صدر حديثا عن مؤسسة “إحياء” كتاب جديد بعنوان “مواقف في القضية الفلسطينية.. مقالات وحوارات”، يجمع أبرز كتابات ومواقف الفقيه المقاصدي المغربي أحمد الريسوني بشأن القضية الفلسطينية والمقاومة والتطبيع والعلاقة مع إسرائيل، على امتداد ما يقارب عقدين من الزمن.
وجاء الكتاب، الصادر سنة 2026 في 201 صفحة من القطع المتوسط، من إعداد وتنسيق الباحث محمد زاوي، فيما تولت “مكتبة ما يسطرون” نشره، ضمن مشروع توثيقي يروم جمع المواد التي نشرها الريسوني في فترات ومنابر إعلامية مختلفة ووضعها بين يدي القراء والباحثين في إصدار واحد.
وتوزعت مضامين الكتاب على قسمين رئيسيين؛ خُصص الأول للمقالات التي كتبها الريسوني حول فلسطين وتحولات الصراع ومواقف الدول العربية والإسلامية، بينما جمع القسم الثاني حوارات صحافية تناول فيها رؤيته الفقهية والسياسية للمقاومة والتطبيع والقدس والمسجد الأقصى.
35 مقالا وثمانية حوارات
يضم القسم الأول 35 مقالا تتناول محطات مختلفة من القضية الفلسطينية، ابتداء من بدايات الألفية الثالثة، بينما يشمل القسم الثاني ثمانية حوارات صحافية مطولة، تناولت مواقف الريسوني من الاحتلال والمقاومة والاتفاقيات التي أبرمتها دول عربية مع إسرائيل.
وقالت مؤسسة “إحياء”، في تقديمها للكتاب، إن الحيز الزمني الذي تغطيه هذه المواد يمتد على مدى عقدين تقريبا، وهو ما يمنح الإصدار قدرة على رصد التحولات التي عرفتها القضية الفلسطينية خلال هذه الفترة، ومتابعة تطور النقاش المتعلق بالمقاومة والتسوية والتطبيع.
وأوضحت المؤسسة أن عملها اقتصر على جمع المواد وترتيبها، دون التدخل فيها بإضافة رأي أو تعديل موقف أو التعبير عن الاختلاف، حفاظا على طبيعة الكتاب التوثيقية وتمكين القارئ من الاطلاع على مواقف الريسوني كما نُشرت في صيغها الأصلية.
وحددت الجهة الناشرة أهداف الإصدار في توثيق الصلات بين المدافعين عن القضية الفلسطينية، والمساهمة الفكرية في إبقاء القضية حاضرة في الوعي العام، إضافة إلى توفير مرجع يجمع مواقف الريسوني ويعفي الباحثين من العودة إلى مصادر ومنابر متفرقة.
من مؤتمر مراكش سنة 2002 إلى حرب غزة
يفتتح الكتاب بمقال “لا مرحبا بالصهاينة”، الذي يعود إلى مارس 2002، وكتبه الريسوني في سياق الجدل الذي أثارته مشاركة وفد برلماني إسرائيلي في مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي المنعقد آنذاك بمدينة مراكش.
ودعا الريسوني في المقال إلى منع الوفد من الحضور أو المشاركة، وإلى انسحاب المشاركين المغاربة في حال حضوره، رابطا موقفه بما اعتبره مركزية القضية الفلسطينية لدى المغاربة.
ويعكس هذا النص المبكر طبيعة الموقف الذي حافظ عليه الريسوني في معظم مواد الكتاب؛ إذ ينطلق من رفض الاعتراف بشرعية الاحتلال، ويعارض تحويل العلاقات مع إسرائيل إلى أمر اعتيادي منفصل عن واقع الفلسطينيين.
وتتناول مقالات أخرى عناوين مثل “معاداة السامية في صيغتها الجديدة”، و”مؤتمر الحاخامات: مؤتمر خاب ومات”، و”أسلحة المساكين.. حجارة وسكاكين”، و”وتزودوا من أرض فلسطين”، و”في فلسطين زاد وأي زاد”، و”هذه قضيتنا وهذه ثوابتنا”.
كما يتوقف الكتاب عند التحولات اللاحقة التي عرفتها القضية، وصولا إلى الحرب على قطاع غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية، من خلال مقالات مثل “معركة فلسطين والأقصى: الجهاد الأشرف والأنظف”، و”شعب فلسطين: معجزة بلا نبوة”، و”معجزة الشعب الفلسطيني.. لا مثيل لها”، و”عن الأضحية والزكاة والجهاد المالي: غزة وفلسطين أول المستحقين”، فضلا عن مقال “غزة واليمن قضية واحدة”.
موقف فقهي وسياسي من المقاومة
يخصص الريسوني حيزا واسعا لتقديم موقف فقهي من مقاومة الاحتلال، في مقالات من بينها “معركة فلسطين: الجهاد الذي لا غبار عليه”، و”قضية فلسطين اليوم.. رؤية فقهية سياسية”، و”الجهاد في فلسطين ولأجل فلسطين لا شك في مشروعيته ووجوبه”.
ويعتبر الريسوني، وفق النصوص التي جمعها الكتاب، أن مقاومة الاحتلال حق مشروع، وأن توصيف الأفعال المرتبطة بها ينبغي أن ينطلق من طبيعة العلاقة بين شعب واقع تحت الاحتلال وقوة تسيطر على أرضه، وليس من التعامل مع الطرفين بوصفهما دولتين متساويتين تخوضان نزاعا عاديا.
ويجادل بأن الأحكام المتعلقة بالسلم والصلح والمعاهدات لا يمكن فصلها عن الواقع السياسي والقانوني الذي يعيشه الفلسطينيون، كما يرفض، في المقابل، استعمال النصوص الدينية لتبرير علاقات لا تفرضها ضرورة مباشرة أو مصلحة فلسطينية معتبرة.
ولا يقدم الكتاب دراسة فقهية جديدة أُنجزت خصيصا للإصدار، وإنما يوثق اجتهادات ومواقف عبر عنها الريسوني في مناسبات متفرقة، وهو ما يجعل المواد تعكس سياقاتها السياسية والزمنية والجدالات التي رافقت نشرها.
التطبيع في قلب الإصدار
يحتل موضوع التطبيع مساحة مركزية داخل الكتاب، من خلال مقالات وحوارات تحمل عناوين صريحة، منها “حقيقة التطبيع المزعوم وحكمه”، و”إيقاف التطبيع مع الكيان الإماراتي”، و”شيوخ المطبعين يحرفون معاني القرآن الكريم”، و”الخيانة مقابل الحماية”، و”حكم الشراكة والتعاون مع شركة إسرائيلية بالمغرب؟”.
كما تضمن قسم الحوارات مواد بعنوان “الريسوني يبرز موقفه من التطبيع والمقاومة والمشاركة في الكنيست”، و”الرؤية الشرعية تقتضي مقاومة احتلال أرض فلسطين ومواجهة العدو وليس معانقته”، و”لاتفاقي التطبيع تأثيرات سلبية لكنها سطحية”، إلى جانب حوار اعتبر فيه أن التطبيع يمثل “شراكة مع العدو في عدوانه وانقلابا على محكمات الشرع الإسلامي”.
ويرفض الريسوني، في هذه المواد، اعتبار إقامة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل عملية سلام عادية، ويرى أنها تمنح الاحتلال دعما سياسيا ومعنويا واقتصاديا دون أن تقابلها مكاسب فعلية للفلسطينيين.
كما يناقش الحجج الدينية التي قدمها مؤيدون لاتفاقيات التطبيع، خصوصا الاستدلال بآيات الصلح والسلم، معتبرا أن هذه النصوص لا تنطبق، من وجهة نظره، على دول لم تكن أصلا في حالة حرب مع إسرائيل ولم تكن مضطرة إلى إبرام اتفاق معها.
ويميز الريسوني بين تعامل الفلسطينيين مع المؤسسات الإسرائيلية بحكم خضوع حياتهم اليومية ونقلهم وتجارتهم ووثائقهم لسلطة الاحتلال، وبين إقامة دول بعيدة جغرافيا علاقات اختيارية مع إسرائيل، رافضا القياس بين الحالتين.
المغرب والصحراء وفلسطين
يتضمن الكتاب مقالا بعنوان “الصحراء في مغربها باقية دائمة.. وإسرائيل جريمة عابرة زائلة”، كتبه الريسوني عقب الإعلان الأمريكي، أواخر سنة 2020، عن الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، بالتزامن مع استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية.
ورفض الريسوني في المقال الربط بين القضيتين أو وضعهما في صيغة مقايضة سياسية، مؤكدا أن مغربية الصحراء، بحسب موقفه، حقيقة تاريخية وجغرافية لا تستمد مشروعيتها من اعتراف دولة أجنبية أو من إقامة علاقات مع إسرائيل.
وانتقد اعتبار استئناف العلاقات ثمنا للاعتراف الأمريكي، كما وجه انتقادات إلى دول أوروبية وعربية لم تحسم موقفها لصالح السيادة المغربية على الصحراء.
ويكشف هذا المقال عن محاولة الريسوني التوفيق بين موقفه المدافع عن الوحدة الترابية للمملكة ورفضه للتطبيع، من خلال التأكيد أن دعم مغربية الصحراء لا يستلزم، في نظره، القبول بربطها بالعلاقة مع إسرائيل.
ويتناول الموضوع نفسه من زاوية أوسع في مقال “بين القضايا الوطنية والقضايا الإسلامية”، حيث يناقش ترتيب الأولويات والعلاقة بين الدفاع عن قضايا الدولة الوطنية والانتماء إلى قضايا ذات امتداد عربي وإسلامي، وفي مقدمتها فلسطين.
الشركات الإسرائيلية تحت مجهر الفتوى
يفرد الكتاب مساحة لمسألة التعامل الاقتصادي مع الشركات الإسرائيلية أو المؤسسات المرتبطة بها، خصوصا في مقال “حكم الشراكة والتعاون مع شركة إسرائيلية بالمغرب؟”، و”فتوى حول التعامل مع المحتلين والمعتدين”.
ويميز الريسوني في تناوله بين العلاقات التي تفرضها ظروف قاهرة على الفلسطينيين، وبين الشراكات التي تقيمها مؤسسات أو أفراد خارج الأراضي الفلسطينية من دون ضرورة، معتبرا أن الحكم يتأثر بطبيعة الشركة ونشاطها وعلاقتها المباشرة بالاحتلال ومدى استفادته من التعاون معها.
وتتخذ هذه المواد طابعا فقهيا تطبيقيا، إذ تحاول نقل النقاش من الموقف السياسي العام من التطبيع إلى أسئلة المعاملات اليومية والاستثمار والشراكات التجارية، وما إذا كان التعاون الاقتصادي يؤدي إلى دعم الاحتلال بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
الأقصى وحق العودة
يناقش الكتاب أيضا قضية المسجد الأقصى والوجود الفلسطيني في القدس، من خلال حوار بعنوان “منع المرابطين خطوة للاستيلاء الكامل على الأقصى”، إلى جانب مواد تتناول زيارة الأراضي الفلسطينية والجدل بشأن ما إذا كانت تسهيلات السفر الناتجة عن اتفاقيات التطبيع تمثل مكسبا للمسلمين.
ويرفض الريسوني تقديم تسهيل زيارة الأقصى بوصفه مبررا لإقامة علاقات مع إسرائيل، معتبرا أن سلطات الاحتلال تحتفظ بسلطة تحديد من يدخل القدس ومن يُمنع منها، وأن الزيارات لا تعوض فقدان السيادة على الأرض والمقدسات.
وفي مقال “حق العودة للفلسطينيين وواجبنا تجاهه”، يتمسك الريسوني بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم، ويرفض التعامل معه كملف إنساني قابل للتعويض المالي أو الإغلاق ضمن تسوية سياسية لا تضمن الحقوق التاريخية للاجئين.
كما يخصص جزءا من كتاباته لنقد ما يصفه بـ”الأساطير والأباطيل” المؤسسة للرواية الإسرائيلية، ويبحث في الخلفيات الدينية والتاريخية الموظفة لتبرير الاحتلال والسيطرة على الأرض.
حماس والسلطة والمشاركة السياسية
لم تقتصر مواد الكتاب على العلاقة مع إسرائيل، بل تناولت أيضا الخلافات الفلسطينية الداخلية ومواقف الحركات السياسية، من خلال مقال “حماس والنظام السوري” وحوارات ناقشت المقاومة والمشاركة السياسية ودخول فلسطينيين إلى مؤسسات إسرائيلية، بما فيها الكنيست.
ويفرق الريسوني بين الوسائل التي يعتمدها الفلسطينيون تحت ضغط واقع الاحتلال، وبين التطبيع الخارجي، كما يتناول التفاوض غير المباشر الذي تلجأ إليه فصائل المقاومة، معتبرا أنه لا يساوي إقامة علاقات سياسية واقتصادية طبيعية مع إسرائيل.
وتعكس هذه النصوص موقفا منحازا إلى خيار المقاومة، مع توجيه انتقادات إلى الانقسام الفلسطيني والسياسات التي يرى أنها أضعفت مركزية القضية أو جعلتها رهينة لحسابات الأنظمة الإقليمية.
مرجع توثيقي لمواقف مثيرة للجدل
لا يقدم “مواقف في القضية الفلسطينية” سيرة سياسية للريسوني أو تاريخا شاملا للصراع، بل يجمع مسارا متراكما من المقالات والحوارات التي تكشف ثبات عدد من مواقفه، وفي مقدمتها رفض التطبيع، وتأييد مقاومة الاحتلال، والدفاع عن حق العودة، ورفض المقايضة بين فلسطين والقضايا الوطنية.
وفي المقابل، تتضمن بعض النصوص عبارات وأحكاما سياسية وفقهية حادة تجاه إسرائيل والدول العربية التي أقامت علاقات معها، فضلا عن تقييمات لشخصيات وأنظمة وحركات سياسية، وهي مواقف تعبر عن صاحبها ولا يقدمها الكتاب بوصفها خلاصات بحثية محايدة أو حقائق متفقا عليها.
وتكمن القيمة الأساسية للإصدار في كونه يجمع في وثيقة واحدة مواقف متناثرة امتدت من سنة 2002 تقريبا إلى السنوات الأخيرة، بما يسمح بتتبع كيفية قراءة الريسوني لتحولات القضية الفلسطينية، من انتفاضة الأقصى والحروب المتعاقبة على غزة إلى موجة الاتفاقيات العربية الإسرائيلية والجدل المغربي بشأن استئناف العلاقات مع تل أبيب.
تعليقات الزوار
مواقفه فيما ستفيد القضية الفلسطينية ،أهل غزة محتاجون إلى السلام الذي انتظروه منذ اتفاق أوسلو ، يحتاجون إلى سلام جنبا إلى جنب مع الاسرائليين المحبين للتعايش وهذا ما يفيد الفلسطينيين