منتدى العمق

حين يضعف نور الرسالة…

ليس تراجع التدين الصحيح مجرد انخفاض في ممارسة بعض الشعائر، ولا هو قضية تُختزل في مظهر أو شعار، بل هو سؤال حضاري عميق يرتبط بالإنسان، وبالوعي، وبالعدل، وبالعلم، وبالقيم التي تبني الأمم وتحفظ كرامتها. ولقد جعل الله العدل أساس العمران، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فالدين الحق ليس طقوسًا تؤدى فحسب، وإنما هو حياة تنبض بالإيمان، وأخلاق تترجم إلى سلوك، وإصلاح يمتد أثره إلى الواقع وإلى الفضاء الرقمي، فيغرس الخير، ويقاوم الفساد، ويوقظ الضمائر. ولذلك قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق».

وعندما تخبو حرارة الكلمة الصادقة، ويضعف تأثير الخطاب الدعوي في النفوس، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما قيمة المواعظ إذا كانت قلوب كثيرة قد استغرقتها مشاغل الدنيا، وغفلت عن ذكر الله، ولم تعد تجد في القرآن الكريم والسنة النبوية زادًا يوميًا لحياتها؟ إن إصلاح القلوب هو البداية، وإحياء الإيمان هو الأساس الذي تُبنى عليه كل نهضة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. وقال النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

لقد شهد العالم الإسلامي عبر عقود تحديات فكرية وثقافية وإعلامية كبيرة، كما يرى كثيرون، كان لها أثر في إضعاف التدين لدى بعض الفئات، سواء عبر الواقع أو عبر الفضاء الرقمي. وفي المقابل، فإن العمل الإسلامي نفسه يحتاج إلى مراجعة دائمة لأساليبه، فالعشوائية والارتجال وضعف التخطيط الاستراتيجي لا يصنعان مشروعًا حضاريًا طويل النفس، ولا يضمنان استمرار أثر الدعوة وتطورها بما يواكب تغيرات العصر. وقد رسم القرآن منهج الدعوة الرشيدة بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

كما أن من المؤلم أن تضيع طاقات علمية ودعوية كان يمكن أن تسهم في ترسيخ الفضيلة، وأن يتحول الخلاف حول أساليب الخطاب أو مجالاته إلى سبب في إضعاف حضور الكلمة المؤثرة. فالأمة تحتاج إلى خطاب حكيم، يجمع بين الصدق والعلم، وبين الرحمة والثبات على المبادئ، وبين مراعاة الواقع والتمسك بالقيم. وقد قال رسول الله ﷺ: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا».

ولا يمكن فصل الحديث عن التدين عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي؛ فحين يعاني كثير من الناس من ضيق العيش، وارتفاع تكاليف الحياة، وانخفاض الدخول الفردية، والإقصاء والتهميش في عدد من الأحياء الشعبية، وتفشي الأمية، واستمرار الهدر المدرسي، فإن هذه التحديات تؤثر في الاستقرار النفسي والاجتماعي، وتستدعي سياسات تنموية عادلة تعزز الكرامة والفرص، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. كما أن الشعوب سئمت كثرة الوعود، وأصبحت تنتظر أفعالًا حقيقية تلامس حياتها اليومية وتعيد إليها الأمل.

ويزداد المشهد تعقيدًا عندما تضعف الثقة بين أفراد المجتمع، ويقل الاحترام المتبادل في الواقع وفي وسائل التواصل، حتى أصبح من الصعب أحيانًا أن يُعرف المتدين الحقيقي من غيره؛ لأن التدين ليس مظهرًا، وإنما صدق مع الله، وأمانة، وعدل، ورحمة، وإحسان إلى الناس، ومشاركة إيجابية في إصلاح المجتمع. يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ… أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]. وقال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

إن الأمة التي لا تمتلك أهدافًا كبرى موحدة، ولا رؤية حضارية واضحة، تبقى أسيرة التشتت وردود الأفعال. أما حين تجتمع على العلم، والعمل، والعدل، والوحدة، فإنها تستعيد قدرتها على البناء والعطاء، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. ومن هنا فإن القراءة الواعية، والكتابة الجادة، والإدمان على طلب العلم ونشر المعرفة، ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي من أهم وسائل نهضة الأمة وصناعة مستقبلها. قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وقال أيضًا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. وقال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة».

ومن أجمل المشاهد التي تبعث الأمل أن يستجيب الناس لنداء الأذان، فتُعمر المساجد بالمصلين، فهذا دليل على بقاء جذوة الإيمان في القلوب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18]. غير أن هذا الإيمان يحتاج إلى أن ينعكس في الصدق، والإتقان، والتكافل، والعدل، واحترام الإنسان، وخدمة المجتمع، حتى تصبح العبادة قوة تبني الحضارة ولا تقتصر على أداء الشعائر، فقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].

ويبقى الأمل معقودًا على أن يعمل أصحاب القرار، والعلماء، والمفكرون، والمربون، وسائر أفراد المجتمع، كلٌّ من موقعه، على ترسيخ قيم العدل، وتحقيق المصلحة العامة، وتقوية روابط الأمة، والسعي إلى وحدتها، ومعالجة أسباب الفقر والجهل والتهميش، وإقامة السياسات التي تحقق الكرامة والإنصاف، بما ينسجم مع المرجعية الإسلامية والنظام العام لكل بلد. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170].

فنهضة الأمة لا تبدأ بضجيج الشعارات، وإنما تبدأ حين يعود الإنسان إلى ربه بقلب حي، وعقل واعٍ، وعمل صالح، وإرادة صادقة، فيصبح الدين نورًا يهدي السلوك، والعلم وسيلة للبناء، والأخلاق أساسًا للعمران، فتشرق من جديد شمس الحضارة الإسلامية على واقع أكثر عدلًا ورحمةً وازدهارًا. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]. وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: «خيرُ الناسِ أنفعُهم للناس».