منتدى العمق

نحو إعداد مجالي متوازن للمجالات الريفية والقرى والجبال والبوادي بالمغرب

يشكل المجال القروي بالمغرب، بما يضمه من قرى وجبال وبوادٍ، ركيزة أساسية في البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للبلاد. فهو يحتضن جزءًا مهمًا من السكان، ويعد مصدرًا رئيسيًا للإنتاج الفلاحي والمحافظة على الموارد الطبيعية والتراث الثقافي. غير أن هذا المجال ظل، عبر عدة عقود، يعاني من تفاوتات مجالية واضحة مقارنة بالمدن، وهو ما يستدعي اعتماد رؤية تنموية شاملة تقوم على العدالة المجالية والإنصاف الترابي، وتضمن لجميع المواطنين الحق في الولوج إلى الخدمات الأساسية والعيش الكريم.

وتبين المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن الوسط القروي لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بالدخل، وفرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، والبنيات التحتية، رغم ما تحقق من تقدم في تعميم الكهرباء القروية، وتوسيع شبكات الماء الصالح للشرب، وإنجاز الطرق والمسالك القروية في إطار برامج وطنية متعددة. وتؤكد هذه المعطيات أن تقليص الفوارق المجالية يتطلب مواصلة الاستثمار العمومي والرفع من فعالية الحكامة الترابية.

ومن منظور الجغرافية البشرية، فإن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل بقدرة المجال على توفير ظروف العيش الكريم لسكانه، وتمكينهم من التعليم، والصحة، والشغل، والتنقل، والمشاركة في اتخاذ القرار. لذلك فإن إعداد المجالات الريفية ينبغي أن يقوم على تخطيط علمي يراعي الخصوصيات الطبيعية والبشرية والاقتصادية لكل منطقة، ويستثمر مؤهلاتها المحلية بدل الاقتصار على حلول موحدة.
ويعد تطوير البنيات الأساسية من أهم أولويات التنمية القروية، وذلك من خلال بناء مدارس حديثة، وتجهيز المؤسسات التعليمية، والحد من الهدر المدرسي إلى جانب إنشاء مراكز صحية ومستوصفات مجهزة بالأطر الطبية والأدوية الضرورية، وتعبيد الطرق والمسالك، وبناء القناطر، وتحسين وسائل النقل العمومي، بما يضمن فك العزلة عن الدواوير والمناطق الجبلية.

كما أن التنمية الاقتصادية تقتضي دعم الفلاحين الصغار والمنتجين المحليين عبر تسهيل الولوج إلى التمويل، وتوفير المواكبة التقنية، وتشجيع التعاونيات، وتثمين المنتجات المحلية، وتحسين ظروف التسويق، بما يساهم في رفع الدخل وخلق فرص الشغل والحد من الهجرة القروية نحو المدن أو الخارج. ويظل تطوير الاقتصاد القروي أحد أهم الشروط لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والحفاظ على التوازن الديمغرافي بين مختلف المجالات الترابية.

وفي المجال الاجتماعي، تبرز الحاجة إلى توسيع برامج الدعم الاجتماعي، وتحسين الولوج إلى السكن اللائق، والماء الصالح للشرب، والكهرباء، والإنترنت، والأنشطة الثقافية والرياضية، مع توفير منح دراسية وتحفيزات للتلاميذ والطلبة المنحدرين من الأسر محدودة الدخل، حتى يتمكنوا من استكمال مسارهم الدراسي والمساهمة مستقبلاً في تنمية مناطقهم.

أما على المستوى الأمني، فإن ترسيخ الأمن بالمجالات القروية يشكل ركيزة أساسية للتنمية، من خلال حماية المواطنين وممتلكاتهم، والتصدي لسرقة المواشي والاعتداءات المختلفة، وتطبيق القانون على الجميع، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويشجع على الاستثمار والاستقرار.

وفي الوقت نفسه، ينبغي تكثيف الجهود للوقاية من أخطار المخدرات والمسكرات والاتجار غير المشروع بها، عبر الجمع بين المقاربة الأمنية والتوعية التربوية والدينية والثقافية، حفاظًا على صحة الشباب واستقرار الأسر والمجتمع.

كما أن تنظيم القوافل الطبية، والحملات الصحية، وبرامج الكشف المبكر عن الأمراض، يمثل آلية مهمة لتقريب الخدمات الصحية من السكان، خاصة في المناطق الجبلية والنائية، إلى جانب دعم المبادرات المدنية والجمعوية الرامية إلى تقديم المساعدات الإنسانية للأسر الهشة، وتوفير الملابس واللوازم المدرسية والمواد الغذائية للفئات المحتاجة في إطار من التضامن والتكافل.

ومن جهة أخرى، فإن الانتخابات الجماعية المقبلة تمثل فرصة لتجديد النخب المحلية واختيار كفاءات تتمتع بالنزاهة والكفاءة وروح المسؤولية، قادرة على إعداد برامج واقعية، وحسن تدبير الموارد العمومية، والترافع عن حاجيات الساكنة، وتنزيل مشاريع تنموية تستجيب لأولويات كل جماعة ترابية وفق مقاربة تشاركية.

إن تحقيق العدالة المجالية بين المدن والقرى والجبال والبوادي ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل هو خيار استراتيجي لضمان التنمية المستدامة وتعزيز التماسك الوطني. فكلما تقلصت الفوارق في الولوج إلى الخدمات الأساسية، وتحسنت جودة الحياة بالمجال القروي، ازدادت قدرة المغرب على تحقيق تنمية متوازنة تشمل جميع المواطنين دون تمييز.

ويبقى الاستثمار في الإنسان القروي، وتأهيل المجال الذي يعيش فيه، وتثمين موارده الطبيعية والبشرية، من أنجع السبل لبناء مغرب أكثر عدلاً وازدهارًا، يكون فيه لكل مواطن، أينما كان، الحق في التعليم الجيد، والرعاية الصحية، والشغل الكريم، والأمن، والبنية التحتية، والمشاركة في صناعة مستقبل وطنه.