خراب المرايا
منتدى العمق

خراب المرايا

ما أكثر البيوت التي تشيد بالحجارة، وما أقل البيوت التي تبنى بالطمأنينة. كان ذلك البيت قائما عند طرف المدينة، عتيقا كحزن توارثته الأجيال، تتدلى من شرفاته أخشاب سودتها الأمطار، وتتآكل جدرانه في صمت، كأن الزمن لا يمر به، بل ينهشه نهشا.

وكان هدهد يحط كل صباح على نافذة مكسورة، ينقر الخشب بمنقاره الرفيع، ثم يرفع رأسه في وجل، كأنه يسمع في جوف الدار ما لا تسمعه الآذان.

خلف تلك النافذة عاش عبد الجليل، رجل ضئيل الجسد، مثقل الروح. كان يخدم بيتا من بيوت السادة، ثم يعود آخر النهار إلى هذا المأوى الذي جمعت أروقته العجائز واليتيمات والنساء المنسيات. لم يكن له في الدنيا شيء خالص: لا غرفة يقول عنها: «هذه غرفتي»، ولا إسم يطمئن إليه، ولا وجه يثق بأنه وجهه.

حتى صوته كان قد انكمش في صدره من طول ما ابتلع الكلمات، فلقبوه بالصامت. وما كان الصمت فيه عجزا، بل كان جرحا تعلم أن يطبق عليه شفتيه كيلا ينزف.

كان يمشي في الممرات حاني الظهر، يحمل الماء تارة، ويجمع الثياب تارة أخرى، ثم يقف طويلا أمام مرآة مشروخة علقتها يد مجهولة عند منعطف السلم. كلما نظر إليها وجد وجهه موزعا في شظاياها: في شظية خادم ذليل، وفي أخرى رجل طامح، وفي ثالثة طفل قديم كان يحلم بأن يصير ذا شأن.

فإذا أمعن النظر، لم ير إلا أقنعة تتناوب على ملامحه، حتى خيل إليه أن وجهه الحقيقي مات منذ أعوام، ولم يخبره أحد.

وفي الجهة الأخرى من المدينة، وراء بوابة عالية يلمع فوقها شعار الأسرة، كان زيد يحرس مجدا أوشك أن يصير رمادا. ولد له إبن مشوه الهيئة، فارتجف الرجل من عيون الناس أكثر مما ارتجف من علة الطفل. لم ير في الوليد روحا تستحق الرحمة، بل رأى عارا يخشى أن يفيض من المهد إلى إسم العائلة.

فبنى له عالما مغلقا، وجمع حوله أجسادا غريبة ووجوها مخالفة لما ألفته العيون، حتى يصير الإختلاف فيه قانونا، فلا يكون الطفل وحده المختلف. ظن أنه بذلك يحميه، وما درى أنه أحاطه بسور من الخوف، وأن القفص لا يصير سماء، ولو طلي بالذهب.

كان عبد الجليل يعبر بين الدارين كما يعبر المرء بين حلم وكابوس. في بيت السادة رأى الوجوه مشدودة بخيوط الكبرياء، والضحكات مصقولة كالفضة، غير أن الخوف كان يعشش خلف الأبواب. كانوا يخشون الفقر والشيخوخة والفضيحة، ويغلقون نوافذهم لئلا يرى الناس هشاشتهم.

أما عجائز المأوى، وقد جردتهن الأيام من المال والزينة والأسماء الرنانة، فكن أقرب إلى الحقيقة؛ لا يملكن ما يخفينه، ولا يخشين أن تسقط عنهن الأقنعة.

وذات ليلة، هبت ريح سوداء، فارتج البيت كما يرتجف صدر مريض في سكراته. انطفأت المصابيح، وصفقت الأبواب، وتساقط الجص من السقف كثلج ميت. ركض عبد الجليل في الممرات، فإذا بالأصوات تتداخل من حوله: بكاء طفل، وضحكة سيد، وأنين عجوز، وهمس يشبه صوته ولا يشبهه.

وصل إلى المرآة، فرأى فيها البيت كله، لا وجهه وحده. رأى السادة خدما لأوهامهم، والخدم سادة على آلامهم، ورأى الجمال قناعا مذعورا، والقبح وجها صريحا لا يتقن الكذب.

عندئذ رفع حجرا وضرب المرآة.

تناثرت الشظايا على الأرض، وساد صمت مهيب.

دخل الفجر من النافذة المكسورة، وانسكب على الغبار كأنه ماء يغسل جرحا قديما. خرج عبد الجليل إلى الساحة لأول مرة مرفوع الرأس. لم يتبدل جسده، ولم يصر غنيا، ولم يمنحه أحد إسما جديدا؛ غير أنه أحس بأن شيئا ثقيلا قد سقط عن كتفيه.

أما الهدهد، فكان واقفا على السور يراقبه. وحين عبر الرجل الباب، فرد الطائر جناحيه وحلق فوق البيوت، كأنه يحمل خبرا خفيا إلى البعيد: أن الإنسان لا يهلك حين يفقد المال أو المكانة، بل حين ينسى صورته الأولى، ويقضي عمره خادما لقناع صنعه بيده.

وبقي البيت بعدهما يتداعى في هدوء، حتى لم يبق منه إلا باب مفتوح ومرآة محطمة. غير أن الذين مروا بقربه في الليالي الساكنة كانوا يسمعون رفرفة جناحين، ثم همسا غامضا ينساب من بين الحجارة:

ليس القبح ما تنفر منه العين، بل ما تستره النفوس حين تتزين بالكذب.