خارج الحدود

تقرير: تراجع الاهتمام بالسياسة واستمرار الضغوط الاقتصادية يغذيان الهجرة في تونس 

كشف استطلاع الدورة التاسعة لشبكة الباروميتر العربي عن استمرار عدد من المؤشرات المقلقة في تونس، يتقدمها تراجع الاهتمام بالشأن السياسي، واستمرار الضغوط الاقتصادية التي تدفع أعدادا متزايدة من المواطنين، خصوصا الشباب، إلى التفكير في الهجرة، وذلك رغم تسجيل أعلى مستوى للثقة في الحكومة والاقتصاد الوطني منذ سنة 2011، بعد مرور ست سنوات على انتخاب الرئيس قيس سعيد، وفي ظل مجال عام يوصف بالمنحسر وسياق إقليمي متأثر بالحرب في قطاع غزة.

وأظهرت نتائج الاستطلاع أن ثلثي التونسيين ما زالوا يعتبرون الوضع الاقتصادي سيئا، إذ وصفه 33 بالمائة بأنه سيئ و35 بالمائة بأنه سيئ جدا، فيما تصدر التضخم قائمة التحديات التي تواجه البلاد بنسبة 42 بالمائة، متقدما على البطالة والفقر وتدني الأجور. وفي المقابل، يرى ثلاثة من كل عشرة فقط أن الاقتصاد في وضع جيد أو جيد جدا، وهي نسبة تعادل تقريبا ثلاثة أضعاف ما سجل في استطلاع سنة 2023، بينما ارتفعت الثقة في الحكومة إلى 44 بالمائة، بزيادة ثماني نقاط مئوية مقارنة بالسنة ذاتها، وهو أعلى مستوى يسجل منذ ثورة 2011، مع تسجيل مستويات ثقة أعلى لدى كبار السن مقارنة بالشباب بفارق ثلاث عشرة نقطة مئوية.

ورغم استمرار هذه التحديات، أفاد الباروميتر العربي بأن 56 بالمائة من التونسيين يتوقعون تحسن الاقتصاد خلال السنوات القليلة المقبلة، مع بلوغ نسبة التفاؤل 60 بالمائة لدى كبار السن مقابل 42 بالمائة لدى الشباب. كما اعتبر 38 بالمائة أن الحكومة تحسن تدبير ملف فرص العمل، مقارنة بعشرين بالمائة في سنة 2023، بينما قيم 30 بالمائة أداءها إيجابيا في تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ورأى 26 بالمائة أنها تحسن التعامل مع أزمة الأسعار، وهو ما يمثل ضعف النسبة المسجلة في الاستطلاع السابق.

وفي المقابل، سجل التقرير تراجعا في الثقة بمنظمات المجتمع المدني، إذ انخفضت من 40 بالمائة سنة 2023 إلى 35 بالمائة خلال سنة 2025، بينما يرى ثلث التونسيين أن هذه المنظمات لا تؤدي أي دور في البلاد. كما رصد أدنى مستوى للاهتمام بالشأن السياسي منذ سنة 2011، بعدما عبر 24 بالمائة فقط عن اهتمامهم بالسياسة، في حين أكد نحو نصف المستجوبين أنهم غير مهتمين بها إطلاقا، رغم احتفاظ الشباب بمستوى أعلى من الثقة في المجتمع المدني بلغ 49 بالمائة، مقابل 32 بالمائة لدى من تبلغ أعمارهم ثلاثين سنة فأكثر.

وأبرز الاستطلاع أن استمرار الضغوط الاقتصادية ينعكس على تصاعد الرغبة في الهجرة، إذ أعرب أربعة من كل عشرة تونسيين عن رغبتهم في مغادرة البلاد، فيما ترتفع هذه النسبة إلى نحو الثلثين في صفوف الشباب، مقابل الثلث لدى من تجاوزوا ثلاثين سنة. كما أرجع 78 بالمائة من الراغبين في الهجرة قرارهم أساسا إلى الظروف الاقتصادية.

وفي ما يتعلق بقضايا المساواة، أظهرت النتائج وجود تأييد واسع لمشاركة النساء في مواقع القرار، حيث دعم 77 بالمائة تخصيص نسبة من المقاعد البرلمانية للنساء، وأيد 79 بالمائة إسناد حقائب وزارية لهن، غير أن 54 بالمائة ما زالوا يعتبرون الرجال أفضل من النساء في القيادة السياسية. كما سجل التقرير عودة النظرة التقليدية داخل الأسرة، مع ارتفاع نسبة المؤيدين لكون الرجل صاحب الكلمة الأخيرة في القرارات الأسرية إلى 57 بالمائة، مقتربة من مستويات سنة 2016، بعدما كانت عند أدنى مستوياتها سنة 2021.

وفي الشأن السياسي، أظهر التقرير استمرار المفارقة بين التمسك بالديمقراطية وتغليب الاعتبارات الاقتصادية، إذ فضل 67 بالمائة الديمقراطية على أي نظام آخر للحكم، دون تغيير يذكر منذ سنة 2019، غير أن 78 بالمائة اعتبروا أن نوع الحكومة لا يهم طالما أنها قادرة على حل المشكلات الاقتصادية، فيما عبر 64 بالمائة عن الرأي نفسه فيما يتعلق بحفظ النظام والأمن. كما تراجعت نسبة المؤيدين لقيادة قوية مستعدة لتجاوز القوانين إلى 66 بالمائة، بينما ربط 29 بالمائة الديمقراطية أساسا بتوفير الاحتياجات الأساسية، و21 بالمائة بغياب الفساد، والنسبة نفسها بالمساواة أمام القانون، في حين لم يربطها بإجراء انتخابات حرة ونزيهة سوى 5 بالمائة.

وعلى مستوى القضايا الدولية، أشار الباروميتر العربي إلى أن نحو ستة من كل عشرة تونسيين يصفون ما جرى في غزة بعد السابع من أكتوبر بأنه إبادة جماعية أو مجزرة، وهو ما تزامن مع تراجع النظرة الإيجابية تجاه الولايات المتحدة إلى 23 بالمائة بعد أن كانت 40 بالمائة، بينما تبنى ثلاثة من كل خمسة مواقف غير إيجابية إطلاقا تجاهها. كما حل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أدنى مستويات الشعبية باستحسان بلغ 14 بالمائة فقط، في مقابل ارتفاع التقييمات الإيجابية للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي إلى 49 بالمائة، وتصدر الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره التركي رجب طيب أردوغان قائمة القادة الأكثر استحسانا، فيما فضلت الأغلبية الصين وتركيا وألمانيا وفرنسا وإيران، وحلت إسرائيل في ذيل القائمة بنسبة 3 بالمائة.

وأوضح الباروميتر العربي أن هذه النتائج تستند إلى استطلاع وطني شمل 1023 مقابلة وجها لوجه مع مواطنين ومواطنات جرى اختيارهم عشوائيا من مختلف أنحاء تونس وفق منهجية العينة العنقودية متعددة المراحل، ونفذ خلال الفترة الممتدة بين 30 أكتوبر و30 نونبر 2025، بهامش خطأ يبلغ ثلاث نقاط مئوية، في إطار الدورة التاسعة للمؤسسة.