمسخت أفراحهم، وبحثا عن أفضل الإجابات اِطَلعْتُ على أنفس المصنفات، فتصفحت كتاب الحيوان وقرأتُ مساوئ البيضان والسّودان، وتحسستُ بأن جسدي مهدود وأن العقل من شدة الحزن مكدود، فدعوت الخالق ذي الكرم والجود أن يحسّن من أخلاق السود، وأن يروي قلوبهم بالمكارم والنسائم، ويزكي نفوسهم بالنعائم، فطال بي الليل والسمر إلى انتهاء ضوء السحر والقمر، فبزغت شمس الصباح، متعظا بالكلام المباح، وراجيا للمغرب النجاح والفلاح، وداعيا للمغرب الكبير بالصلح والاستصلاح.

ومضت أيام الله بعونه وأفضاله، وصلى الله على أنبيائه ونعمائه وكرمائه، وبارك في أوليائه وحكمائه، وأمتعنا بدوام نعمه، واستمرار منه وكرمه، وفضله وأمله، وهو المانح لسلطان المغرب مفاتح التدبير، ودهاء التسيير، ومحامد حُسن البلاغة والفصاحة والبراعة في القول والتعبير، حيث تجاوز عن السود فتنة الكأس، ورفض رد السيئة بالبأس وحمل الفأس، واغتفر لهم الكبوة وتجاوز عنهم مباغض الهفوة، على الرغم من شدة المصاعب، ومواصلة الكارهين في خلق المتاعب، وهذا خليق بأن يرفل بثياب عظائم الفخر على ما أظهره وجاوزه وتعداه، وأن يرفعه إلى قدر العارفين وعلو النجوم والكواكب على ما ترجاه وما نواه، في إصابته الغرض ونيله القصد المفترض، فقد سدّ الخلل وغفر الزلل، وأنقذ إفريقيا من الوحل، وأمدّ إلى الجار العنيد يد الصلح والوصال، وباشر في مراسمه باستمرار نيّة التواصل والإيصال، ونسأله الإعانة والإشادة، والمباركة والإفادة، ونفع به الله العباد والبلاد، فما أعظم محاسن مراسمه، ومباهج مشاهده، ومقامات مواسمه ومنازل أيامه وأَجْللْ بحكمة مواقفه، وعظمة ذخائره في حديثه وصمته، ويا أيها المغربي إن كان الإعلامُ قد أضلك وشيطان الشهوة قد استزلك، فلا تتبع قبح ظلك وسوء غيك، وجهالة رأيك، وقباحة سعيك، وكن بهذه المملكة مفاخرا، وللأعداء بحسن الخلق مناظرا، فدع عنك شبهات الحاسدين، وزلات الحاقدين، وخساسة المضللين، وحقارة الحانقين، وغباوة المؤثرين الضالين، وتعاسة الراغبين في زرع الاحتقان، وإشعال الفتنة والافتتان، «فسل أرض المغرب من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا».

وبعد وَقْعةِ القارة السمراء، ووِقْعَةِ النزلاء الغرباء، كانت الحجة متّضحة، والشبهة مفتضحة، فقرر الطاس إعادة الكاس إلى الرباط وفاس، وتلاشت أحلام السنغال في نيل مطلبهم، وافتضح كيدهم ومنزعهم، وضاعت هيبتهم بإقرار الانسحاب، فمرّ عندهم اللقب كمرّ السّحاب، قابضين على وهم السراب، وسقطوا في فخ مصايدهم، وتكبدوا سوء حيلهم ومكايدهم، فأحرقهم الغرور، وأعطبهم السرور، فبدت ألسنتهم تخرج اللهب، كأن أفواههم حمّالة الحطب، ويروغون كما يروغ الثعلب، وفي أنيابهم العطب، وتلاشت الشائعات، وسكت أبناء الرائعات، وارتدى مغرب الفخر لباس الافتخار وجنّب نفسه عيوب الاغترار، فحمل إلى أمريكا راية المجد، وإلى المكسيك وفاء الفرح والسعد، راغبا في تمثيل إفريقيا والعرب في تلك الآفاق الغريبة والديار العجيبة، فدقت أوتار الفرح وامتلأ محيا المغاربة برنات المرح، وانتهضت همم الجماهير المائجة وكبرت مطامح اللاعبين الهائجة، بصعود أفضل قمم الجبال ومواجهة المصاعب بالمقاومة والنضال، وقد حملت إلى أمريكا أسفاري، وأخذت معي أحمالي، وكتمت عن داري غرض إبحاري، فبكرت وقت السحر، وتركتُ لحبيبتي كلاما يذيب الصخر والجحر، شذبته بالعبارات الرائعة، وجنبته التكرارات المائعة، ونمقته بالكلمات الرائقة والجمل الشائقة، وأودعت الرسالة بعض الطرف اللطيفة والدرر الشريفة والأمثال الظريفة، ولا يليق بمحاسن معشوقتي إلا إحسان الوداع، لأجنبها ألم السؤال والصداع، وأدِم أيها القارئ النصح لأهلك، وارضَ بانتهاء أملك، وتصريف الله لقدرك، وأنذر عشيرتك الأقربين، واحذر غدر المقربين، وهذا كلامي المكنون، الذي نثرته بجواهر البلاغة والفنون، وخرجت من بلادي على غير اختيار فأدركني الليل الدامس في تلك الديار، فكأنها المرأة الحسناء في قدها وشوانفها، والسيدة الورقاء في مدائنها، ولها من العيون الغامزة خبايا التقدم الرامزة، وفي حواضر أمريكا ما يبهرك ويلهيك، خلافا لما تراه في كندا والمكسيك، وأظهر المغاربة في خلقهم محاسن الفضلاء، وقيم مكارم الأولياء، وقد زهت بحضورهم الكأس الصفراء وعلت بنسائمهم الراية الحمراء، وازدهت الراية الخضراء، فاحمدوا الله أيها المغاربة على آلائه، وسَلُوه المزيد من نَعمائه، فالمنتخب قد صال وجال، وحقق المنوال، فعلى الرغم من رحيل وليد، فقد خلّفه وهبي أسد جديد، وكيف لا يكون وقد قال الشاعر:

لو كان في الألف منّا واحد فدعوا … من فارس خالهم إيّاه يعنونا
وليس يذهب منّا سيّد أبدا … إلّا افتلينا غلاما سيّدا فينا

وجلب وهبي الفخر لمملكة الأولياء الصالحين، وصنع المجد بقوة وشراسة أبنائه اللاعبين، وقد سطعت بهم أشمس الأفراح ونال بهم الشعب السعد والامتراح، وقد عبرتم إلى أفضل المراتب، وقارعتم العدى وتجاوزتم العواقب، فأطربتم بالكرة الأسماع، وشافيتم بعزيمتكم الأوجاع، وحضرتني وأنا أشاهد علو كعبكم واستمرار رعبكم، قول القالي في أماليه:

أولئك قوم شيد اللَّه فخرهم … فما فوقه فخر وإن عظم الفخر
أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه … فأيديهم بيض وأوجههم زهر
يصونون أحسابا ومجدا مؤثلا … ببذل أكف دونها المزن والبحر
سموا فِي المعالى رتبةً فوق رتبةٍ … أحلتهم حيث النعائم والنسر
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت … لنورهم الشمس المنيرة والبدر
فلو لامس لهم الصخر الأصم أكفهم … لفضت ينابيع الندى ذَلِكَ الصخر
ولو كَانَ فِي الأرض البسيطة منهم … لمختبط عاف لما عرف الفقر
شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم … وما ضاع معروف يكافئه شكر