I. العدل والرحمة مقابل الديمقراطية ومزالق الحق المطلق
تستند مشروعية الأنظمة السياسية في الفكر السياسي الإنساني والأنثروبولوجيا المؤسسية إلى مدى قدرتها على تحقيق الاستقرار الاجتماعي وضمان الاستمرارية التاريخية للدولة. وفي هذا السياق، يبرز التمايز الفلسفي بين مفهوم “العدل الجوهري” بكونه الغاية الكبرى للحكم، وبين “الديمقراطية الإجرائية” بكونها مجرد آلة تنظيمية قد تعتريها الاختلالات الوظيفية وتتحول إلى وسيلة للشلل المؤسساتي. لقد اتفق فقهاء السياسة الشرعية وفلاسفة العمران البشري، وفي مقدمتهم ابن خلدون والماوردي وابن تيمية، على أن “العدل أساس الملك”، وأن استدامة العمران مشروطة بغياب الظلم الذي يُعد المؤذن الأول بخراب البلاد وانقطاع الاكتساب واختلال أحوال العباد. وقد أصل ابن تيمية لهذه القاعدة الكونية ببيانه أن سنن الاجتماع البشري تقضي بأن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، مما يجعل العدل متعدياً للأطر الإيديولوجية والأنماط التعبدية نحو النائية التأسيسية لكيان الدولة، كما كتب نظام الملك الطوسي في مؤلفه الشهير “سير الملوك”، “سياست نامة” في تسميته الفارسية الأصلية، بأن “الملك يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم”، وهل هناك ظلم أكبر من حكومة لا تمثل إرادة الناخبين ولا مصلحة الدولة والمجتمع.
وتتجلى هشاشة اختزال الحكم في الآليات الديمقراطية التشاركية عند تفكيك التجربة التاريخية للنماذج الكلاسيكية والحديثة؛ إذ لم تكن الديمقراطية الأثينية في عصرها الذهبي سوى نظام حَكَمَت فيه أقلية مالكة لوسائل الإنتاج والعبيد، حيث جرى استبعاد النساء والأجانب المقيمين (الميتيك) والعبيد الذين شكلوا الكتلة الحيوية للاقتصاد الأثيني والعمليات الإنتاجية؛ حيث قُدّر عدد قليل من يمتلكون حق المشاركة السياسية. وقد انعكس هذا الموقف في الفلسفة الكلاسيكية لدى أفلاطون وأرسطو اللذين هما أيضاً حظرا مشاركة العمال واليد العاملة في إدارة الشأن العام باعتبار العمل اليدوي منافياً للفضيلة السياسية، وهو ما يتناقض مع المفهوم المعاصر للمواطنة الشاملة والمساواة الإنسانية. وفي التجربة الرومانية، تحول مجلس الشيوخ (السيناتو) إلى أداة أوليجاركية لإدارة مصالح طبقة النبلاء والفرسان على حساب عامة الشعب، مما يثبت أن الشكل المؤسسي المسمى “ديمقراطياً” أو “جمهورياً” قد يتحول في الواقع إلى غطاء للصراع الطبقي وتثبيت نفوذ الفئات المهيمنة. كما تنشأ المخاطر البنيوية للديمقراطيات المعاصرة من ظاهرتين رئيسيتين تهددان الاستقرار السياسي:
• استبداد الأغلبية: Tyranny of the Majority، حيث تُوظّف الصناديق الانتخابية والشرعية العددية لفرض سياسات تهمش حقوق الأقليات وتنسف التماسك الاجتماعي تحت ذريعة الغالبية العدية الإجرائية.
• أقلية التعطيل: Blocking Minority، حيث تمتلك اللوبيات وجماعات الضغط المنظمة والمصالح الريعية قدرة حجز المبادرات التشريعية والمشاريع الوطنية الكبرى، مما يدخل الدولة في حالة من الشلل التنفيذي والعجز المؤسسي.
وفي المقابل، فإن المطالبة بالحق المجرد المتجرد من قيمة “الرحمة” المتبادلة بين السلطة والمواطنين قد ينتج نزعات حادية وصارمة؛ إذ يتيح الانغلاق في خطاب “الحق المطلق” للفاعلين السياسيين والاجتماعيين اللجوء إلى أدوات العنف، أو تعطيل السلم الأهلي، أو ابتزاز مؤسسات الدولة بدعوى المظلومية الفردية أو الفئوية، كما هو شأن بعض التنظيمات الحركية والحزبية التي تعيش على المظلومية والشكاوى والغبن السياسي دون أن تنخرط وتشتبك مع الواقع وتتدافع مع الفاعلين فيه، قوى اجتماعية وسلطة حاكمة، جماعة العدل والإحسان وبعض الأحزاب اليسارية الهامشية. ومن ثم، فإن تقديم الرحمة الواقية والعدل الشامل المعتمد على المواطنة الشاملة على الحقوقية الصارمة يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس الرعاية والتضامن بدل الصراع المستمر والتنافر المقيت والإنكار المعطل للإبداع السياسي والفكري ولتطور التجارب السياسية.
II. الديناميات الجيوسياسية العالمية وتحول الدول نحو القوة الإمبراطورية والإقليمية
يكشف الاستقراء التاريخي للتحولات الكبرى في خريطة القوة الدولية أن مراحل تأسيس الدول وانتقالها من النطاق الإقليمي العادي إلى فاعلين إمبراطوريين تتطلب نموذج حكم يتسم بالمرونة الاستراتيجية والسرعة في اتخاذ القرار، بعيداً عن كوابح الديمقراطيات التعددية التقليدية والمنازعات والرهانات الحزبية الضيقة. إن الواقعية السياسية الراهنة توضح أن الدول الصاعدة والمستعادة لنفوذها التاريخي تعتمد عقائد سياسية قائمة على القيادة التنفيذية القوية والسيادة التكنولوجية والعسكرية.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية، أدى بروز الاتجاهات المحافظة والرؤى الاستراتيجية القائمة على القوة الصلبة وإعادة تعريف المصلحة القومية إلى تراجع الأيديولوجيات الليبرالية التبشيرية لصالح التمدد الإمبراطوري الاقتصادي والعسكري وحماية الحدود الاستراتيجية عبر أدوات تنفيذية حاسمة. وفي المقابل، يعتمد صعود الصين كقوة عالمية مهيمنة وبعث روسيا لقوتها الجيوسياسية على نموذج “المركزية القيادية” و”الديمقراطية السيادية”، حيث تسخر المؤسسات الدستورية لخدمة الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد للقيادة العليا، مما يمنح هذه الدول قدرة عالية على المناورة والمبادرة السريعة في الأزمات الدولية والإقليمية.
كما تتجه القوى الإقليمية الصاعدة (مثل تركيا، إيران، الهند، باكستان، السعودية، الإمارات، والمغرب) بنحو متزايد نحو تركيز السلطات التنفيذية وتجاوز النموذج البرلماني التقليدي المفكك لصالح أنظمة رئاسية أو ملكية تنفيذية قوية. وتتيح هذه الأنظمة إنجاز المبادرات الضخمة في مجالات التصنيع الحربي، ومشاريع البنية التحتية، وإعادة رسم التحالفات الدولية وتحقيق الرفاهية الاجتماعية. يشير هذا التحول العالمي إلى أن التعددية الحزبية التقليدية والتعاطي مع الدساتير بمفاهيمها الشكلية المترتبة عن حقبة الغرب الليبرالي في القرن العشرين أصبحت في كثير من الأحيان تشكل عائقاً أمام بناء القوة الوطنية وتحقيق التفوق الجيوسياسي، حيث يتطلب المرور بالمراحل المفصلية تركيز القرار الاستراتيجي في نواة صلبة تمتلك الرؤية الشاملة للشرعية التاريخية والمجد الحضاري.
III. النموذج المغربي: ربع قرن من التحول الراديكالي وهيكلة القوة الصاعدة
تخوض بلادنا منذ تولّي الملك محمد السادس الحكم عام 1999 عملية تحول هيكلي وراديكالي شملت أبعاد الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية والترابية، لتنتقل من إطار الدولة الإقليمية التقليدية إلى فاعل أطلسي وقاري يمتلك مقومات التأثير الإمبراطوري في محيطه الجيوسياسي.
1. العقيدة الأمنية والعسكرية والتصنيع الحربي
أحدثت بلادنا نقلة نوعية في عقيدتها القتالية والميدانية للجيش الملكي عبر الجمع بين التخطيط الاستراتيجي النوعي وتوطين التكنولوجيا الدفاعية. وتمثلت اللبنة التشريعية الأساسية لهذا التحول في صدور القانون رقم 10.20 المتعلق بعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة (الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.70)، والملحق بمرسومه التنفيذي رقم 2.21.405، والذي وضع الإطار القانوني لإقامة صناعة عسكرية وطنية مستقلة ومستدامة. وينص القانون رقم 10.20 على إحداث اللجنة الوطنية لعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة برئاسة إدارة الدفاع الوطني ومشاركة القطاعات الوزارية (الداخلية، الخارجية، المالية، التجارة والصناعة) وممثلين عن القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، وإدارة الجمارك18. وتستهدف هذه المنظومة التشريعية والمؤسساتية تحقيق الغايات التالية:
• تصنيف العتاد العسكري والأمني: تقسيم المعدات والأسلحة إلى ثلاث فئات رئيسية؛ تشمل الفئة (أ) عتاد الحرب والأسلحة النارية والذخيرة والطائرات المسيرة (Drones) والسفن الحربية وأنظمة المراقبة والرصد الفضائي والأنظمة المعلوماتية العسكرية، وتختص الفئة (ب) بأسلحة ومعدات حفظ النظام والأمن الداخلي، بينما تعنى الفئة (ج) بأسلحة الصيد والرياضة والأسلحة التقليدية.
• تراخيص التصنيع والبحث والتطوير: منح تراخيص التصنيع لمدة تصل إلى 10 سنوات قابلة للتجديد لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي الشريك، مع إدماج أنشطة البحث والتطوير الهندسي في الحقل الدفاعي.
• اشتراط السيادة الوطنية: اشتراط أن تكون أغلبية رأس المال مملوكة لمغاربة في الشركات الحاصلة على تراخيص التصنيع لضمان تأطير الدولة ومراقبتها الشديدة للقطاع الحساس.
• آلية التعويض الصناعي: Industrial Offset، اعتماد المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية لتفعيل التعويض الصناعي، مما يلزم الشركات الأجنبية الموردة للسلاح بنقل التكنولوجيا، وإنجاز استثمارات مباشرة داخل المملكة، وتطوير سلاسل التوريد المحلية في مجالات الصيانة والتطوير.
2. العمق الجيوسياسي والدبلوماسية الأطلسية
استكمل المغرب استراتيجيته القارية عبر إطلاق المبادرة الأطلسية كمشروع جيو-اقتصادي واستراتيجي يهدف إلى تمكين دول الساحل الأفريقي غير المطلة على البحر (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، وتشاد) من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الشبكة اللوجستية والموانئ المغربية. وتتكامل هذه المبادرة مع مشاريع هيكلية كبرى تضم:
• ميناء الداخلة الأطلسي: المنصة اللوجستية البحرية المتقدمة المصممة لربط العمق الأفريقي بالأسواق العالمية والتجارة البحرية الدولية.
• أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب: الممتد على طول 5600 كيلومتر لضمان الأمن الطاقي لـ 13 دولة أفريقية وتعزيز التكامل الاقتصادي القاري بتكلفة تبدأ بـ 25 مليار دولار.
• تثبيت السيادة الترابية: حسم ملف الصحراء المغربية عبر المقترح المتقدم للحكم الذاتي، والتنزيل الميداني للجهوية الموسعة، وتوظيف الدبلوماسية التنموية لتعزيز الشرعية التاريخية والترابية.
IV. الدولة الاجتماعية كركيزة للسلم الاجتماعي واستدامة الاستقرار
بالموازاة مع الصعود الجيوسياسي الخارجي، تبنت بلادنا مفهوم “الدولة الاجتماعية” لإرساء قواعد الاستقرار الداخلي وحماية المواطنين من الهشاشة الاقتصادية وتوحش الفاعلين الماليين. وقد تجسد ذلك في التنزيل التاريخي لبرنامج الدعم الاجتماعي المباشر عبر السجل الاجتماعي الموحد. وتوضح المؤشرات الرقمية الميزانياتية حجم هذا المجهود الوطني للتضامن الاجتماعي:
• الميزانية المخصصة والنمو التراكمي: خصصت الحكومة 26.5 مليار درهم لسنة 2025، تتصاعد لتصل إلى 29 مليار درهم بحلول عام 2026، حيث بلغ الغلاف المالي التراكمي المصروف منذ انطلاق البرنامج في ديسمبر 2023 وحتى نهاية 2025 نحو 51 مليار درهم (ما يعادل تقريباً 2% من الناتج الداخلي الخام).
• قاعدة المستفيدين الشاملة: توفير دعم مالي منتظم لنحو 3.9 إلى 4 ملايين أسرة مغربية، مما يغطي أكثر من 12.5 مليون مواطن على الصعيد الوطني.
• حماية الأطفال والأسرة: استحواذ الإعانات الموجهة للحماية من مخاطر الطفولة على الكتلة الكبرى من الميزانية بـ 32.7 مليار درهم (64.2% من المجموع التراكمي)، مما مكن من دعم نحو 5.5 ملايين طفل.
• الإعانات الجزافية ورعاية المسنين: خصص مبلغ 18.2 مليار درهم للإعانات الجزافية المستفيدة منها 1.47 مليون أسرة، تشمل حماية زهاء 1.7 مليون شخص مسن فوق سن الستين من مخاطر الشيخوخة والفقر.
• العدالة المجالية والاجتماعية: استهداف الفئات الهشة بدقة عالية؛ حيث وُجّه 84% من مجموع الدعم لفائدة 30% من الساكنة الأكثر هشاشة وفقراً، فيما ينتمي 60% من المستفيدين إلى الوسط القروي والمناطق النامية.
V. “الملكية التنفيذية” ومؤسسة “الديوان الملكي” مقابل أزمة النخب التقليدية
يكشف التحليل المؤسسي للنظام السياسي المغربي عن معالم نموذج حوكمة فريد يُعرف بـ “الملكية التنفيذية”، حيث تشكل المؤسسة الملكية المحرك الأساسي لمشاريع الدولة الاستراتيجية والضامن الأساسي للسيادة والاستمرار التاريخي.
تستند الملكية التنفيذية في بلادنا إلى ثنائية مؤسساتية في التدبير التنفيذي:
• مؤسسة “الديوان الملكي”: تُعد بمثابة الحكومة التنفيذية الاستراتيجية الحقيقية غير المنتخبة مباشرة، وتضطلع بإعداد السياسات العمومية الكبرى، وإدارة الملفات السيادية والتنموية (المؤسسة العسكرية، الأمن والاستخبارات، الدبلوماسية الدولية، المبادرات الأطلسية، والمشاريع الاقتصادية الاستراتيجية كمجموعات المدى)، حيث تضمن هذه المؤسسة ثبات الخط الاستراتيجي للدولة وسلامة الانتقال المؤسسي بعيداً عن تقلبات نتائج الاقتراع والتجاذبات الحزبية الضيقة.
• الحكومة المنتخبة: يتركز دورها بحسب واقع الممارسة والفاعلية في تصريف الأعمال العامة واليومية، وتنفيذ الإستراتيجيات المحددة من طرف المؤسسة الملكية، وتدبير الخدمات العمومية الإدارية والمحلية.
وتظهر مخرجات العلوم السياسية في بلادنا أن الأحزاب السياسية والنخب المعتقدة بالأنماط التقليدية قد أصابها عطب بنيوي منعها من مواكبة التحول الجيوسياسي المتقدم للدولة. وقد تحول جزء كبير من هذه النخب، سواء من داخل الأحزاب أو من المغادرين لها، إلى تشكيلات ضغط ولوبيات تستهدف الابتزاز المالي والإعلامي للوصول إلى مواقع النفوذ والسيطرة على منافع العهد الجديد القادم دون امتلاك مشاريع واقعية أو المساهمة في البناء التنموي. يتجلى هذا الانحراف النخبوي في الأبعاد التالية:
• الاستهلاك الكلامي والترف الفكري: إعادة إنتاج شعارات حداثية وعلمانية أو إيديولوجية قديمة لا تتناسب مع المتطلبات الميدانية لبناء قوة الدولة ونهضتها الاقتصادية والعسكرية.
• الابتزاز الإعلامي والتجييش الرقمي: الاستغلال السياسوي للمنابر الرقمية والصالونات المغلقة لمحاولة إقناع القصر بكونهم البديل عن المؤسسات الحزبية، سعياً لتحقيق المكاسب الشخصية والامتيازات دون التوجه مباشرة للواقع للاشتباك والتفاعل معه، مع اقتراب المواعيد الانتخابية التشريعية.
• التداخل والمسخ الوظيفي: تحول الإعلامي إلى سياسي براغماتي، والسياسي إلى بائع خدمات ومقاول، والحقوقي إلى ممارس للابتزاز المؤسساتي، والمثقف إلى متكسب بالأفكار الشعاراتية.
تفرض متطلبات المرحلة الجارية القطع الحاسم مع هذه النخب المعطلة للإصلاح، والرهان الاستراتيجي على “نخبة وطنية جديدة” قائمة على الكفاءة، والنزاهة، والقدرة الميدانية على الإنجاز. إن استكمال تحول بلادنا نحو دولة إقليمية صاعدة وضمان الانتقال السلس والمستقر للحكم إلى ولي العهد الأمير الحسن (في أفق عهد الملك الحسن الثالث) يتطلب نسيجاً تنفيذياً متكاملاً يتشكل من رجالات الدولة ومستشاري الملك الذين يملكون الخبرات الممتدة لعقود، إلى جانب الطاقات الوطنية القادرة على أجرأة الرؤية الملكية الاستشرافية.
ونقترح في هذا المقال توجيه النقاش الفكري والعلمي والسياسي نحو قضايا راهنة تقع في صلب فلسفة الحكم وإعادة هيكلة الدولة من أجل تصويب المسار، ومن بينها:
• أسبقية العدل الشامل والاستقرار على الأشكال الإجرائية: إن العدل الشامل والرحمة التضامنية هما الأساس الكوني لبناء العمران واستمرار المُلك، بينما قد تتحول الديمقراطية التمثيلية الكلاسيكية إلى وسيلة لتعطيل الدولة أو إنتاج أغلبيات مستبدة أو مصطنعة تعوق التمدد الإقليمي والنهوض الحضاري.
• ضرورة القيادة التنفيذية المباشرة في مراحل الانتقال: أثبتت التحولات الجيوسياسية العالمية أن بناء القوة الوطنية يتطلب قيادة تنفيذية مركزية قادرة على اتخاذ القرار الاستراتيجي السريع وإدارة المشاريع العابرة للسنوات والأحقاب.
• الترسيخ المؤسسي لـ “الملكية التنفيذية”: اعتماد نموذج تنظيم مؤسساتي ينيط بالديوان الملكي صياغة القيادة الاستراتيجية للدولة في الأمن والدفاع والدبلوماسية والاستثمار الكبير في العمران الإنسان والمادي، بينما تركز الحكومة المنتخبة على تصريف الخدمة العمومية وتنزيل السياسات الفرعية.
• تطهير المشهد السياسي وبناء نخبة الإنجاز: الحسم مع ظاهرة الابتزاز النخبوي والإعلامي، والاستغناء عن الخطابات الحزبية التقليدية المتقادمة لصالح تشكيل نخبة وطنية كفأة و”تكنوسياسية” تمتلك الالتزام والنزاهة لمرافقة مسار التنمية المستدامة والانتقال السلس والمستقر للحكم، مما سيوفر للدولة البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدستورية القوية والمناسبة للنهوض بمهامها العليا، استقرار المؤسسات وسعادة الإنسان ورسوخ القيم والعمران الحضاري.
إن هناك اتفاقا على أن استحقاقات 2026 والمشاريع المهيكلة المرتبطة بها (المونديال، الانتقال الطاقي، التموقع القاري، الحكم الذاتي، التعديل الدستوري، والدولة الاجتماعية، وانتقال الحكم)، قد تبرر اللجوء إلى “حكومة إنقاذ أو كفاءات وطنية” عليا، “نخبة تكنوسياسية”، تعلو فوق التجاذبات الحزبية الضيقة التي أفرزت ظاهرة “البلوكاج” الحكومي الشهيرة عام 2016، وتنهي تجربة حكومة “العدوان الثلاثي” التي ولدت في “حاضنات اصطناعية” عام 2021. وينص الفصل (47) من دستور 2011 على أن يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. غير أن الممارسة الدستورية والسياسية، وتجربة إعفاء بنكيران واستخدام الملك للفصل (47) لتعيين العثماني، تفتح الباب واسعا أمام اجتهادات وتأويلات دستورية. ففي حال أفرزت صناديق الاقتراع خريطة مبلقنة أو عجز الحزب المتصدر عن تشكيل ائتلاف منسجم وقوي خلال المدة المعقولة، قد يتم استدعاء مقتضيات الفصل (42) من الدستور، الذي يجعل الملك ضامنا لدوام الدولة واستمرارها والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات.
في هذا السيناريو الاستثنائي، يبرز بقوة اسم فؤاد عالي الهمة، مستشار الملك وأحد أهم رجالات الدولة والصانع الخفي للعديد من التوازنات السياسية منذ 2007 على الأقل. إن ترؤس شخصية سيادية بحجم الهمة للحكومة، أو إشرافه المباشر على هندستها من موقع قوة، سيعني خروجا تكتيكيا عن المنهجية الديمقراطية الانتخابية الشكلية الصرفة (كما حدث في 2002 مع إدريس جطو)، لصالح حكومة تنفيذية دستورية سيادية صارمة، تضمن تنزيل الرؤية الملكية والمشاريع الكبرى المهيكلة بسرعة وفعالية تليق باللحظة التاريخية، فيما ستتولى حكومة صناديق الاقتراع تدبير الشؤون اليومية وتوفير الوسائل والإمكانات المالية واللوجستية والقانونية لتنزيل هذه المشاريع.