انتحار القيم
منتدى العمق

انتحار القيم

ابتسم لنا الحظ في منتصف العمر، فدخلنا نادي مالكي العقارات بانتهازنا فرصة اقتناء بيت فردي نصف جاهز راق لنا شكله وموقعه من أول نظرة، وكان ذلك تأسيسا على تصميم ورقي مدعم بمجسم ترويجي لا غير.

وفي اليوم الموعود، وبعد انتظار طويل وتضحيات مادية معتبرة وإجراءات إدارية متنوعة، استلمنا المفتاح ودخلنا بيت الأحلام دخولا رسميا لنكتشف بأن المسكن الافتراضي شيء والمسكن الواقعي شيء آخر، ولنستنتج على الفور كذلك بأن العقار في حاجة إلى ما يعادل ثمن امتلاكه على الأقل لكي يصبح قابلا للغاية التي بني من أجلها.

كان لا بد إذن من فتح ورش استكمال البناء بعدما أذنت لنا السلطات التعميرية بذلك… وهنا بدأت رحلة العبث الكبرى.

وهكذا، وعلى امتداد خمسة أشهر ونيف، رأيت بأم عيني القيم وهي تقبل على الانتحار الواحدة تلو الأخرى حتى خيل لي في مناسبات عدة بأنني بصدد متابعة فيلم وثائقي عن المافيات، وليس بصدد الإشراف على ورش عاد تحكمه برمجة والتزامات وشروط وحسابات عادية. لقد عاينت على امتداد هذه الفترة أصنافا متعددة ومتنوعة من الخبث البشري، والذي لا يجد تفسيره إلا في الجري المحموم وراء المال وبكل الأساليب الممكنة… بل وخبرت أيضا التجسيد الحي للمثل المغربي: “الماكلة فينا واللعنة فينا”.

لندشن الحكاية بالبناء الذي أوكلت إليه، ولمساعده الوحيد في البداية، مهمة تقسيم البناية من الداخل قبل التفرغ لمجموعة من الأشغال المتنوعة.

كان رجلا بسيطا وهادئا ومؤدبا ومنضبطا على العموم. سررت كثيرا بالتعامل معه في وقت من الأوقات، وشكرت صهري الذي لم يتردد في تزكيته وعد مناقبه بناء على تعامل سابق معه، إلا أنه مع مرور الأيام وتراكم اللبنات اتضح لي بأن له عشقا خاصا للجدران المائلة والزوايا الحادة والمنفرجة. نبهته إلى أخطائه غير ما مرة، إلا أنه كان دائما يواجه اتهاماتي بالتأكيد على أن حساباته لا تأتي من فراغ بل يمليها “الميزان”، وبأن “الميزان” لا يخطئ أبدا، وبأنه لو لم يكن متمكنا من قواعد حرفته ما كان ليحظى بشرف تشييد فيلا القطب الاقتصادي فلان أو منزل رجل السلطة علان. والحال أن البناية الآن تشوبها عيوب طفيفة عدة، منها ما يحمل توقيع المقاول الذي أنجز الأشغال الكبرى، ومنها ما يحمل توقيع صاحب التزكية المؤكدة والمناقب المتعددة.

وبعدما اتضح حجم الضغط الممارس على البناء الأول ومساعده تمت الاستعانة ببناء ثان.

ومباشرة بعد انخراط هذا الأخير بالورش تم تسجيل اختفاء الإسمنت بشكل غريب ويومي، لنستنتج في نهاية التحقيق بأن رجاله لم يقبلوا بالعمل لحسابنا من أجل الاسترزاق الحلال فقط، بل ومن أجل السرقة أيضا. لم يكن من مصلحتنا توجيه أصبع الاتهام لهم أو طردهم، واكتفينا بتشديد المراقبة على تحركاتهم إلى حين حلول موعد فك الارتباط بهم وانتقالهم السلس إلى ورش جديد.

وبمجرد ما انتهت عملية تقسيم المرافق دخل الرصاص على الخط.

دشن تعامله معنا بتحذيرنا -ربما على سبيل المزاح لا غير- من مغبة إصابتنا بمرض السكري إن نحن أسأنا تدبير الورش. كان دائم الابتسام وصاحب نكتة، وشهد له كل من تقاطع دربه بدربه بعلو كعبه في تخصصه. وفي النهاية كان لا بد من أداء ثمن نكاته وروحه المرحة وتفوقه المهني، إذ تمكن بأساليب ملتوية من إقناعنا بهزالة الأتعاب التي كانت موضوع اتفاقنا المبدئي، فاستخلص منا ألف درهم إضافية قبيل الوداع الأخير.

ومع وصول أشغال تكسية الجدران والأسقف إلى نهايتها أصبح في الإمكان استقبال مقاول الجبس وفريقه.

بدأ العمل بثلاثة عمال في اليوم الأول، وبمجرد ما استلم الدفعة الأولى من ثمن خدمته، وتأكده من استمرارية تعامله معنا، نقل عاملين اثنين إلى ورش آخر وترك بورشنا عاملا واحدا ظل عمله، ولأيام عديدة، يتقدم بسرعة السلحفاة. حاولت الاتصال به مرات عديدة لحثه على إيفاد تعزيزات بشرية للرفع من وتيرة إنجاز الزخارف المطلوبة لكن دون جدوى. فقد كان يشغل محموله أو يطفئه حسب ما تقتضيه مصلحته هو، وليس وفقا لما تقتضيه مصالح الزبناء.

ومباشرة بعد لملمة عامل الجبس لأدواته وإخلائه المكان انطلقت عملية وضع مربعات السيراميك.

كل شيء في الحرفي الجديد أعطاني الانطباع بأنني أمام رجل من طينة الرجال العظماء. فقد ذكرتني قوة شخصيته بالرئيس الإندونيسي الأسبق سوكارنو، وذكرتني جرأته بالمناضل الأمريكي اللاتيني تشي غيفارا، وذكرتني هيئته ونظرته وفصاحته بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، الذي سبق له أن خطب في الناس لمدة سبع ساعات متواصلة!!!!! اشتغل هو ورجاله بالجدية اللازمة خلال اليومين الأولين دون أن يطالب بأي شيء آخر غير المواد التي يتطلبها تخصصه. وفي منتصف اليوم الثالث طلب مني إمداده بخمسة آلاف درهم لحاجته الماسة إليها، مع اعتبارها الدفعة الأولى من أجره. استلم المبلغ المطلوب… وخرج ولم يعد إلى يومنا هذا.

كان لا بد إذن من ربط الاتصال بمتخصص بديل لإتمام ما بدأه “سوكارنو”. لم تكن المهمة بالبساطة التي تصورناها، خاصة وأن الأشغال تزامنت مع ارتفاع الطلب على كل المتدخلين في مجال البناء. وبعد بحث مضن أفلحنا في التعاقد شفويا مع عجوز كان ما يزال في كامل قواه الصحية، حتى وإن كان الشيب قد اشتعل بمجموع شعره.

بدا شيخنا وكأنه تجسيد حي للجدية والاحترافية. تصرف بشكل لائق وأدى دوره بشكل جعلني لا أفكر إطلاقا في التدخل في اختياراته وحساباته، إلا أنه بعد مغادرته للورش اكتشفنا بأن المنحنيات مفقودة بالمساحات التي تولى خدمتها بسطح البناية، مما يعني أن مياه الأمطار ستظل دائما راكدة بمكان تساقطها، وبأن الأضرار التي عادة ما تطال السقوف بفعل تراكم المياه آتية لا ريب فيها، وهذا أمر يعد من أبجديات المهنة، وإغفاله من قبل حرفي متمرس دليل قاطع على أن هذا الرجل -الذي كان يحرص دائما على أداء الصلوات في وقتها- تعمد إفساد جزء من عمله، وبالتالي تعمد أيضا إثارة حفيظتي.

وقد تزامنت عملية وضع الزليج في مراحلها الأخيرة مع التحاق نجار الخشب بالورش. لم يكن الرجل سوى أخ صديق لي، وعلى أساس هذه الصفة لم أجرؤ على التفاوض معه بشأن قيمة أتعابه حتى وإن بدت لي مرتفعة بعض الشيء.

كان منضبطا في عمله طالما أنا واقف بجانبه. اضطر في أكثر من مناسبة إلى ترقيع ما كان يفسده، إذ اتضح لي مباشرة بعد صناعته لأول إطار خشبي بأن النجارة بالنسبة له تختزل في دق المسامير فقط، أما الدقة الرياضية والإبداع الفني والاجتهاد المهني فهذه أمور ربما سمع عنها، لكنه لم يعرف لها طريقا أبدا. الأكثر من هذا وذاك أن تباطؤه في الوفاء بالتزاماته أثر سلبا على مستوى التنسيق بينه وبين العجوز، وخاصة على مستوى أشغال المطبخ.

انسحب نجار الخشب من الورش بعد لأي، ومباشرة بعد التشطيب على رقمه فتحنا الباب لنجار الألومنيوم حتى يتسنى له وضع بصمته.

احترم المواعيد المحددة على العموم، وأنجز عمله وفقا للمعايير المعمول بها في ميدانه، إلا أنه في الأخير كان علي أن أزوره مرارا وتكرارا بورشته لحثه -بأرقى الكلام وحتى بتقبيل رأسه على مرأى من عماله وزبنائه- على تسليمنا إطار ومصراعي آخر نافذة.

أما واضع الرخام فقد وعدني بإنجاز عمله في ظرف يومين، إلا أن “ظروفه” مدت اليومين إلى 20 يوما. علاوة على هذا، فقد غادر هو الآخر الورش دون إتمام مهمته ودون سابق إعلام، ما اضطرني إلى استئجار خدمات مهني آخر له نفس التخصص. رغم ذلك، لم يجد نصابنا أدنى حرج في البحث عني في كل مكان لمطالبتي ببقية مستحقاته.

ومع اقتراب مهمة تقني التكييف من نهايتها أدركت حجم التفاوتات الممكن تسجيلها بخصوص مستحقات الحرفيين المادية. فقد أحدث صاحبنا أربعة ثقوب في ظرف أقل من يومين، وتقاضى في مقابل ذلك أكثر مما تقاضاه الكهربائي على امتداد أربعة أشهر متقطعة. لم نفطن إلى هذه المقارنة العبثية إلا بعد صرف باقي أتعاب هذا الأخير.

تنفسنا الصعداء عندما بلغنا آخر حلقة في سلسلة الأشغال التكميلية، وأقصد بذلك مرحلة الصباغة.

كان المتخصص رجلا هادئا ومسالمًا، لكنه وجد صعوبة في التركيز على عمله، وظل شبه تائه بين حرفيين آخرين إلى أن جاءته فرصة العمل بورش آخر. آنذاك غادرنا هو أيضا دون إنهاء مهمته، وعندما طالبناه هاتفيا بالوفاء ببقية التزاماته قال لنا صراحة بأنه ليس بوسعه ترك “شغله” للتفرغ من جديد لـ”شغلنا”، وكان من “الطبيعي” أن يتصرف على هذا المنوال بما أنه كان قد استلم أجره كاملا غير منقوص.

أما حارس الورش، فيبدو أنه أقسم هو الآخر ألا يختلف سلوكه عن سلوك العمال و”المعلمين”… لكن بطريقته، بحيث إنه نادرا ما كان يرد على مكالماتي أو يقبل بالقيام بمهمة خارج الحراسة، كما أن الأوقات التي كان يقضيها بالمقاهي المجاورة أكبر بكثير من تلك التي كان يقضيها بالورش. كان يعلم أن وظيفته البسيطة هذه جد مؤقتة، وتنطوي على هشاشة بالغة بما أنها لن تؤهله أبدا لا لتأسيس أسرة ولا لتوفير تغطية صحية وحماية اجتماعية في المستوى، وربما لهذين السببين لم يجد داعيا للتحلي بالجدية.

في حين كان الأمر مختلفا تماما مع الحداد والكهربائي. نحن هنا أمام تلك الاستثناءات التي تؤكد القاعدة.

فقد قام الأول بواجبه على أحسن وجه، بل ومنحني أيضا تسهيلات مهمة في الأداء سأظل ممتنا له بها ما حييت. أما الثاني فقد أبان عن أخلاق مثالية وكفاءة عالية وقدرة كبيرة على تجاوز العقبات، كما أن تجربته المهنية الطويلة جعلته في وضع سمح له بإسداء النصح لي ليس فقط بشأن ما يتعلق بميدانه، بل وحتى بشأن ما يتعلق بالميادين الأخرى المرتبطة بالبناء. وإلى حدود الساعة فإن الشبكة الكهربائية الداخلية التي أقامها تعمل بشكل جيد، وأملي ألا تتعرض للانفجار في يوم من الأيام، فيعم الظلام وينطفئ آخر بصيص من “المعقول” في هذا الفصل من حياتي.

ومنذ إغلاق الورش وأنا أعيش على أمل واحد: نسيان ما حدث. للأسف، مجرد وجود رغبة من جانبي اليوم في تدوين جزء من تفاصيل هذه التجربة المريرة في مقال صحفي بعد انقضاء مدة طويلة على حصولها دليل على أن النسيان لم يحدث.

الخلاصة: إننا لا نحتاج فقط إلى من يضمن استمرار استقرارنا الأمني والسياسي ونمونا الاقتصادي وتقدمنا التكنولوجي، بل نحن في حاجة أيضا إلى من يعيد إلينا رصيدنا القيمي وتوازننا الأخلاقي وإشعاعنا الحضاري والإنساني حتى لا يتحول المجتمع إلى مرتع دائم للعبث ومستنبِت للحقد والحقد المضاد… وطبقة المتدخلين في مجال البناء ليست حتما استثناء وسط بحر الفساد الهائج، وسيكون بالتالي من الظلم وضعها وحدها في قفص الاتهام ونعتها بأقبح النعوت.

تعليقات الزوار