منتدى العمق

الأحزاب بين صناعة النخب واستيرادها

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، تتسارع حركة الانتقالات بين الأحزاب بصورة تثير نقاشاً واسعاً حول طبيعة العمل السياسي وحدود المنافسة المشروعة. تتجه أحزاب عديدة نحو استقطاب وجوه تنتمي إلى تنظيمات منافسة، وتراهن على قدرتها الانتخابية أو نفوذها الاجتماعي أو شبكاتها المحلية. هذه الممارسة تطرح سؤالاً بالغ الأهمية ، هل يشكل الاستقطاب الحزبي تعبيراً عن حيوية سياسية أم أنه يكشف أزمة عميقة في إنتاج النخب وترسيخ الثقة بين الأحزاب والمجتمع؟

الحياة الحزبية في أي نظام ديمقراطي تحتاج إلى قدر من الحركة والتجدد. انتقال شخصية سياسية من حزب إلى آخر قد يعكس مراجعة فكرية أو تحولاً في القناعات أو اختلافاً حول الخيارات التنظيمية. غير أن المشهد المغربي يقدم في مناسبات كثيرة صورة مختلفة. فالتنقلات ترتفع وتيرتها قبيل الانتخابات، وترتبط غالباً بمواقع النفوذ وفرص الفوز أكثر من ارتباطها بنقاش فكري أو سياسي واضح.

والمفارقة تزداد حدة عندما يستقطب حزب يعلن انتماءه إلى اليسار شخصية ارتبط اسمها بمصالح اقتصادية واسعة أو بخلفية محافظة، أو عندما يفتح حزب محافظ أبوابه لرموز حملت طويلاً خطاباً تقدمياً. هذا التعايش قد يثري النقاش السياسي في حالات محددة، غير أن تكراره بكثافة يضعف الحدود الفاصلة بين المشاريع الحزبية ويجعل البرامج أقرب إلى عناوين عامة قابلة لاستيعاب توجهات متناقضة.

الحزب السياسي لا يقتصر دوره على جمع الأصوات في الاستحقاقات الانتخابية. الحزب يحمل تصوراً للمجتمع والاقتصاد والثقافة والدولة. لذلك تكتسب الهوية الفكرية قيمة مركزية في بناء الثقة مع الناخبين. المواطن الذي يختار حزباً يسارياً ينتظر منه الدفاع عن أولويات تنسجم مع مرجعيته المعلنة، والمواطن الذي يصوت لحزب محافظ يبحث عن اختيارات تعكس رؤيته الخاصة. وعندما تتسع دائرة الاستقطاب دون ضوابط فكرية، تتراجع أهمية الانتماء السياسي لصالح الحسابات الشخصية، فتفقد الأحزاب جزءاً من تماسكها الرمزي.

المسألة لا تتعلق فقط بصورة الأحزاب أمام الرأي العام، بل تمتد إلى طبيعة النخب التي تنتجها. التنظيم الحزبي يفترض مساراً قائماً على التكوين والتدرج وتحمل المسؤولية واكتساب الخبرة. هذا المسار يفرز كوادر قادرة على الدفاع عن المشروع السياسي للحزب وعن اختياراته الاستراتيجية. أما الاعتماد المكثف على استقطاب الأعيان والمنتخبين الجاهزين فيقود إلى نتيجة مختلفة: تراجع الاستثمار في التكوين الداخلي مقابل البحث عن مكاسب انتخابية سريعة.

من هنا يكتسب السؤال التالي أهمية خاصة: هل أصبح الاستقطاب الانتخابي بديلاً عن صناعة النخب والكفاءات داخل الأحزاب؟

جزء معتبر من الممارسة الحزبية المعاصرة يوحي بذلك. فبعض التنظيمات تفضل استقطاب شخصية تملك قاعدة انتخابية جاهزة بدل تخصيص سنوات لتأهيل أطر شابة. هذا الخيار يمنح نتائج أسرع في صناديق الاقتراع، غير أنه يخلق تبعية مستمرة لوجوه خارجية ترتبط بالحزب بعلاقة مصلحية أكثر من ارتباطها بقناعات راسخة. ومع مرور الوقت، يتحول الحزب إلى فضاء لاستقبال الوافدين بدل أن يصبح مدرسة سياسية لإنتاج القيادات.

هذه الدينامية تؤثر أيضاً في علاقة المواطن بالسياسة.لأن بعض الناخبين يراقبون انتقال شخصية من حزب إلى آخر ثم إلى ثالث خلال فترة زمنية قصيرة، ويلاحظ أن الخطاب يتغير بالسرعة نفسها التي يتغير بها الانتماء التنظيمي. أمام هذا المشهد تتراجع القناعة بوجود فروق حقيقية بين الأحزاب، وتتسع مساحة الشك في صدقية الشعارات والبرامج. فالثقة السياسية تتكون عبر الانسجام بين المواقف والممارسات.

مع ذلك، لا يمكن اختزال الظاهرة في جانب سلبي فقط. بعض عمليات الاستقطاب تمنح الأحزاب كفاءات حقيقية تمتلك خبرة إدارية أو سياسية أو أكاديمية، وتسهم في تجديد النخب وإغناء النقاش العمومي. قيمة هذه الحالات ترتبط بوجود انسجام بين الوافد الجديد وهوية الحزب، وبقدرة التنظيم على إدماجه في مشروع سياسي واضح، بعيداً عن منطق الغنيمة الانتخابية.

يتمثل التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين الانفتاح على الكفاءات والحفاظ على المصداقية الفكرية والتنظيمية. الحزب القوي يستقطب الكفاءات من المجتمع، ويكوّن كوادره في الوقت نفسه. أما الحزب الذي يراهن حصرياً على استقدام المنتخبين والأعيان مع اقتراب الانتخابات، فإنه يبعث رسالة ضمنية مفادها أن خزانه البشري الداخلي عاجز عن إنتاج البدائل.

لذلك تبدو ظاهرة الترحال والاستقطاب الانتخابي مؤشراً على أزمة أعمق من التنقل الحزبي ذاته. الأزمة تمس وظيفة الحزب السياسية والتربوية والتنظيمية. فكلما تراجع الاهتمام ببناء النخب، ارتفعت قيمة الأسماء الجاهزة. وكلما اتسعت دائرة الولاءات الظرفية، تآكلت الثقة الشعبية في العمل الحزبي.

الديمقراطية تحتاج إلى أحزاب تمتلك القدرة على تجديد نفسها من الداخل، وتحتاج أيضاً إلى نخب ترتبط بالمشاريع السياسية وليس فقط بالفرص الانتخابية. وهكذا يتحول الانتماء الحزبي إلى اختيار فكري ومجتمعي مستقر، وتتحول المنافسة الانتخابية إلى تنافس بين رؤى وبرامج .