أكتب هذه الكلمات، ولا أدري أيهما يسبق الآخر إلى الورق: مداد القلم أم دموع القلب. فما زالت صافرة النهاية ترن في أذني، وما زالت صورة الحلم وهو يتهاوى أمام عيني تمحوها عَبْــرَة ، ثم تعيد رسمها أخرى. كنت أُمَنّي النفس بأن تمتد الحكاية قليلًا ، وأن يواصل أسود الأطلس رحلتهم نحو المجد ، فإذا بالحلم يتوقف عند العتبة ذاتها (فرنسا مرة أخرى) ، ويعود السؤال القديم بثوب جديد، وتعود الغصة نفسها لتسكن الصدور. ليست الدموع هنا حزنًا على مباراة ضاعت ، ولا أسفًا على نتيجة عابرة ، بل هي دموع حلمٍ كان قاب قوسين من أن يعانق التاريخ ، فإذا به يعود محمولًا على أكتاف الأمــل المؤجل.
ومع ذلك، فإن الأوطان التي تريد أن تنتصر لا تكتفي بالبكاء على أطلال الأحلام ، بل تجعل من كل دمعة حبرًا للمراجعة ، ومن كل خسارة بدايةً لفهم أعمق. فحين تتكرر الهزيمة أمام المنافس نفسه ، لا يعود السؤال: لماذا خسرنا ؟ بل يصبح: ماذا لم نتعلم بعد ؟ ومن هنا تبدأ هذه القراءة ، لا لتجلد منتخبًا أمتعنا، ولا لتطفئ جذوة الحلم ، بل لتبحث في المعنى الكامن وراء تكرار الإخفاق ، ولتقرأ ما تقوله الهزيمة حين نصغي إليها بعقلٍ يراجع، وقلبٍ ما زال يؤمن بأن القادم أجمـــل!
وليس مؤلمًا أن تخسر مباراة ، فالهزيمة جزء من منطق الرياضة ، لكنها تصبح أكثر إيلامًا حين تتكرر أمام المنافس نفسه ، وبالنتيجة عينها ، وبالسيناريو ذاته، فتغدو النتيجة سؤالًا أكبر من لوحة الأهداف ، وسرديةً تتجاوز المستطيل الأخضر إلى بنية التفكير، وإدارة المنافسة، وحدود الطموح. عندها لا تعود الهزيمة مجرد عثرة في طريق الإنجاز، بل تتحول إلى مرآة تعكس ما نملك من قوة ، وما نخفيه من نقاط ضعف ، وما ينبغي أن نتعلمه قبل أن نحتفل بما أنجزناه.
حين خرج المنتخب المغربي أمام فرنسا في نصف نهائي كأس العالم 2022، بدا الأمر طبيعيًا في نظر كثيرين ؛ فالمغرب كان يكتب صفحة تاريخية غير مسبوقة ، وأصبح أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ المربع الذهبي . كانت الهزيمة ، رغم مرارتها ، محاطة بهالة الإنجاز، ولذلك غلب عليها منطق الفخر أكثر من منطق النقد. لكن تكرار الإقصاء أمام المنافس نفسه في كأس العالم 2026، وهذه المرة من ربع النهائي، يمنح المشهد دلالة مختلفة . فالتاريخ لا يكرر نفسه عبثًا ، بل يعيد طرح الأسئلة التي لم نجب عنها في المرة الأولى . وإذا كانت فرنسا قد نجحت مرة أخرى في تعطيل الحلم المغربي ، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا فازت فرنسا؟ بل: لماذا لم ينجح المغرب في تغيير معادلة المواجهة ؟
المنتخبات الكبرى لا تنتصر فقط بفضل جودة لاعبيها ، وإنما بفضل قدرتها على التعلم من الماضي . إنها تدخل كل مواجهة جديدة وهي تحمل ذاكرة تكتيكية ونفسية دقيقة ، تعرف نقاط قوتها ، وتعرف كذلك مواطن ضعف منافسيها . أما المنتخبات الطامحة ، فإنها كثيرًا ما تكتفي بالاحتفاء بالإنجاز السابق ، من دون أن تحوله إلى معرفة قابلة للتطوير . وهنا يكمن الفارق بين من يصنع التاريخ مرة ، ومن يحافظ على مكانه بين “الكبار” .
لقد أثبت المغرب خلال السنوات الأخيرة أنه يمتلك جيلًا استثنائيًا من اللاعبين ، وجهازًا فنيًا قادرًا على المنافسة ، وقاعدة جماهيرية تؤمن بالحلم حتى آخر دقيقة. غير أن كرة القدم الحديثة لا تعترف بالمواهب وحدها ، بل تقيس قوة المنتخبات بقدرتها على إدارة التفاصيل الصغيرة : سرعة اتخاذ القرار، والمرونة التكتيكية، وامتلاك الحلول البديلة ، والتحكم في الإيقاع النفسي للمباراة، والقدرة على قلب الموازين حين تسير الأحداث في غير صالحها.
إن تكرار الإخفاق أمام المنافس نفسه يفرض علينا الانتقال من ثقافة التبرير إلى ثقافة التحليل . فليس كل نقد تقليلًا من قيمة الإنجاز، وليس كل مساءلة جلدًا للذات . على العكس ، إن الأمم الرياضية الكبرى تبني نجاحاتها فوق مراجعات قاسية وصريحة، لأنها تدرك أن المجاملة قد ترفع المعنويات مؤقتًا ، لكنها لا تصنع الألقاب . ولعل أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي مشروع رياضي هو الاكتفاء بإعادة رواية الأمجاد الماضية، بينما يتقدم الآخرون بخطوات جديدة. فالتاريخ يمنح الاحترام، لكنه لا يمنح الفوز في المباراة المقبلة . وما حققه المنتخب المغربي في قطر سيظل مصدر اعتزاز دائم، لكنه لا يعفي من ضرورة تطوير أساليب اللعب، وتوسيع قاعدة التكوين ، والاستثمار في البحث العلمي الرياضي، وتحليل الأداء ، والإعداد الذهني، وصناعة البدائل في مختلف المراكز.
لقد تغير موقع المغرب في كرة القدم العالمية . لم يعد منتخبًا يفاجئ الكبار، بل أصبح منتخبًا يدخل البطولات وهو مرشح للمنافسة . وهذا التحول يفرض عقلية جديدة. فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بعدد مرات الوصول إلى الأدوار المتقدمة فقط ، وإنما بقدرتها على تجاوز العقد المتكررة ، وكسر الأنماط ، وتحويل الهزائم السابقة إلى وقود للانتصارات اللاحقة. ولذلك، فإن المواجهة المتكررة مع فرنسا ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها لعنة كروية ، بل فرصة معرفية . فالخصم الذي يهزمك مرتين يضع أمامك ملفًا مفتوحًا للدراسة، لا للتذمر. وفي الرياضة كما في الحياة ، لا يكون الخصم الحقيقي هو المنافس ، بل العجز عن التعلم من المنافس.
إن الجماهير المغربية، التي وقفت خلف منتخبها في السراء والضراء، تستحق مشروعًا رياضيًا لا يكتفي بصناعة اللحظات التاريخية ، بل يؤسس لاستدامة النجاح . فالمطلوب اليوم ليس البحث عن أعذار جديدة ، ولا صناعة أبطال من الهزيمة ، وإنما بناء منظومة تجعل الوصول إلى ربع النهائي أو نصف النهائي محطة عادية في مسار منتخب يعرف كيف ينافس على اللقب ، لا كيف يكتفي بالاقتراب منه . وفي الأخير، ليست الهزيمة هي التي تصنع الفارق بين الأمم الرياضية ، وإنما الطريقة التي تقرأ بها تلك الهزيمة. فهناك من يراها نهاية الحلم ، وهناك من يجعل منها بداية مشروع جديد . وبين الرؤيتين يولد المستقبل. وإذا أراد المغرب أن يخطو الخطوة الأخيرة نحو القمة ، فعليه أن يحول تكرار الإخفاق إلى تكرارٍ للتعلم والتكوين ، وأن يستبدل ذاكرة الخسارة بثقافة التطور، لأن الأمم التي تواجه الحقيقة بشجاعة هي وحدها القادرة على إعادة كتابة التاريخ ، لا بتمني الانتصار، بل بصناعة أسبابه.
كفى دموعًا… فقد أدت رسالتها، وحان للعيون أن تفتح نوافذها على المستقبل. فما خسره المغرب في مباراة، ربحه في مكانة، وما فقده في نتيجة، كسبه في احترام العالم. سيظل أسود الأطلس عنوانًا للشجاعة والإصرار، وسيظل الجمهور المغربي المثال الأبهى في الوفاء، يزرع الأمل في المدرجات كما يزرعه اللاعبون في المستطيل الأخضر. ولن ينسى التاريخ أن الرؤية الملكية جعلت من الرياضة رهانًا استراتيجيًا، وأن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أرست مشروعًا نقل الكرة المغربية إلى مصاف الكبار. غير أن الأمم العظيمة لا تكتفي بأن تُصفق لإنجازاتها، بل تمتلك شجاعة مساءلتها، ولا تسكن أمجاد الأمس، بل تصنع أمجاد الغد. والمطلوب اليوم أن يتحول هذا الإخفاق إلى مدرسة في التعلم ، وأن يصبح النقد ثقافة ، والتخطيط منهجًا، والتكوين استثمارًا ، والبحث العلمي رفيقًا، حتى لا يكون الوصول إلى الأدوار المتقدمة استثناءً، بل عادة، ولا يكون الحلم بالتتويج أمنية، بل مشروعًا وطنيًا.
ولا يفوتني أن أتوجه في ختام هذا المقال إلى جماهير المنتخب المغربي في كل بقاع العالم لأقول بملء فمي وفؤادي :ارفعوا رؤوسكم عاليًا، فأنتم لم تخسروا منتخبًا، بل رافقتم رجالًا قاتلوا حتى الرمق الأخير. حافظوا على إيمانكم، فالأحلام الكبيرة لا تموت بهزيمة، بل تكبر بالصبر، وتنضج بالمراجعة، وتزهر بالعمل. موعدنا ليس مع الحسرة، بل مع الأمل، وليس مع البكاء ، بل مع كأس نرفعها معًا على أرض المغرب في مونديال 2030.
إن كأس العالم 2030 يقترب، والمغرب لا يستعد لاستقبال العالم فحسب، بل يستعد ليقدم للعالم منتخبًا يعرف كيف ينافس حتى النفس الأخير، وكيف يحول شرف التنظيم إلى شرف التتويج . وعندما يلتفت التاريخ إلى هذه اللحظة ، نريده أن يكتبَ أن المغاربة لم يجعلوا من الهزيمة نهاية الحكاية ، بل جعلوا منها أول سطر في ملحمة الانتصار…
تعليقات الزوار
اكيد أكيد المنتخب المغربي أمام فرنسا: حكاية عقدة كروية ترفض الانفكاك، حيث تنتهي لغة المقاومة ويبدأ الاستسلام، تاركة خلفها مدرجات لا تنبض إلا بالخيبات، وقلوب مشجعين توشك على التوقف من فرط صدمات السكتات القلبية.