لم تكن هزيمة المنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي بهدفين دون مقابل، في مباراة ربع نهائي كأس العالم يوم الخميس 9 يوليوز 2026 التي أجريت على ملعب بوسطن في مدينة فوكسبورو بولاية ماساتشوستس الأميركية، هزيمة عادية يمكن اختصارها في تفوق مهاجم فرنسي، أو خطأ دفاعي مغربي، أو لحظة عبقرية أخرجها كيليان مبابي من قدمه؛ فقد كانت الهزيمة، في نظر كثير من المغاربة، مؤلمة في صورتها قبل أن تكون مؤلمة في نتيجتها، لأنها لم تُظهر ذلك المنتخب الذي عرفه الجمهور مقاتلًا، عنيدًا، شرسًا في الالتحامات، رافضًا للاستسلام، قادرًا على تحويل كل مباراة إلى معركة كروية تتطلب من الخصم أن يدفع ثمن كل متر يقطعه في الملعب.
لقد اعتاد المغاربة أن يروا أسود الأطلس وهم يقاتلون حتى الرمق الأخير، سواء فازوا أو انهزموا، ولذلك لم يكن السؤال الذي تردد بعد اللقاء هو: لماذا خسر المغرب أمام فرنسا؟ فالهزيمة أمام منتخب يمتلك مبابي وديمبيلي وأوليز وعددًا كبيرًا من اللاعبين العالميين ليست في حد ذاتها فضيحة، ولا تحمل بالضرورة أي معنى غامض. السؤال الحقيقي كان: لماذا خسر المغرب بتلك الطريقة؟
هنا تبدأ الحكاية، وهنا وُضعت علامة الاستفهام
فليس كل من يطرح سؤالًا مؤمنًا بالمؤامرة، وليس كل من يرفض الرواية السهلة متهمًا للاعبين بالخيانة، كما أن التفكير المنطقي لا يعني إطلاق الأحكام في الهواء. المحلل المدقق لا يقول إن المباراة بيعت لأنه شاهد تمريرة سيئة، ولا يتهم لاعبًا بالمساومة لأنه ابتسم بعد الإقصاء؛ لكنه في الوقت نفسه لا يغمض عينيه عن أداء غير مألوف، ولا يدفن ملاحظاته لمجرد أن إثارتها قد تزعج البعض.
المنهج السليم يقتضي أولًا تثبيت الملاحظة، ثم البحث في أسبابها الممكنة، ثم ترتيب الاحتمالات بحسب قوتها، مع الفصل بين ما هو ثابت، وما هو مرجح، وما هو مجرد فرضية تحتاج إلى دليل. وبموجب هذا المنهج، فإن الأدلة المتاحة تثبت تفوق فرنسا تكتيكيًا وفنيًا، وتثبت ضعف المغرب هجوميًا، وتكشف أخطاء واضحة في الخطة وفي إدارة المباراة، لكنها لا تثبت حتى الآن وجود بيع أو مساومة أو تدخل سياسي في النتيجة. ومع ذلك، تظل بعض التفاصيل جديرة بالتوقف والتأمل.
الأرقام لا تعرف المجاملة
عندما تضطرب الانطباعات وتتدخل العاطفة، تأتي الأرقام لتعيد النقاش إلى أرض الواقع. وقد كانت أرقام تلك المباراة قاسية على المنتخب المغربي إلى درجة لا تسمح بإخفاء حقيقة ما وقع.
دخلت فرنسا المباراة مهاجمة وضاغطة، بينما تراجع المغرب منذ البداية إلى مناطقه، وانتظر الهجمات الفرنسية الواحدة تلو الأخرى. وبحلول اللحظة التي نفذ فيها أشرف حكيمي الركلة الحرة المغربية في آخر أنفاس الشوط الأول، كانت فرنسا قد صنعت ثلاث عشرة محاولة، بينما لم يكن المغرب قد قدم أي تهديد حقيقي تقريبًا. أما أول تسديدة مغربية مؤطرة بين القائمين فلم تأتِ إلا في الدقيقة الرابعة والثمانين، أي بعد أن أصبحت النتيجة هدفين دون مقابل، وصار الوقت المتبقي عاجزًا تقريبًا عن إنقاذ المباراة.
وتكشف بيانات «أوبتا» أن فرنسا صنعت في الشوط الأول وحده فرصًا بلغت قيمتها المتوقعة 1.87 هدفًا، وهو أعلى رقم في البطولة لمنتخب أنهى الشوط من دون تسجيل. وقد تصدى ياسين بونو لضربة جزاء من مبابي، وأنقذ فرصًا أخرى، بينما ارتطمت تسديدة فرنسية قوية بالعارضة. وهذا يعني أن التعادل السلبي الذي استمر حتى الدقيقة الستين لم يكن دليلًا على توازن المباراة، وإنما كان نتيجة صمود بونو والدفاع المغربي أمام ضغط فرنسي متواصل.
إذن، عندما يقول المشاهد المغربي إنه شعر بأن منتخبه لم يكن حاضرًا هجوميًا، فإن شعوره لا يقوم على الخيال. فالمنتخب لم يتأخر في التسجيل فقط، وإنما تأخر في التسديد، وفي الوصول، وفي إزعاج الحارس الفرنسي، وفي إجبار الدفاع الفرنسي على التراجع أو التفكير مرتين قبل التقدم.
والدليل القاطع الذي نملكه هنا لا يثبت بيع المباراة، لكنه يثبت أن المنتخب المغربي لم يؤدِّ مباراة هجومية تليق بمباراة ربع نهائي كأس العالم. لقد حضر في الدفاع، وقاوم بونو، وركض بعض اللاعبين خلف الكرة، غير أن المغرب الذي يبني الهجمات، ويضرب المساحات، ويفرض شخصيته، ويجعل خصمه يشعر بالخطر، ظل غائبًا أغلب فترات اللقاء.
هل غابت الروح القتالية أم خُنقت داخل الخطة؟
قد يكون من السهل أن نصف ما حدث بأنه غياب للروح القتالية، غير أن التحليل الأدق يدفعنا إلى التمييز بين غياب الإرادة الفردية وبين عجز اللاعبين عن التعبير عنها داخل خطة شديدة التحفظ.
فاللاعب قد تكون لديه رغبة كبيرة في اللعب القتالي، لكنه عندما يوضع في منظومة لا تمنحه مخارج للكرة، ولا توفر له لاعبًا في الأمام يستطيع استقبال التمرير والمحافظة عليه، ولا تتيح للأجنحة التقدم، سيظهر كأنه مستسلم. وقد يركض طيلة المباراة، لكن ركضه سيكون إلى الوراء، وقد يبذل مجهودًا بدنيًا كبيرًا، لكن الجمهور لن يرَ منه سوى التراجع وانتظار الهجمة التالية.
بدأ المغرب المباراة وابراهيم دياز مهاجمًا وحيدًا، في وقت افتقد فيه المنتخب إسماعيل الصيباري بسبب الإصابة. ولم يكن دياز، بطبيعته وخصائصه، مهاجمًا صريحًا يستطيع الاشتباك بدنيًا مع قلبي الدفاع الفرنسيين، أو لعب دور المحطة التي يستند إليها الفريق للخروج من الضغط. وقد أقر المدرب محمد وهبي بعد المباراة بأن انتقالات المنتخب لم تكن جيدة، وأن اللاعبين افتقدوا الأفكار والانتعاش عندما امتلكوا الكرة، كما اعترف بأن فرنسا سببت مشكلات كبيرة للمغرب على الأطراف وفي العمق.
وهذا الاعتراف مهم؛ لأنه ينقل النقاش من دائرة النيات إلى دائرة الأخطاء الفنية. فالمشكلة لم تكن أن اللاعبين قرروا جماعيًا عدم اللعب بقتالية، وإنما أن الخطة وضعتهم في وضعية المطاردة المستمرة. كان المنتخب يسترجع الكرة، ثم لا يجد أمامه حلًا واضحًا، فيرسل تمريرة متسرعة أو يفقدها بعد ثوانٍ، فتعود فرنسا إلى الهجوم من جديد.
هكذا تحول الدفاع من وسيلة للتحضير لهجوم مضاد إلى غاية قائمة بذاتها. ولم يعد المغرب يدافع لكي يهاجم، وإنما صار يدافع لكي يؤجل الهدف الفرنسي فقط.
الدفاع أمام فرنسا ليس عيبًا، فالمنتخب الفرنسي يمتلك سرعة كبيرة وجودة فردية مرعبة، ومن الحماقة أن يفتح له أي فريق الملعب بلا حساب. لكن الدفاع الناجح يحتاج دائمًا إلى سلاح مضاد، وإلى شيء يخشاه الخصم. يحتاج إلى مهاجم يثبت المدافعين، وإلى جناح يهدد المساحة، وإلى لاعب وسط يخرج بالكرة تحت الضغط، وإلى تحولات سريعة تمنع الأظهرة الفرنسية من التقدم بحرية.
أما أن يدافع الفريق بعشرة لاعبين ثم يعيد الكرة إلى الخصم فور استرجاعها، فإن ذلك لا يسمى توازنًا تكتيكيًا؛ إنه حصار ذاتي مؤجل الانفجار.
حين تحول احترام فرنسا إلى خوف منها
كان من الطبيعي أن يحترم المغرب قوة فرنسا، لكن الانطباع الذي خلفته المباراة هو أن الاحترام تجاوز حده وتحول إلى رهبة تكتيكية. بدا المنتخب المغربي كأنه دخل اللقاء وهو يفكر أولًا في كيفية النجاة، لا في كيفية الفوز، والفارق بين الفكرتين عظيم.
من يدخل ليفوز قد يدافع، لكنه يبحث في الوقت نفسه عن لحظته. أما من يدخل للنجاة، فإنه يرى كل دقيقة تمر من دون هدف في مرماه إنجازًا مستقلًا، حتى يجد نفسه قد استهلك المباراة كلها في المقاومة من دون أن يصنع فرصة حقيقية.
وقد بدا أن الخطة المغربية كانت تقوم على إبقاء النتيجة متعادلة أطول مدة ممكنة، ثم انتظار ركلة ثابتة أو خطأ فرنسي أو الوصول إلى ضربات الترجيح. وكان تصدي بونو لضربة جزاء مبابي يمنح الفريق فرصة ذهبية لتغيير النبرة النفسية للمواجهة؛ فإضاعة نجم فرنسا للضربة كان من الممكن أن تربك الفرنسيين، وأن تمنح المغرب دفعة معنوية للاندفاع إلى الأمام.
لكن الذي وقع هو العكس. استمرت فرنسا في الهجوم، وظل المغرب في مناطقه، وكأن ضربة الجزاء الضائعة لم تكن لحظة يمكن استثمارها، وإنما مجرد تأجيل إضافي للخطر.
وهنا يطرح السؤال الفني نفسه بقوة: لماذا لم يرفع المغرب خطوطه قليلًا بعد ضياع ضربة الجزاء؟ لماذا لم يحاول استغلال أي تردد فرنسي؟ لماذا لم تُرسل إشارة إلى الخصم بأن بونو أنقذ الفريق، وأن المغرب سيعاقب فرنسا على إهدارها؟
لقد نجا المنتخب من لحظة صعبة، لكنه لم يحول النجاة إلى مبادرة. وبقي الديك الفرنسي ينقر على جدار العرين المغربي مرة بعد أخرى، حتى وجد الثغرة.
هدف في الدقيقة الستين .. وانهيار في ست دقائق
صمد المغرب ساعة كاملة، ثم جاء هدف مبابي في الدقيقة الستين، قبل أن يضيف عثمان ديمبيلي الهدف الثاني بعد ست دقائق فقط. وقد كانت هذه الدقائق الست كاشفة لحقيقة الخطة المغربية أكثر من الدقائق الستين التي سبقتها.
فالفريق الذي بنى استراتيجيته كلها على عدم استقبال هدف وجد نفسه فجأة متأخرًا، ومطالبًا بفعل شيء لم يستعد له منذ البداية: الهجوم. وعندما انكسر الجدار الأول، لم تظهر خطة بديلة، ولم نرَ تحولًا منظمًا، ولم يحدث رد فعل نفسي قوي. جاء الهدف الثاني بسرعة، وكأن الهدف الأول لم يغير نتيجة المباراة فقط، وإنما ألغى الأساس الوحيد الذي قامت عليه الخطة.
كان هدف مبابي استثنائيًا من الناحية الفنية، فقد استعمل وجود عيسى ديوب أمامه لحجب رؤية بونو، وأرسل تسديدة مقوسة دقيقة إلى الزاوية البعيدة. ثم استفاد ديمبيلي في الهدف الثاني من مساحة ومن حجب جزئي لرؤية الحارس، ليسدد الكرة إلى الزاوية.
ليس من العدل تحميل بونو مسؤولية الهدفين بعد أن أنقذ المنتخب مرارًا، كما لا يمكن اختصار الهزيمة في خطأ مدافع واحد. المشكلة كانت أعمق: فرنسا ظلت تهاجم حتى صنعت لحظتها، بينما انتظر المغرب لحظة لم يسعَ بما يكفي إلى صنعها.
وهنا تظهر إحدى قواعد كرة القدم الكبرى: الصمود ليس خطة كاملة. قد يكون الصمود جزءًا من الخطة، لكنه إن لم يقترن بالقدرة على إيذاء الخصم، فإنه يصبح تأجيلًا للهزيمة.
ركلة حكيمي الحرة .. تنفيذ سيئ أم إشارة غامضة؟
توقفت أنظار كثير من المغاربة عند الركلة الحرة التي نفذها أشرف حكيمي في نهاية الشوط الأول. كانت الكرة في موقع يسمح بتسديدة أفضل، وكان الجمهور ينتظر من حكيمي، المعروف بقوة تسديداته وخبرته الكبيرة، أن يضعها على الأقل في اتجاه المرمى أو يجبر الحارس والدفاع على التدخل. لكن الكرة خرجت بطريقة بدت عشوائية وبعيدة عن الجودة المتوقعة من لاعب بقيمة حكيمي، حتى إن المشاهد وجد نفسه يقول ساخرًا إن حارسًا أو لاعبًا أقل مهارة كان ربما سينفذها بصورة أفضل.
ولأن الركلة جاءت في مباراة كان المغرب فيها عاجزًا هجوميًا، فقد اكتسبت حجمًا رمزيًا أكبر من حجمها الكروي. لم تعد في نظر المشجع مجرد ركلة سيئة، وإنما أصبحت عنوانًا لأداء كامل افتقد الدقة والتركيز والحدة.
ومع ذلك، ينبغي أن يظل العقل حاضرًا. فالتنفيذ السيئ لا يثبت القصد السيئ. كبار اللاعبين يهدرون ضربات الجزاء والركلات الحرة في أكبر المباريات، والدليل أن مبابي نفسه نفذ ضربة الجزاء الفرنسية بصورة ضعيفة، وتصدى لها بونو. فلو جعلنا كل تنفيذ رديء دليلًا على الخيانة، لكان علينا أن نتهم مبابي أيضًا بأنه تعمد إضاعة فرصة تقدم فرنسا.
لكن ركلة حكيمي تبقى مع ذلك موضوعًا مشروعًا للنقد الفني. فمن حق الجمهور أن يسأل كيف نُفذت بتلك الطريقة في لحظة كان فيها المنتخب في أمس الحاجة إلى تهديد المرمى الفرنسي، ومن حق المحلل أن يضعها داخل سلسلة من الأخطاء التي جعلت المغرب يظهر فاقدًا للتركيز الهجومي.. الركلة لا تثبت البيع، لكنها تثبت أن حكيمي، مثل عدد من زملائه، لم يكن في أفضل حالاته الفنية والنفسية في تلك الليلة.
ابتسامة ما بعد الإقصاء .. بين الصورة المستفزة والدليل الغائب
ثم جاءت اللقطة التي ظهر فيها أشرف حكيمي مبتسمًا أو ضاحكًا في نهاية المباراة، وهي لقطة استفزت كثيرًا من المغاربة؛ لأن الجمهور كان يعيش لحظة ألم وإقصاء، وكان ينتظر أن يرى قائد المنتخب متأثرًا بالقدر نفسه.
في الرياضة، لا يُحاكم اللاعب على النتيجة وحدها، وإنما يحاكمه الجمهور أيضًا على الصورة التي يقدمها بعد الهزيمة. وعندما يكون اللاعب قائدًا، تصبح مسؤوليته الرمزية أكبر؛ لأنه لا يمثل نفسه فقط، وإنما يمثل مشاعر ملايين المتابعين.
لهذا يمكن القول إن ابتسامة حكيمي، مهما كان سياقها، كانت سيئة التوقيت من الناحية التواصلية. كان من الطبيعي أن تُفهم بطريقة سلبية، خصوصًا بعد أداء باهت وإقصاء موجع .. لكن هل تصلح الابتسامة دليلًا على أن اللاعب باع المباراة؟
الجواب: لا.
قد يبتسم الإنسان بسبب جملة قالها له زميل، أو بسبب توتر عصبي، أو محاولة لإخفاء الألم، أو مصافحة لاعب يعرفه منذ سنوات، أو موقف لا تنقله الكاميرا كاملًا. وقد يضحك شخص في لحظة حزن لا لأنه سعيد بما وقع، وإنما لأن ردود الفعل البشرية ليست دائمًا مستقيمة ومفهومة.
يمكن أن تثير لغة الجسد التساؤل، لكنها لا تصلح وحدها لإصدار الأحكام. فالابتسامة ليست تسجيلًا لمكالمة، ولا وثيقة تفاوض، ولا تحويلًا ماليًا، ولا اعترافًا بوجود اتفاق.
يمكن لوم حكيمي على الصورة التي قدمها، ويمكن القول إن قائد المنتخب كان مطالبًا بمراعاة مشاعر الجمهور، لكن الانتقال من نقد الابتسامة إلى اتهامه بالخيانة يمثل قفزة لا يسمح بها التحقيق المنطقي.
ملف حكيمي القضائي: ضغط نفسي حقيقي .. ولكن أين دليل المساومة؟
تزداد الشكوك لدى البعض عندما يستحضرون الملف القضائي لأشرف حكيمي في فرنسا. وهذه ليست قصة مخترعة؛ فقد أكدت محكمة الاستئناف في فرساي يوم 19 يونيو 2026 إحالته إلى المحاكمة على خلفية اتهام بالاغتصاب يعود إلى سنة 2023، وهو اتهام ينفيه حكيمي، بينما أعلن دفاعه الطعن أمام أعلى هيئة قضائية فرنسية. ولم يكن موعد المحاكمة قد حُدد عند صدور تلك التقارير.
كما أعادت وسائل إعلام فرنسية بارزة الملف إلى الواجهة تزامنًا مع مباراة فرنسا والمغرب، ونشرت صحيفة «لوموند» في يوم المباراة مادة تتناول مشاركة حكيمي في كأس العالم في ظل القضية التي تلاحقه.
وهنا يصبح احتمال التأثير النفسي معقولًا. فمن الصعب على أي إنسان، مهما بلغت خبرته، أن يعزل نفسه تمامًا عن قضية جنائية خطيرة تتعلق بسمعته ومستقبله وحياته الأسرية والمهنية. ومن الممكن أن يكون حكيمي قد دخل المباراة تحت ضغط ذهني كبير، وأن يكون تجدد التغطية الإعلامية الفرنسية قد أثر في تركيزه أو توازنه النفسي .. هذا احتمال مشروع، ولا يحتاج إلى نظرية مؤامرة.
لكن هناك فرقًا واسعًا بين القول إن الملف القضائي أثقل ذهن اللاعب، وبين القول إن السلطات أو جهات فرنسية ساومته به حتى يسهم في خسارة المغرب.
ليست المساومة مجرد شعور. إنها واقعة يجب أن يكون لها طرف عارض، وطرف متلقٍّ، ومقابل محدد، ووسيلة تواصل، وسلوك قابل للإثبات. من الذي ساوم حكيمي؟ ومتى؟ وبأي وسيلة؟ وماذا عُرض عليه؟ وهل كان المطلوب منه إضاعة ركلة حرة؟ أم تعطيل الهجوم؟ أم التأثير في بقية اللاعبين؟ وكيف يمكن لشخص واحد أن يضمن نتيجة مباراة يشارك فيها اثنان وعشرون لاعبًا وتتدخل فيها فرص وحارس وعارضة وضربة جزاء؟
هذه الأسئلة لا تجد، إلى الآن، جوابًا موثقًا
والمنهج الرقابي يفرض علينا أن نسجل وجود عامل ضغط نفسي، لكن يمنعنا من تحويله إلى واقعة مساومة بلا دليل. فالاشتباه قد يفتح باب البحث، لكنه لا يغلق ملف التحقيق بحكم مسبق.
السياسة والكرة .. التقارب المغربي الفرنسي وأرشيف الحدود
زاد من اتساع دائرة التساؤلات تزامن المباراة مع مرحلة متقدمة من التقارب السياسي بين المغرب وفرنسا. فقد كانت الرباط وباريس تعملان منذ أشهر على إعداد معاهدة شراكة وصداقة جديدة، في سياق تحسن العلاقات بعد الموقف الفرنسي الداعم للسيادة المغربية على الصحراء.
كما أُعلن عن زيارة وفد حكومي فرنسي رفيع المستوى إلى المغرب يومي 15 و16 يوليوز 2026. وهنا ينبغي تصحيح الترتيب الزمني بدقة: المباراة جرت يوم 9 يوليوز، بينما الزيارة المعلنة مقررة بعد المباراة بستة أيام، لا قبلها مباشرة.
أما موضوع الوثائق والأرشيف الفرنسي، فقد كان متداولًا منذ سنة 2024، وجرى الحديث عن ملايين الوثائق التي تهم تاريخ العلاقات والحدود والمرحلة الاستعمارية، وهو ما أعطى الملف أهمية خاصة في النقاشات المرتبطة بالصحراء الشرقية المغربية.
هذه وقائع سياسية حقيقية، ومن المشروع أن يلاحظ المحلل تزامنها مع مباراة ذات حساسية رمزية بين البلدين. لكن التزامن لا يساوي السببية. فلكي نقول إن المغرب تنازل عن مباراة مقابل وثائق أو موقف سياسي، نحتاج إلى دليل يربط المسارين: وثيقة، أو شهادة، أو اتصال، أو تسريب موثوق، أو تحقيق يكشف وجود صفقة. أما وجود مفاوضات دبلوماسية من جهة، ومباراة كرة قدم من جهة أخرى، فلا يكفي وحده للقول إن الأولى رتبت نتيجة الثانية.
ثم إن السؤال المنطقي يطرح نفسه: ما قيمة فوز فرنسي في ربع نهائي كأس العالم بالنسبة إلى دولة عظمى حتى تخاطر بعلاقات سياسية واستراتيجية، وتورط لاعبين ومسؤولين واتحادات رياضية، في عملية يمكن أن تنكشف وتتحول إلى فضيحة دولية؟ وهل تحتاج فرنسا، بما تملكه من هجوم وقدرات، إلى صفقة سرية لكي تهزم فريقًا لم يسدد بين القائمين حتى الدقيقة الرابعة والثمانين؟
الافتراض ممكن في الخيال، لكن التحقيق لا يقيس الاحتمالات بما يمكن تخيله، وإنما بما يمكن إثباته.
هل بيع المباراة ممكن من الناحية العملية؟
لكي تُباع مباراة بهذا الحجم، لا يكفي أن يتهاون لاعب واحد في ركلة حرة. المباراة منظومة معقدة، وقد يفسد مخطط البيع حارس يتصدى لضربة جزاء، أو مدافع يبعد كرة من خط المرمى، أو مهاجم يسجل من فرصة عابرة، أو حكم يحتسب قرارًا غير متوقع.
وقد تصدى ياسين بونو بالفعل لضربة جزاء مبابي، وأنقذ فرصًا أخرى، وظل المغرب متعادلًا حتى الدقيقة الستين. فهل كان بونو خارج الصفقة المفترضة؟ وإذا كان المطلوب هو فوز فرنسا، فلماذا تُركت النتيجة معلقة كل ذلك الوقت، مع احتمال أن يسجل المغرب من ركلة ثابتة أو يصل إلى ضربات الترجيح؟
ثم إن الحديث عن بيع مباراة بهذا المستوى يستدعي عادةً مؤشرات محددة: تحركات مالية غير عادية، رهانات مشبوهة، اتصالات بين أطراف غير معتادة، شهادات من داخل الفريق، قرارات فنية لا تفسير لها إطلاقًا، أخطاء متكررة ذات نمط واضح، أو تحقيق من جهات النزاهة الرياضية .. لا تتوافر أمام الرأي العام، حتى الآن، أي قرائن من هذا النوع.
المتاح هو مباراة سيئة من المغرب، وخطة دفاعية مفرطة، وأداء ضعيف من بعض النجوم، وضغط نفسي محتمل على حكيمي، وابتسامة سيئة التوقيت، وسياق سياسي حساس. وهذه العناصر تصنع بيئة خصبة للشائعات، لكنها لا تصنع ملف إثبات.
أين يجب أن توضع علامة الاستفهام الحقيقية؟
علامة الاستفهام الأقوى لا ينبغي أن توضع أولًا عند باب الخيانة، وإنما عند باب الإدارة الفنية. لماذا بدأ المغرب من دون مهاجم صريح قادر على تثبيت الدفاع الفرنسي؟ لماذا تُرك ابراهيم دياز وحيدًا وسط مدافعين يتفوقون عليه في القوة البدنية؟ لماذا لم تُستثمر سرعة حكيمي في الهجوم؟ لماذا لم يتحول تصدي بونو لضربة الجزاء إلى نقطة انطلاق نفسية؟ لماذا لم يتقدم المنتخب قليلًا بعد أن ظهر أن فرنسا تهدر الفرص؟ لماذا تأخر رد الفعل؟ لماذا لم تظهر خطة بديلة بعد الهدف الأول؟ ولماذا بدا الفريق عاجزًا عن تغيير إيقاع المباراة؟
هذه أسئلة ثابتة ومشروعة، وإجاباتها توجد على الأغلب داخل التحضير الفني والاختيارات التكتيكية والحالة البدنية والنفسية للاعبين.
لقد قال المدرب نفسه إن فرنسا كانت أفضل، وإن المغرب افتقد الأفكار والانتعاش، وإن التحولات لم تكن بالمستوى المطلوب. وهذا اعتراف صريح بأن الخلل كان موجودًا، وأن الأداء يحتاج إلى نقد ذاتي، لا إلى الاكتفاء بالفخر بالوصول إلى ربع النهائي.
الوصول إلى ربع نهائي كأس العالم إنجاز مهم، لكن الإنجاز لا يمنح الحصانة من النقد. والمنتخب الذي أثبت أنه قادر على منافسة الكبار يجب ألا يدخل أمامهم بعقلية الفريق الصغير الذي ينتظر الرحمة.
لقد تجاوز المغرب منذ سنوات مرحلة المشاركة المشرفة، وصار الجمهور ينتظر منه المنافسة الحقيقية. ولذلك فإن الخسارة المقبولة هي الخسارة بعد قتال ومحاولات وجرأة، لا الخسارة بعد انتظار طويل لهدف كان يبدو آتيًا منذ بداية المباراة.
فرنسا كانت أقوى… لكن المغرب ساعدها على الظهور أقوى
ينبغي في النهاية الاعتراف بقوة المنتخب الفرنسي. فقد ضغط لاعبوه بكفاءة، وأغلقوا مخارج الكرة، ومنعوا المنتخب المغربي من بناء الهجمات، وامتلكوا مهاجمين قادرين على تسجيل هدف من نصف فرصة. وقد وصفت تقارير المباراة الضغط الفرنسي بأنه أجبر المغرب على التراجع، وجعل طريقه الوحيد تقريبًا نحو التأهل هو الصمود حتى ضربات الترجيح.
لم تكن فرنسا تحتاج إلى مؤامرة حتى تفوز، فقد كانت تملك الأدوات الكروية للفوز. لكن ذلك لا يعني أن المغرب كان محكومًا عليه بالظهور بتلك الصورة.
كان يمكن أن يخسر المغرب وهو يهاجم. كان يمكن أن يخسر بعد أن يصنع فرصًا. كان يمكن أن يخسر بهدفين، لكن مع ترك انطباع بأنه أرعب فرنسا وأجبرها على المعاناة حتى النهاية.
أما الذي وقع فهو أن المنتخب الفرنسي بدا مرتاحًا أغلب الوقت، بينما ظل المغرب ينتظر. وهذه هي النقطة التي جرحت الجمهور أكثر من النتيجة نفسها. فالمغربي لا يغضب فقط لأن منتخبه خسر، وإنما يغضب عندما يشعر أن الأسود دخلت الملعب وتركت زئيرها في غرفة الملابس.
الخاتمة: بين «إنَّ» التكتيكية و«إنَّ» الغامضة
بعد جمع الوقائع وفحص الاحتمالات، يمكن الوصول إلى خلاصة متوازنة: لقد تفوقت فرنسا فنيًا وتكتيكيًا، وفرض ضغطها على المغرب، بينما أخطأ الجهاز الفني المغربي في بناء الخطة، وبالغ في التحفظ، ولم يمنح الفريق حلولًا هجومية كافية. كما افتقد المنتخب لاعبًا مؤثرًا مثل إسماعيل الصيباري، ولعب دياز وحيدًا في الأمام، وظهر عدد من اللاعبين بعيدين عن مستواهم، وكان حكيمي بدوره تحت ضغط فني ونفسي وإعلامي لا يمكن تجاهله .. هذه هي التفسيرات الأقرب، والأكثر انسجامًا مع وقائع المباراة.
أما فرضية بيع اللقاء أو مساومة حكيمي بملفه القضائي أو ربط النتيجة بملفات سياسية وأرشيفية، فلا يوجد إلى الآن دليل مادي يثبتها. ومن الظلم تحويل لاعب أو منتخب كامل إلى متهم اعتمادًا على ابتسامة أو ركلة حرة سيئة أو تزامن سياسي.
لكن غياب الدليل على المؤامرة لا يلغي حق الجمهور في السؤال عن الأداء، ولا يمنع المحلل من تسجيل أن شيئًا ما كان غير طبيعي من الناحية الكروية والنفسية. فالمنتخب الذي عرفناه لم يظهر بشخصيته المعتادة، والجرأة غابت، ورد الفعل تأخر، والروح الهجومية انطفأت، وبعض التفاصيل ظلت عالقة في الأذهان.
لهذا لا نضع نقطة اتهام، لأن النقطة تغلق الجملة وتحسم الحكم، ولا نضع علامة تعجب، لأن الانفعال ليس دليلًا. إنما نضع علامة ذلك المحلل الذي رأى أداءً لم يقنعه، وفحص الوقائع فلم يجد ما يسمح له بالإدانة، لكنه وجد ما يمنعه من المرور على المباراة مرورًا عابرًا.
نقول إن القضية، في ضوء ما نملكه اليوم، تحتوي على «إنَّ» تكتيكية واضحة، و«إنَّ» نفسية محتملة، و«إنَّ» إدارية تستحق المحاسبة، أما «إنَّ» السياسية أو الجنائية فلا تزال بلا سند قاطع.
ومع ذلك يبقى السؤال معلقًا في سماء تلك الليلة: لماذا غاب أسود الأطلس عن مباراة كان يفترض أن يظهروا فيها بأقصى درجات الشراسة؟ لماذا اختفى الزئير حين احتاج إليه الوطن؟ ولماذا بدت الهزيمة، في صورتها وتفاصيلها وردود الفعل التي تلتها، أكبر من مجرد هدف لمبابي وآخر لديمبيلي؟
حتى يظهر دليل جديد، سنرفض اتهام الرجال بالخيانة، وسنرفض في الوقت نفسه مصادرة حق العقل في الفحص والتساؤل. وسنبقي، بهدوء المحلل المدقق لا بضجيج الباحث عن المؤامرة، تلك العلامة التي تقاطعت عندها قراءتنا للمباراة، ووجد كل واحد منا نفسه يضعها في الموضع نفسه: علامة استفهام…؟