مما لا شك فيه أن الرياضة، منذ ظهورها، كانت ولا تزال محل جذب للجمهور من مختلف بقاع العالم، غير أن كرة القدم، على وجه الخصوص، أضحت أكثر الألعاب شعبية وجاذبية بفعل تداخل عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية وإعلامية، حتى أصبحت تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتتحول إلى ظاهرة مجتمعية تعكس رهانات الدول وصراعاتها ورغبتها في تعزيز صورتها على المستوى الدولي.
ففي المباراة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره الفرنسي في ربع نهائي كأس العالم، وبعد المسار الإيجابي الذي بصم عليه أسود الأطلس بإقصائهم منتخبات عريقة كهولندا ، ظهر المنتخب بصورة مغايرة لما اعتاده الجمهور خلال المباريات السابقة. وقد فتح هذا التراجع في الأداء المجال أمام بعض الأصوات لترويج فرضية مفادها أن الهزيمة لم تكن رياضية خالصة، وإنما ارتبطت بحسابات سياسية تتعلق بالعلاقات المغربية الفرنسية، أو بملفات استراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس هل توجد مؤامرة؟ بل لماذا يميل جزء من الجمهور إلى تفسير الهزيمة بهذا الشكل؟
ان البحث في صحة فرضية وجود مؤامرة هو ضرب من ضروب التيه الذي لن يجدي نفعا، لذلك سنسلك طريق التأمل الفكري لمحاولة فهم ما الذي يجعل البعض من الرأي العام يعتقد الفكر المؤمراتي في مباريات المنتخب المغربي مع فرنسا.
فمما لا ريب فيه ان السلوك العام في علم النفس الاجتماعي يتشكل انطلاقا من عوامل متداخلة من منظور نفسي واجتماعي، لذلك نعتقد في اعتقاد بعض المغاربة أن ” الماتش مبيوع ” تقف وراءه ثلة من الأسباب النفسانية والاجتماعية والسياسية ، سنجملها في النقط التالية:
-الحاجة النفسية إلى تبرير الهزيمة حيث كلما ارتفع سقف التوقعات عند المغاربة وازدادت الآمال في تحقيق إنجاز غير مسبوق، أصبح تقبل الخسارة أكثر صعوبة. لذلك يميل بعض المشجعين إلى البحث عن أسباب وتبريرات للهزيمة، لأن الاعتراف بتفوق المنافس أو بأخطاء المنتخب يكون أكثر إيلاما من الناحية النفسية.
-ترسخ نظرية المؤامرة في تفسير الأحداث و الوقائع الكبرى من خلال وجود أطراف خفية تديرها سمة حاضرة في كثير من المجتمعات، خاصة المجتمعات المتخلفة، الأمر الذي يجعل بعض الجماهير ترى في كل حدث غير متوقع نتيجة لترتيبات سياسية أو اقتصادية، حتى في غياب أي دليل موضوعي.
-تداخل السياسة بالرياضة في المخيال الجماعي، إذ أن الرياضة لم تعد مجرد منافسة بدنية، بل أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة للدول، وهو ما رسخ لدى فئات واسعة الاعتقاد بأن السياسة تتدخل في كل تفاصيلها، لينتقل هذا التصور من المجال الدبلوماسي إلى الاعتقاد بإمكانية التأثير حتى في نتائج المباريات.
-تأثير وسائل التواصل الاجتماعي حيث أصبحت فضاء خصبا لإنتاج الروايات البديلة وإعادة تداولها بسرعة كبيرة، حيث تنتشر التفسيرات المثيرة والفرضيات غير الموثقة بوتيرة تفوق انتشار المعلومات الدقيقة، خاصة عندما تكون مرتبطة بقضايا تثير اهتمام الرأي العام.
-قوة الانتماء الوطني للمشجعين المغاربة حيث ان المنتخب الوطني لا يمثل بالنسبة لغالبيتهم مجرد فريق لكرة القدم، بل يجسد رمزا للهوية الوطنية وللفخر الجماعي، لذلك تتحول الهزيمة إلى صدمة وجدانية تدفع بعض المشجعين إلى البحث عن تفسير يتجاوز الأسباب الرياضية البحتة.
-حضور قضية الصحراء في الوعي الجمعي المغربي، لأن قضية الصحراء المغربية هي القضية الوطنية الأولى، لذلك تحضر بقوة في الإدراك الجماعي للمغاربة، الأمر الذي يجعل البعض يستدعيها لتفسير أحداث لا توجد بينها وبينها علاقة مباشرة، باعتبارها الإطار التفسيري الأكثر حضوراً في المخيال السياسي الوطني.
-بحسب علم النفس يميل الإنسان دائما إلى تصديق ما يعتقد، أي يميل بطبيعته إلى تصديق المعلومات التي تنسجم مع قناعاته السابقة، مع إهمال أو استبعاد المعطيات التي تناقضها. لذلك تنتشر فرضيات المؤامرة بسرعة بين من لديهم استعداد مسبق لتصديقها، بينما يصعب إقناعهم بالتفسيرات الموضوعية.
لذلك، فإن انتشار مثل هذه التأويلات لا يعني بالضرورة صحتها، بقدر ما يكشف عن طبيعة اشتغال العقل الجمعي في لحظات الإحباط والانفعال. فالهزائم الرياضية، خاصة عندما تتعلق بمنتخب يحمل آمال أمة بأكملها، لا تستقبل بوصفها مجرد نتيجة فوق أرضية الملعب، وإنما تتحول إلى حدث اجتماعي ونفسي وسياسي يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، بعضها يستند إلى الوقائع، وبعضها الآخر يستمد قوته من المشاعر أكثر مما يستمدها من الأدلة.
ويبقى الإنجاز الذي حققه المنتخب المغربي سواء في مونديال قطر او مونديال امريكا والمكسيك وكندا إنجازا تاريخيا غير مسبوق، إذ لم يكن مجرد نجاح رياضي، بل شكل لحظة اعتزاز جماعي أعادت رسم صورة الكرة العربية والإفريقية على الساحة العالمية. ومن ثم، فإن تفسير الهزيمة بمنطق المؤامرة لا ينتقص فقط من قيمة المنافس، بل يحجب أيضا القراءة الموضوعية للعوامل الرياضية والنفسية التي تصنع الانتصار والهزيمة، ويحول دون بناء ثقافة رياضية تؤمن بأن النجاح والإخفاق جزءان طبيعيان من أي منافسة.
وفي الأخير نشير إلى ان العلاقات الدولية تدار عبر الدبلوماسية والمؤسسات والاتفاقيات، وليس عبر نتائج مباريات كرة القدم، مهما بلغت أهميتها الرمزية. كما أن الربح الأكبر والفوز الأعظم الذي يجب أن نمكن إليه هو الفوز على البطالة والفقر والأمية والجهل لنكون من مصاف الدول ذات المؤشر العالي في مؤشر التنمية البشرية كما الحال بالنسبة لتصنيف الفيفا على مستوى كرة القدم.