وجهة نظر

سماسرة القضايا

أنتجت الحياة السياسية المغربية، خلال العقود الأخيرة، نمطا بشريا شديد الالتباس؛ نمطا يرتدي لغة المبدأ خلال لحظات التوتر والصراع، ثم يعيد تشكيل خطابه فور اقترابه من الامتياز والمؤسسة والاعتراف الخارجي. هذا النموذج يصنع موقفا سياسيا وصورة قابلة للتسويق، لذلك تتبدل مفرداته تبعا للممرات التي تعبر نحو النفوذ والشرعية الرمزية. وما يبدو في البداية دفاعا صلبا عن قضية، يتحول مع مرور الوقت إلى أداء استعراضي يقتات على الشعارات الكبرى ويقترب من مراكز التأثير الدولية بمرونة لافتة.

الذاكرة المغربية احتفظت طويلا بصورة المناضل المرتبط بالتضحية والصبر وقسوة المواجهة. أجيال كاملة كبرت على حكايات المعتقلات السياسية، والمنفى، وسنوات التضييق، والنقاشات الفكرية التي كانت تمنح للموقف السياسي قيمة أخلاقية تتجاوز الحسابات الشخصية. لذلك ترسخ في الوعي الجماعي تصور يربط النضال بالقدرة على تحمل الكلفة، ويربط الخطاب السياسي بالثبات أمام الإغراء والضغط.

غير أن التحولات التي عرفها المغرب منذ نهاية التسعينيات أفرزت طبقة جديدة من الفاعلين العموميين. طبقة تتقن لغة المنظمات الدولية أكثر من إتقانها للغة المجتمع، وتبحث عن الحضور الإعلامي أكثر من بحثها عن التأثير الحقيقي، وتمنح صورتها في الخارج عناية تفوق عنايتها بعمق الأفكار التي ترفعها. هذا التحول خلق مسافة واسعة بين الخطاب والممارسة. بعض الوجوه صارت تتعامل مع القضايا الوطنية باعتبارها وسيلة للتموقع داخل شبكات التمويل والهيئات الحقوقية والمنتديات العابرة للحدود.

والمفارقة أن أكثر الأصوات صخبا في هذا المشهد خرجت من رحم تيارات رفعت طويلا شعارات الخلاص النهائي؛ بعضها استعار قاموس الفضيلة المطلقة وربط السياسة بالوعظ الأخلاقي، وبعضها عاش سنوات طويلة أسير الحنين إلى الثورات المؤجلة والانقلابات الرومانسية، فيما اكتفى قسم ثالث بإعادة تدوير خطابات قومية خشبية فقدت صلتها بالواقع المغربي منذ زمن بعيد. هذه التيارات ورثت يقينا أيديولوجيا صلبا، لكنها عجزت عن إنتاج وعي سياسي ناضج، لذلك انتقلت بسهولة من ادعاء امتلاك الحقيقة إلى ممارسة الابتزاز الأخلاقي، ثم انتهت إلى الارتماء في أحضان أي جهة تمنحها فرصة البقاء تحت الضوء.

المعضلة  لا ترتبط بتغيير الرأي في ذاته؛ لأن المراجعة الفكرية تشكل علامة صحية في أي تجربة سياسية. الإشكال يبدأ مع التحول الانتهازي الذي يرافقه محو متعمد للماضي، وصناعة سردية جديدة تنكر التحالفات السابقة، وتعيد ترتيب الذاكرة وفق المصالح المستجدة. هذا السلوك يكشف طبيعة العلاقة التي تربط بعض النشطاء بالقضايا العامة؛ علاقة قائمة على الاستثمار الرمزي أكثر من الالتزام الأخلاقي. القضية تتحول إلى جسر عبور، والمنصب يتحول إلى غاية، أما الجماهير فتغدو مادة للاستعمال الخطابي.

الساحة المغربية قدمت خلال السنوات الأخيرة نماذج كثيرة لهذا التحول. شخصيات رفعت سقف الشعارات إلى حدود قصوى، ثم غيرت جلدها بسرعة مذهلة فور اقترابها من الامتياز والسفر والعلاقات الناعمة. بعضهم انتقل من خطاب التخوين والتصعيد إلى لغة دبلوماسية باردة، وبعضهم صار يتعامل مع ماضيه السياسي كما لو أنه عبء ثقيل ينبغي التخلص منه حتى ينسجم مع صورته الجديدة. هذه التحولات كشفت أن جزءا من الخطاب الراديكالي لم يكن نابعا من قناعة عميقة، وإنما من رغبة في صناعة حضور سريع داخل فضاء يعشق الضجيج.

ثمة جانب آخر أكثر حساسية. بعض الشخصيات بنت حضورها على صورة المتمرد الصلب الذي يتحدى السلطة والمجتمع والمؤسسات، غير أن أول اختبار فعلي كشف هشاشة هذه الصورة. لحظة المواجهة الحقيقية تفضح دائما الفارق بين من يحمل قناعة راسخة ومن يمارس دورا مسرحيا أمام الكاميرات. لذلك لا تمنح الشعارات أي قيمة أخلاقية تلقائية، ولا تمنح اللغة الثورية حصانة لصاحبها.

اللافت أن قطاعات واسعة من المغاربة صارت تنظر بريبة متزايدة إلى هذا النوع من “النضال”. المواطن الذي تابع سنوات من المزايدات والصراخ، ثم شاهد أصحابها ينتقلون بسرعة نحو حياة الامتياز والعلاقات الفاخرة، صار أكثر ميلا إلى تفسير السياسة بمنطق المنفعة وليس بمنطق القيم. لذلك اتسعت الهوة بين المجتمع وهذه النخب التي استهلكت لغة المبادئ حتى فقدت معناها.

الأزمة إذن لا تخص أفرادا بعينهم، وإنما تخص بنية كاملة تسمح بتحويل النضال إلى مهنة، وتحويل القضية إلى وسيلة صعود اجتماعي. لذلك تتراجع قيمة التضحية، وتتضخم قيمة الظهور، وتتحول اللغة الأخلاقية إلى قناع أنيق يغطي شبكة معقدة من المصالح والرغبات الشخصية. تحت هذا القناع يولد أخطر أنواع الانتهازية؛ انتهازية تتحدث باسم الشعب، ثم تبحث في النهاية عن مقعد مريح قرب الموائد الكبرى.