وجهة نظر

آليات السلطة السياسية لأجل التفرد بوظائفها

مقدمة:

تضع كل سلطة سياسية نصب عينيها غايتين أساسيتين وهما الاستقرار والاستمرار، ويمكن أن ندرج بين هاتين الغايتين مختلف سلوكيات وتصرفات وآليات السلطة السياسية ، إذ لا تخرج كلها عن ثنائة الروح والقوة، المادي والقيمي، السلطة والرمز، بهدف التفرد بوظائفها وبأن تكون السلطة الوحيدة التي لا تعلوها سلطة أخرى سالبة بذلك مختلف السلط الصغرى ومهيمنة عليها.

وعلى عكس ما قد يُظَنُ، فإن مختلف تلك الأليات التي تلجأ لها السلطة السياسية لها إسناد فكري وفلسفي، وتستفيد من سير الأمم والتطورات التاريخية في الفكر والسياسية وديناميات المجتمعات مما يجعلنا أمام تراكمات مهمة وحصون منيعة وهيمنة متعددة ومتشعبة تجعل من السلطة السياسية تربح رهان الزمن وغايتي الاستقرار والاستمرار وهما غايتين ليس بالسهل أن تدوما لأي سلطة إلى بقدرتها على التجدد والتطور مع العصر عبر التعزيز الدائم لشرعيتها وتقوية مشروعيتها، ذلك أنه من لا يتجدد يتبدد ومن لا يتطور يتدهور.

أمام كل هذه الآليات التي تختلف صلابتها وقبولها من بيئة لأخرى وباختلاف التجارب الديمقراطية، فإنه لا ملجأ لنا غير التسلح بعلم السياسة وعلم السياسة الحديث لمعرفة هذه الآليات وفهمها والوقوف عند طريقة توظيفها من طرف السلطة السياسية.

فما هي الأسس الفكرية والفلسفية لهيمنة السلطة السياسية؟ وما طبيعة هذه الآليات التي تلجأ إليها السلطة السياسية من أجل التفرد بوظائفها؟ وكيف يمكن التمييز بين المنتمي منها لمفهوم القوة وبين المنتمي لمفهوم الثقافة؟

المحور الأول: الأسس الفكرية والفلسفية لهيمنة السلطة السياسية

إن فكرة تفرد السلطة السياسية بوظائفها وتوظيف العديد من الآليات في سبيل ذلك، يجد سنده الفكري والفلسفي عند العديد من الفلاسفة والمنظرين، سواء منهم الذين جعلوا أنفسهم، في خدمة الدولة بوجه مكشوف نموذج “طوماس هوبز” الذي قال إنه مستعد أن يقدم كل شيء للدولة مقابل توفير الأمن ومواجهة الخوف ، وأيضا “نيكولو ميكيافيلي” من خلال المقولة الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة” ، والتي بررت الأفعال القمعية للأنظمة الحاكمة. كما يجد ذلك سنده أيضا عند مفكرين آخرين الذين اختاروا مواجهة السلطة لصالح الشعوب أو وضعوا آليات لفهم سلوك السلطة وتعرية آلياتها. وطبعا من المهم الإشارة إلى أن السياقات دائما تحكم النصوص، كما يقال فلكل مفكر مسار اجتماعي وزمن سياسي لا شك كان له بالغ التأثير على مساره ومواقفه وتحيزه المعرفي والسياسي.

في هذا الطرف الثاني نجد الفيلسوف الفرنسي “لوي ألتوسير” في كتابه حول “الإيديولوجيا”، يؤكد “أن هناك ثقافة تتسرب للعقول من أجل استقرار واستمرار السلطة السياسية”، وأن آليتي السلطة في ذلك هي ما يسميه بالأجهزة الإيديوليوجية للدولة من خلال المدرسة، الإعلام، الدين…، فلا شيء اعتباطي في التعليم من طبيعة المناهج المعتمدة إلى المواد المدرسة ومدة الحصول على الشواهد وغير ذلك. والآلية الثانية أجهزة العنف من شرطة وجيش وأمن. وهي آلية تجسد احتكار واستعمال العنف المشروع .

في ذات المنحى الفلسفي نجد الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي وضمن حديثه عن هيمنة الدولة، يقول إن هذه الهيمنة لا تتم فقط بالعنف وفي المجال الاقتصادي بل هناك أبعاد ثقافية تساعد السلطة على الترسب في ثقافة الناس، ويقول أنه حتى عندما تقدم السلطة تنازلات، فإن كل تنازلاتها لا تشكل خطرا على نظام الهيمنة.

من جهته يرى الفيلسوف ماركيز هوربت وهو ألماني الجنسية من مدرسة فرانكفورت، أن السلطة ومن أجل استمراريتها تستخدم آليتي “الأمن القومي” وهو مفهوم متمايز عن الآمان، حيث التهديد والقمع والتخويف… في الحالة المغربية هناك من كان يوظف عبارة “هل تريدوننا أن نصبح مثل سوريا”، في إشارة تستبطن الرغبة في بقاء الوضع على ما هو عليه ومناوءة التغيير. وآلية “وهم الحرية” حيث يبدو لك التمتع بحرية الاختيار، لكنه اختيار حسب هوربت داخل نماذج محددة سلفا وخادمة للسلطة السياسية، وكأننا برمز السلطة في هذه الحالة يردد المقولة المنسوبة للخليفة هارون الرشيد “أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك” مع تبديل الخَراج هنا بالطاعة والإذعان.

إن كل هذه الأسس الفلسفية والفكرية، إلى جانب رغبة الاستقرار والاستمرار والهيمنة عند السلطة السياسية لم ولن تكون لتجد ما يحققها دون وجود عاملين اثنين الأول: يتعلق برضى الناس وقبولهم بالسلطة السياسية سواء أكنا في أنظمة ديمقراطية أو استبدادية. والعنصر الثاني: هو الطبيعة الاجتماعية للكائن السياسي، حيث حاجة الإنسان للأمن والآمان، والضرورة المادية التي تفرض العيش المشترك في مجتمع سياسي.

المحور الثاني: نماذج من آليات السلطة السياسة من أجل التفرد

أولاَ: آلية القوة

يعتبر العنف المشروع الذي تحتكره السلطة السياسية من بين أهم الآليات التي يتم اللجوء إليها من أجل التفرد بواظائفها، هكذا تحتكر السلطة السياسية العنف وتمنع الأفراد من اللجوء له، حتى في حالة الدفاع عن النفس، وفي حالة تقاسم جهة ما ممارسة العنف مع السلطة السياسية يطرح السؤال حول شرعيتها ووجودها وسيادتها، (حالة لبنان وامتلاك حزب الله للسلاح). كما أن العنف يكون مشروعا لقبول الناس به وحاجتهم إليه، ولكونه مبني على القانون بل أحيانا تطالب به الناس، (الإعدام نموذجا في بعض الحالات كالاغتصاب والقتل) بل تصفق له، يمكن في هذا الصدد ذكر واقعة اقتحام عدد من المعطلين لمحاضرة لرئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران بوجدة وبعد أن عمت الفوضى صاح قائلا “عيطو على الدولة”، وهو موقف يعكس ويفسر الكثير ويطرح عدة أسئلة من قبيل هل كان رئيس الحكومة في تلك الحالة يشعر بأنه خارج الدولة.

إن السلطة السياسية تستمد قوتها من الدولة وقدرتها على القوة والإكراه، وأن هذه السلطة السياسية حسب محاضراتكم دكتور، تعد سلطة كبرى تسلب كل السلطات الصغرى سلطتها (سلطة الأب، سلطة الزج،سلطة الأستاذ،…)، حيث هي السلطة التي تنتفي كل السلط مع سلطتها.

كما يمكن أن نستحضر في هذا الإطار مفهوم النفوذ الذي يحضر عند علماء الاجتماع مرادفا للسلطة وامتلاك القوة وهو الذي ذكره عالم السياسة روبيرت آلان دال، في تعريفه للسلطة السياسية حيث يقول “إن السلطة هي علاقة بين فاعلين يستطيع أحدهم حمل الآخر عن طريق نفوذه العمل بشكل مختلف عما كان سيقوم به”. وهو المفهوم الذي فسره عالم السياسة الفرنسي موريس دوفيرجيه حسب محاضرتكم دكتور، بالقول إن “النفوذ هو التفاوت الموجود بين طرفين تفتقد معه المساواة بينها.

ثانيا: آلية الديمقراطية لخدمة الأقلية

من الآليات المتطورة التي تلجأ إليها السلطة السياسية اليوم الأليات الديمقراطية حيث عملية إشراك الشعب من أجل إقرار حكم الأقلية، بعد أن انتهت مقولة أن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب، وبعد أن تأكد أن العملية كلها تسخر لخدمة النخبة ونخبة النخبة وفي نهاية المطاف خدمة السلطة السياسية والتفرد بوظائفها.

وبالعودة لمفهموم “وهم الحرية” تتلخص الحكاية وتكون مخرجاتها أنه رغم كل تلك التقنيات الديمقراطية والانتخابية والأحزاب السياسية إنما تعكس تعددية خادعة من حيث اجتماعها واستعدادها لخدمة السلطة السياسية وتحقيق تطلعها هي الأخرى في الانتماء لنخبة النخبة خاصة النخبة السياسية.

هكذا تعمل السلطة السياسية على تعزيز الشعور بالانتماء وتقوية علاقة الأفراد بالمجتمع السياسي حيث حتى في حالة انتقاد السلطة السياسية يعد ذلك أحد عناوين الارتباط القوي بها، و”مادام هناك شعور بالحاجة للدولة فهي دائمة الوجود”، كما عبر عن ذلك سيرجيو بانينزيو.

ثالثا: الآليات القيمية والثقافية

ننطلق في هذا العنوان الفرعي من مقولة الفرنسي موريس دوفيرجيه “..إن طاعة السلطة السياسية لا تقوم دوما على العنف والخوف من الجزاء، بل أيضا تقوم على المعتقدات والقيم. وعليه فإن استثمار الدولة في القيم والمعتقدات والأعراف يعد أحد عناوين النوع الثاني من آليات السلطة السياسية من أجل التفرد بوظائفها، باعتبار القيم داخل المجتمعات تهذب سلوكات الأفراد مما يجعلها خادمة لغايتي الاستقرار والاستمرار.

فالقيم تستجيب لما هو معياري وللمعتقد والمقدس وتفيد في الاستقرار وإطالة أمد السلطة، وامام ذلك ورغم وجود الاستغلال وتغول رأس المال فإن الثورة لا تحدث كما ذهب لذلك كارل ماركس.

المحور الثالث: المشروعية كألية لتفرد السلطة بوظائفها

تندرج المشروعية بكونها مساطر وإجراءات تجعل من السلطة ضرورة اجتماعية ومرغوب فيها، ضمن الآليات التي تستثمر فيها السلطة وتغذيها باستمرار من أجل التفرد بأدوارها، وقد عرفت هذه الآلية تطورات عدة من البعد التيولوجي المرتبط بالتمثيل المباشر أو الإنابة عن الإله في حكم البشر، إلى أن وصلت اليوم إلى آلية الديمقراطية كمرحلة عقلانية في حكم البشر.

وهنا يمكن الإشارة إلى أنواع المشروعيات التي تستند إليها السلطة السياسية من أجل هيمنتها واستمراريتها والتي عددها الألماني ماكس فيبر، في المشروعية التقليدية القائمة على الأعراف والتقاليد، والمشروعية الكاريزمية التي تقوم على ما يتمتع به الفرد من نعم وخصائص غير عادية (غاندي، مانديلا، مارتن لوتر…)، والمشروعية العقلانية المتجسدة في الديمقراطية وهي أفضل ما أنتجت البشرية اليوم كآلية خادمة للنخبة والأقلية.

خاتمة:

أمام كل هذه الآليات التي تلجأ إليها السلطة السياسية للتفرد بوظائفها سواء منها المادية أو الرمزية، يمكن القول على سبيل الختم إن تمت ارتباطا وثيقا بين المشروعية والشرعية، حيث قد نجد خفوت خطابات الديمقراطية بمعناها القديم أمام ارتفاع معدلات النمو والدخل القومي للفرد وعناوين الرفاه والسعادة مما يجعل من الرغبة في الاستقرار والاستمرار رغبة يرددها ويتقاسمها النخبة والعموم على حد سواء.

هكذا وبعد موجات الديمقراطية باث في دول العالم العربي على الأقل توجها نحو تحقيق التنمية ولو على حساب الديمقراطية المهم أن تحقق الكرامة والرفاه للمواطنين مقابل الاستقرار والاستمرار وحتى الهيمنة للسلطة السياسية، وهو توجه مشوب بتخوف كبير يكون عنوانه الفشل في أولوية الديمقراطية على التنمية وفي تطلع تحقيق التنمية على حساب الديمقراطية على الرغم من كل عيوبها.

فمهما بلغت مشروعية أي سلطة سياسية بأبعادها التاريخية والدينية والرمزية وحتى الكاريزمية، فإنه في غياب مؤشرات التنمية بمعناها الاجتماعي والسياسي وأمام غياب الكرامة والرفاه ستظل تلك السلطة مهددة في وجودها مهما استثمرت من جهود في ربح الزمن السياسي.

 

* طالب باحث بسلك الدكتوراه، تخصص القانون العام والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية _ أكدال، جامعة محمد الخامس.

المقال منشور ضمن العدد 02 من المجلة الإفريقية للسياسات العامة”