وجهة نظر

لماذا يُقاس نجاح البادية بمسطرة المدينة؟

في كل مرة تُعقد فيها ندوة حول “تقييم الأداء الجمعوي” ببلادنا، تتصدر تجارب المدن الكبرى لائحة “النماذج الناجحة”، بينما تغيب تجارب البوادي إلا كهوامش أو استثناءات. والسؤال الذي نادراً ما يُطرح بجدية هو: هل العمل الجمعوي في البادية أضعف فعلاً، أم أننا نقيسه بمسطرة صُنعت لقياس شيء آخر؟

مفارقة الحضور والغياب

الملاحظ أن الجمعيات الحضرية تحظى بظهور إعلامي أوسع، وتمويلات أكثر انتظاماً، وشراكات مؤسساتية أيسر. في المقابل، تبقى جمعيات البادية أقل حضوراً في التقارير الرسمية ووسائل الإعلام، رغم أنها كثيراً ما تتحمل أعباء لا تتحملها نظيراتها الحضرية: توفير الماء، دعم التمدرس، سد فراغ صحي أو اجتماعي كامل في غياب شبه تام للدولة.

هذه المفارقة تستحق وقفة: كيف يمكن لجمعية تسد فراغاً بهذا الحجم أن تظهر “أقل نجاحاً” من جمعية حضرية تنظم نشاطاً ثقافياً محدود الأثر؟

الفرضية الخاطئة: غياب الكفاءات

التفسير الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو أن الكفاءات تتركز في المدن وتغيب عن البادية. هذا تفسير مريح لكنه غير دقيق. الطاقات البشرية والإرادة موجودة في القرى بالقدر نفسه، غير أنها تُستنزف في تجاوز عوائق بسيطة يعتبرها الفاعل الحضري من البديهيات: تنقل يستغرق ساعات، انقطاع الاتصال، غياب مقرات مجهزة، صعوبة عقد اجتماع بسيط يجمع الأعضاء المشتتين على مسافات شاسعة.

بعبارة أخرى، المشكلة ليست في الكفاءة، بل في الشروط التي تسمح لهذه الكفاءة بالتحول إلى أثر مرئي.

الفرضية الأعمق: من يملك سلطة تعريف “النجاح”؟

الأعمق من ذلك أن معايير التمويل والتقييم نفسها مصممة بمنطق حضري: تقارير مالية مفصلة، حكامة إدارية معقدة، خبرة في كتابة المشاريع بلغة “المانحين”. جمعيات كثيرة في البادية تملك أثراً ميدانياً حقيقياً، لكنها تُقصى من الدعم لأنها لا تتقن “التسويق الإداري” لهذا الأثر، لا لأن أثرها أقل قيمة.

ويضاف إلى ذلك بعد آخر لا يقل أهمية: القرب من فرص التكوين وبناء القدرات. الدورات التكوينية التي تنظمها الدولة والقطاعات العمومية، وكذا المؤسسات الأجنبية والمنظمات الدولية، تتركز غالباً في المدن الكبرى، وتستفيد منها الجمعيات الحضرية بانتظام. هذه التكوينات ليست تفصيلاً شكلياً، بل هي ما يمنح الفاعل الجمعوي مهارة صياغة المشاريع، وإتقان لغة “المانحين”، ومعرفة الشروط الدقيقة لكل تمويل. غياب هذا القرب عن الجمعيات القروية لا يعني غياب الكفاءة، بل غياب الفرصة لصقلها وتحويلها إلى ملفات تنافسية.

ثمة مثال أكثر مباشرة يختصر هذا الإجحاف: تشترط الدولة على الجمعيات، لتستفيد من الدعم العمومي، فتح حساب بنكي لدى الخزينة العامة. في كثير من الأقاليم، لا توجد خزينة عامة إلا في المدينة الرئيسية للإقليم. فحين تكون الجمعية في قرية نائية، يعني ذلك قطع مئات الكيلومترات – أحياناً أكثر من 200 كلم ذهاباً وإياباً – لمجرد فتح حساب أو استخراج وثيقة بنكية بسيطة، بينما تُنجز الجمعية الحضرية الإجراء نفسه في دقائق. هذا ليس تفاوتاً في الكفاءة أو الإرادة، بل شرط إداري واحد يتحول عملياً إلى امتياز جغرافي صرف.

النتيجة أن النجاح الحضري يبدو “أكبر” لأنه ببساطة “أكثر وضوحاً” وأكثر إتقاناً في الشكل، وفق أدوات قياس صُنعت في المدينة، لا لأنه أعمق فعلاً.

شهادة من الميدان

كرئيس لجمعية تعمل في قرى نائية بإقليم زاكورة، عشتُ هذه المفارقة عن قرب: مشاريع تربوية واجتماعية أنجزناها بموارد محدودة جداً، وبتعبئة محلية صرفة، دون أن تحظى بنفس الظهور الذي تحظى به مبادرات مماثلة في المدن، رغم أن أثرها المباشر على حياة الأسر كان أعمق بكثير من مجرد نشاط عابر.

ولعل المثال الأوضح على هذا الإجحاف ما عشناه شخصياً أكثر من مرة: لمجرد فتح حساب بنكي بالخزينة العامة أو استخراج وثيقة بنكية بسيطة، كنا مضطرين لقطع أزيد من 200 كلم ذهاباً وإياباً إلى مدينة ورزازات، أقرب مدينة تتوفر فيها هذه الخزينة، بينما تُنجز جمعية حضرية الإجراء نفسه في دقائق معدودة. هذا ليس تفصيلاً إدارياً عابراً، بل عبء حقيقي يستنزف الوقت والموارد التي كان يمكن توجيهها مباشرة إلى المستفيدين.

خلاصة عملية

الخروج من هذا الإشكال لا يكون بجلد الذات أو انتظار “تغيير العقليات” في البادية، بل بمراجعة معايير التمويل والتقييم نفسها لتراعي خصوصية العمل القروي: آليات دعم إداري مبسطة ومتنقلة تواكب الجمعيات القروية في التوثيق والتقارير، بدل مطالبتها بالتكيف وحدها مع معايير صُممت أصلاً لسياق مختلف تماماً عن سياقها.

فالسؤال ليس: لماذا تفشل البادية؟ بل: لماذا نقيس نجاحها بمسطرة لم تُصنع لها؟