فوزي لقجع.. من التكنوقراطي إلى الفاعل السياسي: هل تقود الكفاءة مشروع “حكومة المونديال”؟
وجهة نظر

فوزي لقجع.. من التكنوقراطي إلى الفاعل السياسي: هل تقود الكفاءة مشروع “حكومة المونديال”؟

ليست السياسة في كل الأحوال امتدادً طبيعيا للمسار الحزبي كما أن الوصول إلى مراكز القرار لا يمر دائما عبر بوابة العمل السياسي التقليدي. فقد أثبتت تجارب عديدة داخل المغرب وخارجه أن الإدارة العمومية أفرزت شخصيات استطاعت أن تنتقل من فضاء التدبير التقني إلى فضاء الفعل السياسي مستندة إلى رصيد من الكفاءة والخبرة أكثر مما استندت إلى الخطابة أو الحضور الحزبي، ومن هذا المنطلق يفرض اسم فوزي لقجع نفسه اليوم باعتباره أحد أكثر الأسماء إثارة للنقاش في المشهد العمومي المغربي ليس بسبب المناصب التي يشغلها فحسب، وإنما بالنظر إلى طبيعة التحول الذي يطبع مساره وإلى الأسئلة التي يثيرها حول مستقبل النخبة التي قد تقود المرحلة المقبلة.

ولعل ما يمنح هذا النقاش راهنيته أن المغرب يقف على أعتاب مرحلة استثنائية ستتداخل فيها رهانات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي مع الاستحقاقات التي همت تنظيم كأس الأمم الإفريقية سنة 2025 والتي يمكن اعتبارها افضل نسخة مرت في هذه المنافسة بشهادة كل المؤسسات الرياضية قاريا ودوليا،  ثم احتضان نهائيات كأس العالم 2030 وهي محطة غير مسبوقة في التاريخ الوطني، لذلك لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بمن سيفوز بالانتخابات المقبلة وإنما بمن يمتلك القدرة على تدبير مرحلة دقيقة تتطلب كفاءة إدارية ورؤية استراتيجية، وحضوراً دوليا إلى جانب الشرعية السياسية.

فحين يستحضر اسم فوزي لقجع في هذا السياق فإن الأمر لا يتعلق بشخصية صنعت حضورها من خلال الممارسة الحزبية بل بمسؤول راكم تجربة طويلة داخل الإدارة المالية للدولة قبل أن يتحول إلى أحد أبرز الوجوه المؤثرة في تدبير الشأن العام، فقد بدأ مساره المهني داخل وزارة الاقتصاد والمالية متدرجا في عدد من المسؤوليات المرتبطة بتدبير المالية العمومية إلى أن تولى مديرية الميزانية وهي من أكثر المواقع حساسية داخل الجهاز التنفيذي قبل أن يعين وزيرا منتدبا مكلفا بالميزانية حيث أصبح من الوجوه الرئيسة في إعداد السياسات المالية وتتبع تنفيذها.

غير أن شهرة الرجل لم تُبن داخل مكاتب وزارة المالية وحدها بل امتدت إلى المجال الرياضي الذي تحول خلال العقد الأخير إلى أحد أبرز عناصر القوة الناعمة للمغرب، فمنذ انتخابه رئيسا لنادي نهضة بركان سنة 2009 دخل الفريق مرحلة مختلفة تماماً عما كان عليه في السابق، كان النادي حينها ينشط في أقسام الهواة ويعاني محدودية الإمكانات غير أن سنوات قليلة كانت كافية لينتقل إلى مصاف الأندية الوطنية والقارية محققا ألقابا محلية وإفريقية جعلته نموذجاً في التدبير الرياضي الحديث.

غير أن التحول الأكبر بدأ سنة 2014 مع انتخاب لقجع رئيسا للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم حيث انطلقت عملية إعادة هيكلة شاملة للمنظومة الكروية شملت الحكامة والتكوين، والبنية التحتية، ولم تكن النتائج مجرد مؤشرات إدارية بل ترجمتها إنجازات ميدانية غير مسبوقةسواء على مستوى المنتخبات الوطنية أو الأندية المغربية أو المكانة التي أصبح يحتلها المغرب داخل المؤسسات الرياضية القارية والدولية.

وعليه، فقد تحول المنتخب الوطني من فريق يطمح إلى مجرد التأهل إلى المنافسات الكبرى إلى منتخب ينافس على أعلى المستويات وكان الإنجاز التاريخي في كأس العالم بقطر سنة 2022 عندما بلغ نصف النهائي لحظة مفصلية في تاريخ الرياضة الوطنية، بعدما أصبح المغرب أول بلد عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، كما واصلت المنتخبات السنية وكرة القدم النسوية وكرة القدم داخل القاعة تحقيق نتائج نوعية في وقت ارتفع فيه حضور الأندية المغربية قاريا وتعززت مكانة البطولة الاحترافية ضمن أفضل الدوريات الإفريقية.

في موازاة ذلك، استطاع المغرب أن يكسب رهانات تنظيمية كبرى أبرزها الفوز باستضافة كأس الأمم الإفريقية 2025 ثم المشاركة في تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال وهو مشروع لم يكن ليتحقق لولا عمل دبلوماسي ورياضي طويل أسهمت فيه مؤسسات الدولة تحت القيادة الشريفة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى جانب الجامعة الملكية لكرة القدم التي أصبحت فاعلا مؤثرا داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم.

كل هذه المؤشرات جعلت اسم لقجع يتجاوز المجال الرياضي ليصبح مرتبطا بنموذج في التدبير يقوم على التخطيط، وتتبع التنفيذ وربط المسؤولية بالنتائج، وهو ما يفسر انتقال النقاش خلال الأشهر الأخيرة من الحديث عن نجاحاته الإدارية إلى التساؤل حول إمكانية حضوره في قلب المعادلة السياسية.

وقد زاد من حضور هذا النقاش ما راج بشأن التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة مع تداول معطيات تفيد بإمكانية ترشحه للاستحقاقات التشريعية المقبلة بدائرة بركان، غير أن هذه المعطيات إلى حدود كتابة هذه السطور لم يصدر بشأنها إعلان رسمي من الحزب أو من المعني بالأمر الشيء الذي يقتضي التعامل معها باعتبارها مؤشرات متداولة في الساحة السياسية لا حقائق نهائية يمكن البناء عليها.

ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذا السيناريو يعكس تحولات عميقة تعرفها الحياة السياسية المغربية حيث أصبح النقاش يدور حول الحاجة إلى كفاءات قادرة على الجمع بين الخبرة التقنية والقدرة على التدبير السياسي، ذلك أن التحديات المقبلة لن تكون مرتبطة فقط بتدبير الملفات اليومية بل ستتطلب قيادة مشاريع وطنية كبرى تستوجب تنسيقا بين مختلف القطاعات وقدرة على استثمار الفرص الاقتصادية والدبلوماسية التي يتيحها تنظيم كأس العالم.

على غرار ذلك، ومن الناحية الدستورية يظل الإطار المنظم لتعيين رئيس الحكومة واضحا إذ ينص الفصل 47 من دستور المملكة لسنة 2011 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، غير أن النص الدستوري لا يحدد أن يكون المعين هو الأمين العام للحزب وهو ما جعل الممارسة السياسية خلال السنوات الماضية ترتبط بعرف أكثر من ارتباطها بإلزام دستوري.

ومن هنا، يبرز سؤال مشروع: هل يمكن أن تفرض طبيعة المرحلة المقبلة مراجعة هذا العرف إذا ما أفرزت الانتخابات أغلبية تقودها شخصية تجمع بين الشرعية الانتخابية والكفاءة التدبيرية؟ إنه سؤال يظل مفتوحاً لأن الجواب عنه رهين بنتائج صناديق الاقتراع أولا ثم بالتوازنات السياسية والدستورية التي ستتشكل بعدها.

وبعيدا عن منطق التوقعات يبدو أن التجربة المغربية تتجه تدريجيا نحو إعادة الاعتبار للكفاءة باعتبارها أحد عناصر الشرعية في تدبير الشأن العام، وإذا كان العمل الحزبي يظل أساسا لا غنى عنه في النظام الديمقراطي فإن التحولات الاقتصادية والمؤسساتية الكبرى تجعل الحاجة قائمة أيضا إلى شخصيات قادرة على الانتقال من مستوى التشخيص إلى مستوى الإنجاز ومن منطق تدبير الملفات إلى منطق صناعة المشاريع الوطنية.

في نهاية المطاف، لا يتعلق النقاش بشخص فوزي لقجع وحده، بقدر ما يتعلق بالسؤال الأوسع الذي يطرحه تطور الدولة المغربية: هل تستطيع النخب التكنوقراطية أن تتحول إلى نخب سياسية دون أن تفقد خصوصية الكفاءة التي صنعت مشروعيتها؟ وهل ستكون مرحلة “المونديال” مناسبة لظهور نموذج جديد في القيادة العمومية، يقوم على الجمع بين المشروعية الديمقراطية والنجاعة التدبيرية؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لن تصنعها التحليلات ولا التوقعات وإنما ستصنعها الوقائع كما ستحددها صناديق الاقتراع والتوازنات الدستورية ثم قدرة الفاعلين السياسيين على استيعاب أن رهانات المرحلة المقبلة تختلف، في طبيعتها وحجمها، عن كل ما سبقها.

تعليقات الزوار