خارج الحدود

جدل حول “مئذنة” في إشبيلية: تعليق رخصة بناء المركز الإسلامي يثير مخاوف الجالية

قررت حكومة بلدية إشبيلية، نهاية الأسبوع الماضي، سحب البند المتعلق بمنح رخصة بناء المركز الثقافي الإسلامي في حي بوليغونو سور من جدول أعمال اللجنة التنفيذية للتعمير، وبررت البلدية هذه الخطوة بالحاجة إلى استكمال الملف بضمانات قانونية أكبر، في قرار اعتبره حزب «فوكس» انتصارًا سياسيًا، فيما دعت أبرشية إشبيلية إلى تحقيق التوازن بين حرية المعتقد واحترام القوانين المعمول بها.

وفي تطور جديد يزيد من الجدل بشأن إنشاء دور العبادة في المدينة، أوقفت بلدية إشبيلية، بشكل مؤقت، إجراءات الترخيص لمشروع المسجد المزمع تشييده في حي بوليغونو سور، بعدما سحبت من اجتماع اللجنة التنفيذية للتعمير البند المتعلق برخصة البناء التي تقدمت بها مؤسسة مسجد إشبيلية، وفقا لصحيفة “دياريو دي إشبيلية”.

تأجيل إداري لضمان السلامة القانونية

أكدت البلدية أن القرار لا يعني إلغاء المشروع بشكل نهائي، وإنما تأجيل البت فيه إلى حين استكمال الملف. وأوضحت مصادر بلدية أن الهدف هو الحصول على مزيد من التقارير الفنية والقانونية المتعلقة بالمشروع الجديد المزمع إنجازه في هذه المنطقة من المدينة.

وقال مفوض التعمير، خوان دي لا روزا، إن سحب الملف من جدول الأعمال جاء انطلاقًا من حرص الحكومة المحلية على التعامل مع القضية “بالجدية التي تستحقها”. وأضاف أن البلدية تحتاج إلى دراسة الملاحظات والاعتراضات التي قدمها حزب «فوكس»، وهو ما يستدعي الحصول على آراء تقنية إضافية قبل إعادة عرض الملف على الهيئات المختصة.

وأوضح المسؤول البلدي أن تأجيل مناقشة بعض الملفات من أجل دراستها بشكل أكثر تفصيلًا أمر معتاد في القضايا المعقدة، وأن الهدف الوحيد هو ضمان اتخاذ جميع الإجراءات وفقًا للقانون. كما أشار إلى أنه لم يتم تحديد موعد لإعادة إدراج الملف في جدول الأعمال، إذ سيعتمد ذلك على استلام التقارير المطلوبة ودراستها.

«فوكس» يرحب بالقرار ويحذر من “أسلمة الأحياء”

من جانبه، رحب حزب «فوكس» بالقرار، معتبرًا أنه استجابة لمطالبه القانونية. وأعرب المتحدث باسم الحزب في المجلس البلدي، غونزالو غارسيا دي بولافييخا، عن ارتياحه لما وصفه بتجاوب حكومة رئيس البلدية خوسيه لويس سانز مع “الشكوك القانونية” التي أثارها الحزب.

واعتبر بولافييخا أن تعليق المشروع يمثل خبرًا إيجابيًا لسكان إشبيلية، وخاصة القاطنين في الأحياء المجاورة مثل لا أوليفا، وتيرو دي لينيا، وبامي، ومحيط مستشفى فيرخين ديل روسيو. وأضاف أن “لا أحد يريد مسجدًا في بوليغونو سور”، داعيًا البلدية إلى إطلاق مشاورات حقيقية مع السكان لإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن موقفهم من المشروع.

ولم يقتصر خطاب الحزب على الجوانب القانونية، بل حمل أيضًا بعدًا أيديولوجيًا، إذ أكد أن «فوكس» “لن يسمح بأسلمة الأحياء”، واعتبر أن المركز الثقافي الإسلامي، الذي يتضمن مئذنة وصممه المهندس المعماري المعروف فاسكيث كونسوغرا، مشروع غير ضروري بالنسبة للمدينة.

ورأى الحزب أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة المشاكل الأساسية التي يعاني منها الحي، مثل إنجاز مشروع مترو الأنفاق، وتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية، وتحسين الخدمات الموجهة لكبار السن، إلى جانب تعزيز الأمن والنظافة وتوفير الخدمات العمومية الأساسية.

موقف الكنيسة: حرية دينية في إطار احترام القانون

وفي خضم هذا الجدل، قدم رئيس أساقفة إشبيلية، المونسنيور خوسيه أنخيل سايث مينيسيس، موقفًا يستند إلى المبادئ الدستورية والحقوق الأساسية.

وأكد رئيس الأساقفة أن أي نقاش حول المشروع الذي تتبناه مؤسسة مسجد إشبيلية يجب أن ينطلق من مبدأين أساسيين هما الحقوق والواجبات.

ودافع سايث مينيسيس عن حرية المعتقد، مستشهدًا بالمادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تكفل لكل شخص الحق في إظهار معتقده وممارسته علنًا أو سرًا من خلال العبادة والشعائر. كما أشار إلى أن المادة 16 من الدستور الإسباني تضمن الحرية الدينية للأفراد والجماعات، مع مراعاة الحفاظ على النظام العام، مستحضرًا كذلك إعلان “Dignitatis Humanae” الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني بشأن الحرية الدينية.

وفي المقابل، شدد رئيس الأساقفة على أن ممارسة الحقوق الأساسية يجب أن تقترن بالالتزام بالواجبات القانونية والإدارية، موضحًا أن حماية السلطات المدنية للحرية الدينية ينبغي أن تتم عبر “قوانين عادلة”، مع الالتزام بالتشريعات الوطنية والإقليمية والمحلية، واحترام الأنظمة البلدية المعمول بها في كل مدينة.

مستقبل غامض لمشروع فاسكيث كونسويغرا

ولا يُعد المشروع الذي جرى تعليق البت فيه مجرد مبنى عادي، بل يتعلق بمركز ثقافي إسلامي حظي باهتمام واسع لأنه يحمل توقيع المهندس المعماري الإسباني الشهير فاسكيث كونسويغرا، كما يتضمن مئذنة، وهو عنصر معماري أثار انتقادات من الجهات المعارضة للمشروع.

فبالنسبة إلى مؤسسة مسجد إشبيلية، يمثل المشروع محطة مهمة للجالية الإسلامية في المدينة، بينما يرى معارضوه أنه وُلد في ظل ما يصفونه بـ”غياب الشفافية”.

ومع تجميد رخصة البناء إلى حين استكمال التقارير الفنية والقانونية الجديدة، تدخل القضية مرحلة من الغموض، إذ سيكون على بلدية إشبيلية أن تحسم ما إذا كانت الحجج التقنية والقانونية التي قدمها حزب «فوكس» كافية لعرقلة المشروع بشكل نهائي، أم أن حق حرية العبادة، في إطار القوانين والضوابط العمرانية المعمول بها، سيكون هو العامل الحاسم في اتخاذ القرار.