مؤشرات التعثر المبكر بين مسؤولية وهبي وضرورة الصبر على مشروع المنتخب المغربي
منتدى العمق

مؤشرات التعثر المبكر بين مسؤولية وهبي وضرورة الصبر على مشروع المنتخب المغربي

يقول المثل المغربي: «من الخيمة خرج مايل»، ويستعمل عندما تكون علامات الخلل ظاهرة منذ البداية، قبل أن تظهر النتيجة النهائية بوضوح. ويبدو هذا المثل مناسبا لمناقشة مباراة المنتخب المغربي أمام فرنسا، ليس لأن الهزيمة كانت مؤكدة سلفا، بل لأن بعض مؤشرات التعثر ظهرت منذ الدقائق الأولى، ثم أكدتها تصريحات المدرب محمد وهبي بعد نهاية اللقاء.

دخل المنتخب المغربي المباراة أمام منافس قوي يملك لاعبين مميزين ومشروعا مستقرا بني خلال سنوات طويلة. وكان من الطبيعي أن يحترم وهبي قوة فرنسا وأن يضع في حساباته خطورة لاعبيها وسرعة انتقالاتهم. غير أن الإحترام بدا، في بعض فترات المباراة، قريبا من الحذر المبالغ فيه. فقد تراجع المنتخب، وعانى في الخروج بالكرة، ولم يتحرك لاعبوه بما يكفي لفتح المساحات وإجبار الفرنسيين على الدفاع.

هنا يظهر معنى المثل: فقد خرج الفريق من «خيمة» المباراة وهو مائل من الناحية الفنية والبدنية. لاحظ وهبي بنفسه أن عددا من اللاعبين كانوا يبحثون عن أنفاسهم في الشوط الأول، واعترف بأن المنتخب افتقد الأفكار والحيوية. كما فكر في إجراء تغييرات بين الشوطين، لكنه تراجع بعد حديثه مع اللاعبين. وكانت هذه إحدى اللحظات التي كان يمكن أن يتدخل فيها المدرب مبكرا لتصحيح مسار المباراة.

لكن القول إن مؤشرات الخلل ظهرت منذ البداية لا يعني أن وهبي دخل المواجهة مقتنعا بالهزيمة. فالمدرب حاول إعداد خطة تقوم على تغيير أسلوب الضغط وفق ظروف اللقاء، وسعى إلى تحسين الأداء في الشوط الثاني. إلا أن المنتخب الفرنسي فرض إيقاعه، ومنع المغرب من تنفيذ كثير من أفكاره. لذلك، يتحمل وهبي جزءا من المسؤولية عن الخطة والتغييرات، لكنه لا يتحمل وحده الفارق المتراكم بين المشروعين.

وهنا يجب التمييز بين نقد مباراة واحدة والحكم على مشروع كامل. فوهبي تولى قيادة المنتخب قبل أشهر قليلة من كأس العالم، ولا يمكن مطالبته ببناء فريق عالمي في هذه المدة القصيرة. كان مطالبا بتقديم مباراة أفضل، لكنه يحتاج إلى وقت أطول حتى يطور أسلوب اللعب ويمنح المجموعة هوية أكثر وضوحا.

وتقدم تجربة المنتخب الفرنسي مثالا مهما في هذا الجانب. فقد أمضى ديدييه ديشامب سنوات طويلة مدربا لفرنسا، وحقق نجاحات كبيرة، لكنه تعرض أيضاً لإخفاقات وخسر نهائيات وغادر بطولات دون لقب. ومع ذلك، لم يتخل الإتحاد الفرنسي عنه بعد كل تعثر، لأن تقييمه كان مرتبطا بالحصيلة العامة وبقدرة المنتخب على الإستمرار بين الكبار.

تكشف المقارنة بين التجربتين أن نجاح المنتخبات لا يرتبط فقط بأسماء المدربين، بل بقدرتها على توفير الإستقرار ومنح المشروع الفني الوقت الكافي للنضج. وقد أظهر وهبي، خلال فترة قصيرة، قدرة واضحة على بناء مجموعة تنافسية، ومنح اللاعبين الشباب الثقة، وقيادة المنتخب إلى مسار مميز في كأس العالم. لذلك، فإن استمرار العمل معه لا ينبغي أن ينظر إليه بإعتباره مجاملة أو تأجيلا للمحاسبة، بل بوصفه استثمارا في مشروع بدأ يقدم مؤشرات قوية على التطور، ويحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يترسخ ويحقق أهدافه الكبرى.

لكن الصبر عليه يجب ألا يكون صبرا أعمى. عليه أن يراجع اختياراته، وأن يطور قدرة المنتخب على الخروج بالكرة، ويجد حلولا هجومية أكثر تنوعا، ويتدخل بسرعة عندما تتغير ظروف المباراة. كما يجب تقييمه في الإستحقاقات المقبلة، وخاصة كأس أمم أفريقيا والتصفيات، بناء على تطور الأداء والنتائج.

لقد «خرج المنتخب مائلا من الخيمة» في مباراة فرنسا، لأن علامات المعاناة ظهرت منذ البداية. لكن الميل لا يعني سقوط المشروع كله. يمكن تقويم المسار إذا جرى الإعتراف بالأخطاء، ومنح المدرب الوقت، وربط الإستقرار بالمحاسبة. فبناء منتخب قوي يحتاج إلى الصبر، لكنه يحتاج أيضا إلى الشجاعة في التصحيح.