من المعلوم لدى العام والخاص في فرنسا أن الشأن الديني هو موضوع حيوي وحساس في المجتمع الفرنسي ومؤسساته؛ فالدين له ارتباط وثيق بالعلمانية او ما يصطلح عليه باللائكية. جاءت هذه اللائكية بعد صراع طويل و دموي بين الكاثوليك والبروتستانت من جهة، و بعد اضطهاد المسلمين واليهود و غيرهم من الملل و النحل من جهة أخرى. و من قرأ فولتير في كتابه “رسالة في التسامح” و كذلك و قائع مذبحة سان بارطوليمي المرتكبة من مسيحيين كاثوليك ضد مسيحيين بروتستانت، و مرسوم نانت للتسامح الذي أُلْغِيَ للتمكين للكاثوليكية فسيدرك مدى أهمية العلمانية بالنسبة للمجتمع الفرنسي و الفاعلين السياسيين و الدينيين و المثقفين.
من المفيد متابعة وفهم تطور علاقة الدولة الفرنسية العلمانية بالإسلام عبر أكثر من قرن. و إني أرى تنويرا للقارئ أن أذكر باختصار مفاتيح و أدوات لفهم طبيعة هذه العلاقة، والأسباب الثاوية و المفسرة للتوتر و التفاعل مع المسألة الدينية في فرنسا. و سأتناولها من خلال مباحث إجمالية مرقمة، أما التفصيل فلا مجال له في هذه المقالة؛ و إلا استغرق منا كتابا كاملا في الموضوع.
أولًا: قانون 1905 وفصل الدين عن الدولة.
أصدرت دولة فرنسا في عام 1905 قانون فصل الكنائس عن الدولة، بعد أن أنهكت الحروب و النزاعات الدينية المجتمع الفرنسي، فقام هذا القانون على ثلاثة مبادئ رئيسية و هي:
– حياد الدولة تجاه الأديان؛ بمعنى أن الدولة لا تنظر إلى دين المواطن الفرنسي؛ وبناء على هذا الموقف، فإن الدولة تلغي الدينَ في تعاملها مع المواطن ، و لكن دون أن تتجاهله؛ لأنه حق مشروع لمن أراد التدين و بأي ملة أو دين أراد؛ لهذا قرر هذا القانون إلى جانب الدستور الفرنسي احترام الأديان، و يفضي هذا المبدأ إلى مبدإ ثاني وهو حرية ممارسة الشعائر الدينية؛ فالدولة معنية و مطالبة بتوفير كل الظروف القانونية و الإدارية لضمان حرية التعبد.و لكن ضمان هذه الحرية لا يعني أن تمول الدولة دينا معينا، لأن الأديان كلها تعامل على قدم المساواة، و هو مبدأ ثالث على الأقل نظريا و قانونيا؛ أما في الواقع فهناك بعض الإكراهات المتعلقة بالمناخ السياسي و الثقافي و الاجتماعي للمجتمع الفرنسي.
يمنع على الدولة تمويل أي دين، إلا في ما يتعلق ببعض الاستثناءات القانونية والتاريخية المتعلقة بجزيرة مايوت و جزيرة لاغينيون وكاليدونيا و غيرها من الجزر والمناطق التابعة لفرنسا. والاستثناء نفسه ينطبق على الفضاءات المغلقة التي يحتاج فيها المواطنون إلى ممارسة شعائرهم الدينية إن أرادوا ذلك، كالمستشفيات والسجون والمدارس الداخلية و الجيش الفرنسي في ثكناتهم العسكرية. لهذا يعَيَّنُ المرشدون الدينيون للاستجابة لهذه المطالب الدينية.
يشكل هذا القانون أساس مفهوم العلمانية الفرنسية (Laïcité)، الذي يعني أن الدولة لا تدير الشؤون الدينية، لكنها تضمن حرية الاعتقاد و التعبد في إطار القانون. و عند حدود الحفاظ على النظام العام.
ثانيًا: وجود الإسلام في فرنسا
ازداد عدد المسلمين في فرنسا خلال القرن العشرين، خاصة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث خدم آلاف الجنود المسلمين طوعا و كرها في الجيش الفرنسي. و قد كان بناء مسجد باريس الكبير عرفانا بتضحيات المسلمين الوافدين من المستعمرات الفرنسية للقتال إلى جانب الدولة الفرنسية، والتي كانت تُعَرِّفُ نفسها بوصفها ثاني امبراطورية إسلامية ممتدة بعد الإمبراطورية البريطانية. والمفارقة هنا تكمن في كون الدولة الفرنسية لم تحترم العلمانية في بنائها وتأسيسها لهذا المسجد؛ إذ أن رئيس الجمهورية ومجلس الشيوخ و السياسيين الفرنسيين آنذاك قد تبنوا تأسيس وتمويل المسجد بتنسيق مع سلطان المغرب مولاي يوسف بصفته أميرا للمؤمنين ومنحذرا من النبعة النبوية الشريفة. و قد تحقق هذا الأمر بتنسيق مع المقيم العام مارشال هوبير ليوطي والسلطة المخزنية.
و أول خطبة جمعة القيت آنذاك في المسجد الكبير لباريس كانت من طرف الفقيه والشاعر قاضي وجدة احمد بن الحاج سكيرج التجاني.
شكلت الهجرة العمالية من الجزائر والمغرب وتونس و السنغال في خمسينيات وستينيات القرن الماضي سببا مباشرا في توطين الممارسة الإسلامية بفرنسا؛ و ابتداء من السبعينيات استقر المهاجرون مع أسرهم بصفة ثابتة؛ فتحول الإسلام بهذا الاستقرار إلى ثاني أكبر ديانة في فرنسا من حيث عدد الأتباع.
ثالثا : إشكالية غياب التمثيلية للحوار مع المسلمين حول الشأن الديني الإسلامي.
واجهت الدولة الفرنسية صعوبة في العثور على محاور رسمي في الشأن الإسلامي، إذ لا يوجد في المجتمع الفرنسي تراتبية و جهة وصية على الشأن الديني الإسلامي، فكل جمعية ثقافية تحت نظام قانون 1901، أو دينية تحت نظام قانون 1905، أو مختلطة تحت نظام قانون 1907، لها الحق في بناء قاعة للصلاة وتسييرها وفقا لقانون الجمعيات بدون الرجوع إلى جهة وصية أو الخضوع إلى مواكبة أو مراقبة . لذلك واجهت الدولة الفرنسية صعوبة في التعامل مع قضايا مثل:
بناء المساجد.
تعيين الأئمة.
تنظيم الأعياد الدينية.
تعيين المرشدين الدينيين في الجيش والسجون والمستشفيات.
كانت الحكومات و الإدارات المتعاقبة تبحث عن جهة يمكنها التحاور معها في هذه المسائل؛ لهذا أنشئت أول مؤسسة تمثل الدين الإسلامي وهي المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية CFCM.
رابعًا: إنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)
أُنشئ المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) سنة 2003 ميلادية بمبادرة من وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي، و تفرع عن هذا المجلس قانونيا مجالس جهوية تتعامل مع العمالات والولايات حول تنظيم الشأن الديني و تكريس حرية العقيدة و الممارسة الدينية.
وقد كان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية يهدف إلى تمثيل المسلمين أمام الدولة، كباقي الديانات الأخرى و العمل مع المكتب المركزي للديانات و هي جهة حكومية و إدارية مكلفة بالشأن الديني و العلمانية، و تشتغل بتنسيق مع المديرية المكلفة بالشؤون القانونية والحريات العامة واللائكية.
حاول المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الاضطلاع بتنظيم الشؤون الدينية كالتنسيق بشأن إعلا رمضان و الأعياد والحج والذبح الحلال والأئمة و المرشدين الدينيين في المرافق العمومية؛ ولكن للأسف، ظهرت مشاكل عصفت بالمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية و أصابته بشلل كامل في عمله؛ و يمكننا إجمال هذه المشاكل في سبب واحد وهو:
نشوء خلافات حادة بين الاتحادات و الجمعيات الإسلامية لأسباب أيديولوجية أو سياسية. حاولت هذه الجمعيات الإسلامية تمثيل الجاليات المسلمة على تفاوت من حيث جنسياتها الأصلية خاصة المغاربة و الجزائريين و الأتراك.
وأسماء أهم هذه الاتحادات والجمعيات هي:
أ – الفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا و تجمع مسلمي فرنسا ثم اتحاد مساجد فرنسا المعروفة بانتمائها و ارتباطها بالمغرب المحافظ و المتمسك بالثوابت الدينية التاريخية، التي ميزت الأندلس و شمال أفريقيا، و المتمثلة في العقيدة الأشعرية و الفقه المالكي و التصوف السني؛ و جماع هذا كله و حفظه لا يكون إلا في إطار إمارة المؤمنين المدافعة عن الدين الإسلامي و حرية العقيدة.
ب – أما دولة الجزائر، فهي تعتمد أساسا في سياستها الدينية الجديدة لدى الجالية الجزائرية على مسجد باريس الكبير و فروعه في الجهات. إلا أن المشهد الديني على مستوى مسجد باريس و فروعه لا يتميز بالأصالة الدينية و المذهبية التي تميز المملكة المغربية بسبب آثار الاستعمار و استحكام السلفية التقليدية و المتشددة أحيانا في المشهد الديني الجزائري، و قد بلغ هذا التشدد أوجه في العشرية السوداء في التسعينيات؛ و التي خلفت آثارا سلبية على الاستقرار الديني والمذهبي.
ج – جمعية ديتيب المنتمية لأنقرة التركية و الممثلة للمسلمين الأتراك المدافعين عن القومية التركية. تتلقى هذه الجمعية دعما من الدولة التركية من حيث التمويل و الإمداد بالأئمة والوعاظ و المرشدين في رمضان و خارج رمضان شأنها شأن المغرب والجزائر.
د – تأثير إيديولوجي من بعض الدول الأجنبية و الجماعات الدينية على بعض الجمعيات، كتأثير جماعة إخوان المسلمين والدول الداعمة لها تنظيما و فكرا على فيدرالية مسلمي فرنسا ذات المشرب الإخواني، و ميلوغوريوش التركية و جمعية الإيمان والممارسة المعروفة بالتبليغ. واجهت الدولة الفرنسية هذه الأيديولوجيات بسن قوانين قدمتها على أساس تكريس مبادئ وقيم الجمهورية و محاربة الانفصالية.
أضعفت هذه التقاطبات قدرة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية CFCM، على تمثيل الدين الإسلامي و جميع المسلمين.
خامسًا: مقتل المدرس صامويل باتي والنقاش حول “الإسلام في فرنسا”
بعد اغتيال المدرس صامويل باتي عام 2020، شددت الحكومة الفرنسية سياساتها المتعلقة بمكافحة التطرف، وأطلقت مبادرات لتعزيز ما وصفته بـ”إسلام متوافق مع مبادئ الجمهورية”. وشمل ذلك العمل على ميثاق مبادئ للأئمة والجمعيات الدينية، إلى جانب إصلاح آليات الحوار مع ممثلي المسلمين. و قد كان هذا الحادث الإرهابي القشةَ التي قسمت ظهر البعير، و الذي بسببه مارس الرئيس الفرنسي في خطابه بمدينة Mureaux ضغطا سياسيا كبيرا على المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لمواجهة التطرف و الأيديولوجيات الدينية.
أدى هذا الضغط إلى انسحاب مجموعة من الفيدراليات و الجمعيات المكونة للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية, مما حدا بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إعلان المجلس ميتا؛ رافضا التعامل معه و مفضلا التعامل مع آلية جديدة للحوار بين الدولة الفرنسية و الفاعلين المسلمين المحليين الوافدين من جهات و أقاليم فرنسا المختلفة في إطار مايسمى بمنتدى الإسلام بفرنسا FORIF.
اعتمدت هذه الآلية النموذج الألماني الذي أخذ بمقاربة محلية في تدبير الشأن الديني ( girondisme ) بدل المقاربة المركزية الباريسية (Jacobinisme).
سادسًا: إنشاء منتدى الإسلام في فرنسا (FORIF)
يختلف هذا المنتدى المؤسس سنة 2022 م. عن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في نقاط أساسية وهي أن المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية (CFCM) هو عبارة عن هيئة تمثيلية تعتمد على اتحادات وطنية مرتبطة بدول و مصالح خارجية و لها قيادة تنظيمية صورية و هياكل تتحدث باسم الجمعيات المُشَكِّلة للمجلس؛ بينما يشكل منتدى الإسلام FORIF منصة حوارية تعتمد على فاعلين محليين، مكونين لمجموعات عمل متخصصة، تركز على إيجاد حلول عملية و تقنية لمشاكل واقعية في الممارسة الدينية.
سابعًا: كيف يعمل منتدى الإسلام بفرنسا FORIF؟
يتكون المنتدى من مجموعات عمل تناقش موضوعات مثل:
-وضع الأئمة في المساجد و المرشدين الدينيين في المرافق العمومية.
-تمويل المساجد والجمعيات.
-حماية دور العبادة.
-مكافحة الاعتداءات ضد المسلمين.
-المقابر الإسلامية.
-الإرشاد الديني في المؤسسات العامة.
ثم تُرفع المقترحات إلى وزارة الداخلية لدراستها وتنفيذ ما يدخل ضمن صلاحياتها.
و قد تمكن منتدى الإسلام من تحقيق أهداف ملموسة ر غم بعض اللإشكالات التنظيمية والتدبيرية؛ وأبرز هذه المنجزات هي:
– إنشاء مجلس وطني للإرشاد الإسلامي بالمستشفيات و السجون و الجيش CNAM-France.
– جمعية الدفاع عن المسلمين و مكافحة الاعتداءات ضد المسلمين ADDAM.
– جمعية 157 لمواكبة الجمعيات الدينية في المساطير الإدارية. و الرقم 157 يشير في كل رقم منه إلى رقم وحدات قانون 1901 و قانون 1905 و قانون 1907.
أضحت الاجتماعات المنعقدة في المجالس الإقليمية للإسلام بفرنسا تقليدا سنويا، يتيح انخراط عدد كبير من الفاعلين المسلمين و المسؤولين الإداريين، و الذين يعدون بالمئات، في تدبير الشأن الإسلامي بفرنسا.
ثامنًا: الانتقادات الموجهة لمنتدى الإسلام بفرنسا FORIF.
يوجّه المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية و بعض الجمعيات المعترضة انتقادات لمنتدى إسلام فرنسا من أبرزها:
أ – اختيار المشاركين في المنتدى FORIF بالتنسيق مع السلطات المحلية وليس عبر انتخابات. و الظاهر من خلال التجربة والممارسة أن الانتخابات لا تفرز بالضرورة المؤهلين نظرا للمحسوبية والزبونية والتصرفات الشبيهة بالتكتيكات السياسية التي تفقد الدينَ جوهره، بل للأسف هناك مخالفات أخلاقية قد تقع من بعض من يريد تصدر المشهد الديني في فرنسا. أما أعضاء المنتدى فقد اكتسبوا شرعيتهم بناء على العمل الميداني في الشأن الديني إلى جانب إدماج شباب ونساء في الشأن الديني الإسلامي الفرنسي.
ب- يوجه المعارضون انتقادهم لمنتدى الإسلام بفرنسا دافعين بعدم تمثيله لجميع التيارات الإسلامية؛ و الحقيقة مفادها أن المنتدى هو أكثر تمثيلية للإسلام والمسلمين وأصدق و أنجع عطاء بالمقارنة مع المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.
ج – دور المنتدى هو استشاري صرف ولا يملك سلطة اتخاذ قرارات ملزمة.
لقد ساعدت الصفة الاستشارية للمنتدى على التقدم في الملفات المتعلقة بتدبير الشأن الديني؛ أما مأسسة المنتدى فسيتحقق على المدى القصير بناء على أشغال مجموعة العمل المكلفة بالتأسيس.
تاسعًا: هل تدير الدولة الإسلام في فرنسا؟
من الناحية القانونية و بموجب مبدأ العلمانية، لا يحق للدولة التدخل في تسيير وتدبير الشأن الديني؛ لذلك لا تدير الدين ولا تعين رجال الدين. لكنها تتدخل في المواضيع التي تمس النظام العام و تطبيق القوانين، مثل:
-الإشراف على الجمعيات وفق القانون.
-مكافحة التحريض على العنف والكراهية.
-تنظيم العلاقة الإدارية مع المؤسسات الدينية.
-الحوار مع ممثلي الطوائف بشأن القضايا العملية في التعايش و حوار الأديان.
و ختاما، أرجوا أن أكون قد أفدت القارئ الكريم بمعلومات كافية وشافية حول هذا الموضوع ذي البعد الديني والثقافي والاستراتيجي و الجيوسياسي لدولة فرنسا و مسلميها الفرنسيين و الأجانب المنتمين لجاليات دول عربية و إفريقية وإسلامية.
“والله يقول الحق و هو يهدي السبيل”.الآية 4 سورة الأحزاب