كلما أعلن عن إحداث مناصب مالية جديدة في الوظيفة العمومية، انصرف جزء كبير من النقاش العمومي إلى الرقم: عدد المناصب المحدثة، والقطاعات المستفيدة منها، وحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها. وينظر إلى ارتفاع عدد المناصب، في الغالب، باعتباره مؤشراً على قدرة الدولة على الاستجابة لحاجات المرافق العمومية وعلى مواصلة الاستثمار في مواردها البشرية. الى أن الرقم، على أهميته، لا يستطيع أن يروي القصة كاملة.
فقد تنجح الإدارة في توظيف مئات أو آلاف الموظفين، وأن تستقطب حاملي شهادات وكفاءات ذات قيمة، ثم تجد نفسها، بعد سنوات، أمام واقع مختلف: كفاءات غادرت المؤسسة، أو فقدت حافزها، أو أصبحت تبحث عن فرص مهنية أخرى خارجها. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال المركزي هو ما إذا كانت الإدارة قادرة على التوظيف، بل يصبح السؤال أكثر عمقا :هل تمتلك الإدارة القدرة المؤسساتية والمالية والتنظيمية على الاحتفاظ بالكفاءات التي نجحت في استقطابها؟
فبين الاستقطاب والاحتفاظ مسافة لا يمكن اختزالها في مجرد قرار للتوظيف.
أولا: المنصب المالي لا ينتج الكفاءة
يمثل المنصب المالي، من الناحية القانونية والمالية، المدخل الضروري إلى التوظيف العمومي. فهو الذي يؤطر إمكانية إدماج موظف جديد ضمن البنية الإدارية للدولة، ويجعل التوظيف قابلا للتنفيذ في حدود الاعتمادات والقواعد المعمول بها. غير أن المنصب المالي، مهما كانت ضرورته، لا ينتج الكفاءة في حد ذاته انما يتيح استقطابها فقط.
فالكفاءة ليست معطى جاهزا يضاف إلى جدول المناصب، بل هي حصيلة مسار طويل من التعليم والتكوين والتجربة والتراكم المهني. وهي لا تتحول إلى قيمة مؤسساتية إلا عندما تجد داخل الإدارة البيئة التي تمكنها من توظيف معارفها وخبراتها في إنتاج القرار والخدمة العمومية.
ومن ثم، فإن النظر إلى الموظف العمومي باعتباره مجرد نفقة دائمة في الميزانية يمثل اختزالا محاسبيا لظاهرة ذات طبيعة مؤسساتية وتنموية أوسع. فالموظف ليس مجرد راتب شهري، والكفاءة ليست مجرد تكلفة مالية، والمنصب ليس سوى الإطار القانوني الذي يسمح بوجود المورد البشري داخل الإدارة.
أما القيمة الحقيقية، فتتحدد فيما تستطيع هذه الكفاءة أن تنتجه، وفي قدرة المؤسسة على الحفاظ عليها وتطويرها.
إننا، في هذه الحالة، لا نتحدث عن نفقة بالمعنى الضيق، بل عن استثمار عمومي في الرأسمال البشري. والاستثمار لا يقاس فقط بحجم الموارد التي يتم تخصيصها له، وإنما أيضا بالعائد الذي ينتجه، وبمدى استدامة هذا العائد.
ثانيا: قانون المالية بين منطق الاعتماد ومنطق الكفاءة
لا يمكن فهم إشكالية الموارد البشرية في الإدارة العمومية بمعزل عن قانون المالية. فهذا الأخير لا يقتصر على تحديد موارد الدولة ونفقاتها، بل يحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءا مهما من قدرة الدولة على التوظيف، وتمويل الأجور، وتطوير منظومة التكوين، وتوجيه الإنفاق العمومي.
غير أن الإشكال يبدأ عندما تختزل الموارد البشرية في بعدها المالي الصرف.
ففي المنظور الميزانياتي التقليدي، يظهر الموظف باعتباره أجرا، والمنصب باعتباره اعتمادا، والكتلة الأجرية باعتبارها رقما ينبغي التحكم في تطوره. وهي مقاربة ضرورية من زاوية الانضباط المالي، لكنها لا تكفي وحدها لبناء سياسة فعالة للموارد البشرية.
ذلك أن أسئلة جوهرية قد تختفي خلف الأرقام:
- ما القيمة التي تنتجها الكفاءة داخل المؤسسة؟
- ما تكلفة تكوينها وتأهيلها؟
- ما تكلفة فقدانها؟
- وما تكلفة استقطاب وتكوين بديل عنها؟
إن قانون المالية يستطيع أن يفتح منصبا ماليا، لكنه لا يستطيع، بمفرده، أن يخلق الانتماء المؤسسي. ويمكنه أن يرصد الاعتمادات، لكنه لا يستطيع وحده أن ينتج الدافعية. كما يمكنه أن يمول التوظيف، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تستمر الكفاءة داخل الإدارة.
وهنا تظهر حدود الفعل المالي: فالمال شرط ضروري في سياسة الموارد البشرية، لكنه ليس شرطا كافيا لنجاحها.
ثالثا: لا يمكن بناء كفاءة استراتيجية بمنطق مالي قصير الأمد
تحتاج الإدارة الحديثة إلى التفكير في مواردها البشرية ضمن أفق زمني يتجاوز السنة المالية. فالمسألة لا تتعلق فقط بالموظفين الذين تحتاج إليهم اليوم، بل بالكفاءات التي ستحتاج إليها مستقبلا، وبالتحولات التي ستعيد تشكيل الوظائف والمهن داخل الإدارة.
ما هي المهارات التي ستحتاج إليها الإدارة بعد خمس أو عشر سنوات؟ ما الوظائف التي ستتأثر بالرقمنة والذكاء الاصطناعي؟ ما الكفاءات التي ينبغي تطويرها داخليا؟ وما تلك التي ينبغي استقطابها من الخارج؟
هذه الأسئلة تنتمي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي والتدبير التوقعي للموارد البشرية.
غير أن التخطيط المالي، في جانب مهم منه، يظل مرتبطا بالدورة السنوية لقانون المالية. وهنا تظهر مفارقة بنيوية: الإدارة تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد في مجال الموارد البشرية، بينما تتحرك القرارات المالية غالبا ضمن أفق سنوي.
وقد يؤدي هذا التباين إلى اختلالات متعددة. فقد يتم استقطاب كفاءات في مجالات معينة، ثم تتغير حاجات الإدارة دون أن تتطور بالسرعة نفسها منظومة التكوين والتطوير. وقد تظهر حاجات جديدة في الرقمنة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والتدبير الاستراتيجي، بينما تظل بعض آليات التخطيط والتوظيف مرتبطة بتصورات تقليدية للوظائف.
إن التدبير التوقعي للموارد البشرية لا يعني فقط توقع عدد المناصب التي ستصبح شاغرة، بل يعني، في جوهره، القدرة على استشراف مستقبل الوظائف والكفاءات.
رابعا: الاستقطاب بداية المسار وليس نهايته
أصبح استقطاب الكفاءات أحد الأهداف المركزية للسياسات الحديثة في مجال الموارد البشرية. غير أن الاستقطاب، مهما بلغت أهميته، لا يمثل سوى المرحلة الأولى من دورة أكثر تعقيدا.
فقد تنجح الإدارة في اختيار موظفين ذوي كفاءة عالية، لكنها قد تفشل لاحقا في توفير الشروط التي تجعل هؤلاء يرغبون في الاستمرار داخلها.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين كثيرا ما يتم الخلط بينهما: استقطاب الكفاءة والاحتفاظ بالكفاءة.
فالاستقطاب يتطلب مباراة ناجحة وآلية اختيار فعالة. أما الاحتفاظ، فيتطلب مؤسسة قادرة على تقديم مسار مهني ومؤسساتي ذي معنى.
مسار واضح للتطور، وتكوين مستمر، وفرص للترقي، وتقييم عادل، واعتراف بالكفاءة وتمكين الوظيفي، وبيئة عمل تمنح الموظف إحساسا بأن جهده له قيمة وأن مساهمته لا تضيع داخل البنية الإدارية.
فالكفاءة لا تغادر دائماً بسبب الأجر وحده. وقد تغادر أحياناً عندما تشعر بأن الأجر هو الشيء الوحيد الذي تقدمه لها المؤسسة.
خامسا: عندما يصبح الاحتفاظ بالكفاءة قضية مالية
غالبا ما ينظر إلى تحسين شروط العمل والتحفيز والتكوين باعتبارها نفقات إضافية. غير أن هذه النظرة تحتاج إلى مراجعة.
فالسؤال ليس دائما: كم سيكلفنا الاحتفاظ بالكفاءة؟
بل ينبغي أن يطرح سؤال آخر: كم سيكلفنا فقدانها؟
إن مغادرة موظف ذي خبرة لا تعني فقدان منصب شاغر فحسب، بل تعني فقدان معرفة تراكمية، وتجربة عملية، وفهما للإجراءات، وقدرة على التعامل مع التعقيدات التي لا توجد بالضرورة في النصوص أو الأدلة التنظيمية.
وعندما تغادر هذه الكفاءة، تضطر الإدارة إلى إعادة بناء ما فقدته: استقطاب جديد، وتكوين جديد، وتأهيل جديد، وانتظار سنوات حتى يصل الموظف الجديد إلى مستوى الخبرة نفسه.
قد يبدو أن الدولة حققت اقتصادا ماليا في الأجل القصير، لكنها قد تتحمل تكلفة أكبر في الأجل الطويل.
ومن هنا، فإن الحكامة المالية لا ينبغي أن تفهم دائما باعتبارها إنفاقا أقل، بل باعتبارها إنفاقا أكثر عقلانية يمنع خسائر أكبر.
سادسا: من تدبير المناصب إلى تدبير الكفاءات
إذا كانت الدولة تريد إدارة أكثر فعالية، فإنها مطالبة بالانتقال من منطق تدبير المناصب إلى منطق تدبير الكفاءات.وهذا الانتقال يتطلب تغيير طبيعة الأسئلة المطروحة.
فبدلا من أن نسأل: كم منصباً ماليا نحتاج؟ ينبغي أن نسأل: ما الكفاءات التي نحتاج إليها؟
وبدلا من أن نكتفي بالسؤال عن عدد الموظفين الذين تم توظيفهم، ينبغي أن نسأل: ما القيمة التي أضافها هذا التوظيف؟
وبدلا من النظر إلى كتلة الأجور باعتبارها مجرد عبء مالي، ينبغي التساؤل عن تكلفة عدم الاستثمار في الكفاءة.
إن هذه المقاربة لا تلغي الاعتبارات المالية، بل تمنحها معنى أكثر عقلانية. فالسياسة المالية الرشيدة لا تقاس فقط بقدرتها على التحكم في النفقات، بل أيضا بقدرتها على توجيه الموارد نحو المجالات التي تنتج قيمة مستدامة.
سابعا: الكفاءة ليست موردا قابلا للتعويض الفوري
من الأخطاء المتكررة في تدبير الموارد البشرية التعامل مع الموظف باعتباره موردا قابلا للتعويض الفوري. وقد يغادر موظف اليوم، وقد يتم تعويضه بموظف جديد غدا، لكن هذا الموظف الجديد لا يعوض بالضرورة الخبرة التي غادرت.
فالمعرفة المؤسساتية لا تنتقل تلقائيا، والخبرة لا تختصر في الشهادة، والكفاءة لا تقاس فقط بما يعرفه الموظف، بل بما يستطيع أن يفعله في سياق مؤسساتي محدد. ولهذا، فإن الإدارة التي تفقد كفاءاتها بصورة مستمرة معرضة لفقدان جزء من ذاكرتها المؤسساتية. والإدارة التي تفقد ذاكرتها تضطر، في كل مرة، إلى إعادة اكتشاف الطريق.
ثامنا: من تدبير الموظفين إلى تدبير الرأسمال البشري
أصبح من الضروري النظر إلى الموظف العمومي باعتباره جزءا من الرأسمال البشري للدولة، لا مجرد وحدة في جدول الموارد البشرية. غير ان هذا التصور يفرض إعادة بناء دورة الموارد البشرية بأكملها: التخطيط، والاستقطاب، والاختيار، والتكوين، والتطوير، والتحفيز، والاحتفاظ، ثم التجديد.
فلا يمكن اعتبار السياسة ناجحة بمجرد النجاح في مرحلة واحدة من هذه الدورة.
إن استقطاب الكفاءة دون الاحتفاظ بها يشبه ضخ المياه في خزان يعاني من تسرب مستمر. وكلما زاد حجم الضخ دون معالجة مصدر التسرب، ارتفعت كلفة الفشل.
تاسعا: السؤال الذي ينبغي أن يرافق قانون المالية
عند مناقشة المناصب المالية، ينبغي ألا يقتصر النقاش على عدد المناصب التي سيتم إحداثها.
بل ينبغي أن يرافق ذلك سؤال أكثر أهمية: ما الذي ستفعله الدولة حتى تبقى الكفاءات التي ستوظفها؟
فالمناصب المالية ضرورية، والاعتمادات ضرورية، والتوازنات المالية ضرورية. لكنها جميعاً تظل أدوات. أما الهدف النهائي، فهو بناء إدارة قادرة على إنتاج الخدمة العمومية بكفاءة واستمرارية.
إن الدولة التي تنجح في استقطاب الكفاءات ثم تفشل في الاحتفاظ بها تكون قد نجحت في التوظيف، لكنها لم تنجح بالضرورة في تدبير مواردها البشرية. أما الدولة التي تنظر إلى الكفاءة باعتبارها استثمارا طويل الأمد، فتدرك أن الموظف لا ينبغي أن يقاس فقط بتكلفة أجره، بل أيضا بالقيمة التي ينتجها، وبالكلفة التي قد تترتب عن فقدانه.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس: كم منصبا ماليا تستطيع الدولة أن تحدث؟ بل:كم كفاءة تستطيع أن تستقطب؟ وكم كفاءة تستطيع أن تحتفظ بها؟
فالمستقبل لن تصنعه المناصب المالية وحدها. انما سيصنع بقدرة الدولة على تحويل هذه المناصب إلى كفاءات، وتحويل الكفاءات إلى قيمة، وتحويل القيمة إلى رأسمال مؤسساتي قادر على الاستمرار.
وهنا تحديدا يبدأ الانتقال الحقيقي من تدبير الموارد البشرية إلى تدبير المستقبل.