لحد كتابة هذه السطور، يبدو أن السؤال الذي يتردد في الشارع المغربي أكثر من أي سؤال آخر لم يعد مرتبطاً بتاريخ الاقتراع، ولا بنسبة المشاركة، ولا حتى بنتائج الصناديق، وإنما بسؤال أكثر بساطة، وأكثر إزعاجاً في الوقت نفسه: من يستحق ثقة المواطن؟ ذلك أن النقاش الذي كان يدور في السابق حول البرامج والبدائل والاختيارات، تحول تدريجياً إلى نقاش حول المصداقية، وكأن السياسة انتقلت من مرحلة التنافس على إقناع الناس إلى مرحلة أصعب؛ وهي استعادة ثقة فقدت جزءاً كبيراً من بريقها عبر سنوات من الوعود المؤجلة، والالتزامات غير المكتملة، والخطابات التي كانت تبدو كبيرة عند إطلاقها، ثم تتضاءل كلما احتكت بواقع الحياة اليومية.
لم يعد المواطن المغربي ينظر إلى الانتخابات باعتبارها عرساً سياسياً كما كان يُقال في أدبيات الماضي، لأن الأعراس تُقام عندما تكون القلوب مطمئنة، أما عندما تتراكم علامات الاستفهام، فإن الاحتفال يفقد كثيراً من معناه. ولذلك أصبح المزاج العام أكثر حذراً، وأكثر ميلاً إلى المراقبة بدل التصفيق، وإلى المحاسبة بدل الانبهار، وإلى طرح الأسئلة بدل الاكتفاء بالاستماع إلى الأجوبة الجاهزة.
لقد تغير المجتمع، وتغيرت وسائل المعرفة، وأصبح الوصول إلى المعلومة أسرع من أي وقت مضى، كما أصبحت ذاكرة الناس أكثر احتفاظاً بالتفاصيل. المواطن يتذكر الوعود التي قُدمت في الحملات السابقة، ويتذكر الشعارات التي قيل إنها ستفتح أبواب التنمية، ويتذكر الوجوه التي وعدت بالتغيير ثم أصبحت جزءاً من الواقع الذي كانت تنتقده. راه المغاربة ما بقاوش كينساو بسهولة، وهذه حقيقة تفسر جانباً كبيراً من البرود الذي يرافق النقاش السياسي في السنوات الأخيرة.
المشهد الحزبي، من جهته، يبدو غنياً بالألوان، وفقيراً في القدرة على صناعة المفاجأة. أحزاب كثيرة، ومؤتمرات متلاحقة، وبلاغات متناسلة، وتصريحات لا تنتهي، غير أن المواطن الذي يتابع كل ذلك يشعر أحياناً وكأنه يقرأ الكتاب نفسه بغلاف جديد. تختلف العناوين، وتتبدل الصور، وتتغير الشعارات، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة في مكانها: ماذا تحقق؟ وما الذي تغير في حياة الناس؟ وأين تبدأ حدود المسؤولية، وأين تنتهي؟
يكفي أن تتجول في أي مقهى شعبي، أو تركب سيارة أجرة، أو تنتظر دورك داخل إدارة عمومية، حتى تدرك أن السياسة ما تزال حاضرة في أحاديث المغاربة، لكنها لم تعد تُناقش بالحماس نفسه الذي كان يميزها في محطات سابقة. الحديث اليوم أكثر واقعية، وأقل عاطفة، وأقرب إلى لغة التجربة. المواطن لا يسأل عن عدد التجمعات الخطابية، ولا عن حجم الحشود، وإنما يسأل عن المدرسة التي ما زالت تنتظر الإصلاح، وعن المستشفى الذي يبحث فيه المريض عن موعد قبل أن يبحث عن العلاج، وعن فرص الشغل التي أصبحت بالنسبة إلى آلاف الشباب مشروع انتظار مفتوح، وعن القدرة الشرائية التي تتآكل بصمت مع كل ارتفاع جديد في الأسعار.
لقد أصبح المواطن يقيس السياسة بمعيار بسيط وواضح؛ ماذا تغير في حياته؟ ذلك أن الخطابات مهما بلغت فصاحتها، والبرامج مهما ازدحمت بالأرقام، تفقد قيمتها عندما تعجز عن ملامسة الواقع. فالناس لا يعيشون داخل البلاغات الحزبية، وإنما يعيشون داخل الأسواق، ووسائل النقل، والإدارات، والجامعات، والمستشفيات، وهناك تُقاس السياسات العمومية، وهناك تُختبر الوعود بعيداً عن المنصات والكاميرات.
ومن اللافت أن جزءاً من الأزمة الحالية لا يرتبط بغياب الكفاءات، فالمغرب يزخر برجال ونساء راكموا تجارب محترمة في الإدارة والاقتصاد والجامعة والقضاء والمجتمع المدني، وإنما يرتبط بضعف القدرة على تحويل تلك الكفاءات إلى مشروع سياسي يبعث الثقة. لذلك يشعر كثير من المواطنين بأن المشهد يعيد إنتاج الأسماء نفسها، والخطابات نفسها، والاصطفافات نفسها، حتى أصبح عنصر المفاجأة غائباً، وأصبح التغيير، في نظر كثيرين، يقتصر على تبديل المواقع أكثر مما يطال تبديل الممارسات.
كما أن ظاهرة التنقل بين الأحزاب أضعفت صورة العمل السياسي في نظر فئات واسعة. فمن الصعب إقناع المواطن بأن المبادئ ثابتة، بينما الانتماءات تتغير باستمرار. ومن الصعب أيضاً مطالبة الناس بالثقة، وهم يشاهدون مواقف الأمس تتحول إلى مواقف جديدة بمجرد تغير المواقع أو موازين القوة. وهنا تتشكل فجوة صامتة بين السياسي والناخب؛ فجوة لا تثير الضجيج، لكنها تتسع مع مرور الوقت.
ثم إن المواطن المغربي لم يعد يبحث عن السياسي الذي يتحدث كثيراً، وإنما عن السياسي الذي يصغي كثيراً. لم يعد ينتظر بطلاً يَعِدُ بحل جميع المشكلات، لأن التجربة علمته أن السياسة ليست صناعة للمعجزات، وإنما فن للإدارة الرشيدة، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية. لذلك، أصبحت البساطة في الخطاب، والوضوح في المواقف، والصدق في الاعتراف بالإخفاق، صفات أكثر قيمة من الخطب الطويلة والشعارات البراقة.
ولا شك أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب، ولا بعدد المرشحين، وإنما بحجم الثقة التي يشعر بها المواطن وهو يتوجه إلى صندوق الاقتراع. فحين يضع الناخب ورقته داخل الصندوق، فإنه لا يصوت لاسم فقط، وإنما يمنح جزءاً من ثقته، وجزءاً من أمله، وجزءاً من انتظاراته. وعندما تصبح هذه الثقة نادرة، فإن الأزمة تتجاوز حدود المنافسة الانتخابية لتصبح أزمة علاقة بين المجتمع والسياسة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي ينتظر الأحزاب في الاستحقاقات المقبلة لا يتمثل في كسب أكبر عدد من المقاعد، وإنما في كسب ما هو أصعب بكثير؛ استعادة ثقة المواطن. فالمقاعد تُحتسب بالأرقام، أما الثقة فتُبنى بالتراكم، وبالوفاء بالالتزامات، وباحترام ذكاء الناس، وبالقدرة على تحويل الوعود إلى واقع ملموس.
ويبقى السؤال معلقاً إلى أن يحين موعد الاقتراع: هل ستنجح الأحزاب في إقناع المغاربة بأن الانتخابات المقبلة ستكون بداية مرحلة مختلفة، أم أن الشارع سيواصل ترديد السؤال نفسه الذي يتردد منذ سنوات، بصوت هادئ يحمل كثيراً من الحيرة وقليلاً من الأمل: الانتخابات ديال من؟