يتنامى في النقاش العمومي شعورٌ بأنّ العملية السياسية لم تعد تُدار داخل فضاء الاختيار الشعبي، بل داخل فضاءٍ سابق عليه. إنّ ترديد اسمٍ معيّن لرئاسة الحكومة قبل الاقتراع ليس مجرّد تداول إعلامي، بل هو إنتاجٌ لنسقٍ تُصنع فيه النتائج قبل أن تُصنع الأسباب، وتُحدَّد فيه المواقع قبل أن تُحدَّد الإرادة الشعبية. هكذا يتشكّل إحساسٌ جماعي بأنّ التصويت فقد وظيفته الأصلية، وأنّ العملية الانتخابية تحوّلت إلى طقسٍ يُبارك قراراً صيغ مسبقاً.
العبارة الشعبية “إوا بلا منصوتو” ليست مجرد تذمّر، بل هي تعبير عن انهيار العلاقة بين الفعل السياسي ومعناه. حين يشعر المواطن بأنّ صوته لا ينتج أثراً، فإنّ المعنى نفسه يتفكّك، وتصبح الانتخابات مجرّد إجراءٍ بلا وظيفة ديمقراطية أو تأثير فعلي.
في هذا السياق، يظهر الترحال السياسي البراغماتي الانتهازي الوصولي بوصفه آليةً تُفرغ النسق السياسي من اتساقه الداخلي. فإذا كان السياسي ينتقل بين المواقع وفق منطق المصلحة لا منطق الالتزام، فإنّ البنية السياسية تتحوّل من “اختيار” إلى “اصطفاف”، ومن “قرار شعبي” إلى “ترتيب مسبق”. وحين يتحرّك السياسي قبل الاقتراع كما لو أنّ النتائج محسومة، يصبح السؤال الشعبي مشروعاً: ما جدوى التصويت إذا كانت المواقع تُحسم قبل أن تُفتح الصناديق؟
وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسم فوزي لقجع بوصفه مثالاً على هذا التداخل بين الرمزي والسياسي. فالدفاع المستمر عنه بدعوى إنجازاته الرياضية يجعل بعض المواطنين يشعرون بأنّ الشعبية الرياضية تُستعمل كجسرٍ سياسي، وأنّ الإنجاز الرياضي يُحوَّل إلى رأسمال انتخابي قبل أن تبدأ الحملة. هنا يطرح المواطن سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام تقييم سياسي حقيقي، أم أمام امتداد لاحتفالات المونديال؟
غير أنّ انضمام لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة يضيف طبقةً جديدة إلى هذا النقاش، إذ يُقرأ لدى بعض المتابعين باعتباره محاولة لاستثمار الشعبية التي اكتسبها الرجل في مجال كرة القدم، وتحويلها إلى رصيد انتخابي جاهز. هذا التصوّر يجد صداه لدى فئة من المتعاملين مع السياسة بمنطق “الترقّب الاستراتيجي”، الذين يترقّبون إشارات السلطة لتحديد اتجاهات الاصطفاف، سواء كانوا مرشحين يبحثون عن مواقع مضمونة أو ناخبين يفضّلون السير مع التيار الغالب. غير أنّ هذا التوظيف الرمزي قد ينتج أثراً عكسياً لدى شرائح واسعة من الناخبين، خصوصاً في مناطق الهامش، حيث تُقرأ هذه الوجوه باعتبارها امتداداً لـ “المنتوجات السلطوية”، مما قد يدفع إلى ردّ فعل احتجاجي يتخذ شكل مقاطعة أو تصويت عقابي لصالح حزب العدالة والتنمية الذي بنى جزءاً من خطابه على مواجهة هذا النوع من التموقعات.
وفي مقابل هذه القراءة، يبرز رأي آخر يعتبر أنّ الأحزاب تبحث أساساً عن “لاعبين انتخابيين” قادرين على رفع عدد المقاعد، وأنّ مرحلة ما بعد الاقتراع هي التي تُدار فيها مفاوضات توزيع المواقع، لا مرحلة ما قبل التصويت. وضمن هذا المنطق، يصبح حضور لقجع ورقةً تفاوضية لاحقة على الانتخابات أكثر منه ورقةً انتخابية سابقة لها، مما يعيد طرح السؤال المركزي: أين تُصنع النتائج؟ في الصندوق أم في ما قبله؟
بهذا المعنى، يصبح السؤال أكبر من اسمٍ واحد أو حزبٍ واحد: هل نحن أمام انتخابات تُصنع نتائجها في صناديق الاقتراع، أم أمام مشهد سياسي تُصنع نتائجه قبل أن تُفتح هذه الصناديق؟ وهل يمكن لنسقٍ يقوم على الترحال البراغماتي الانتهازي الوصولي أن ينتج ثقة سياسية، أم أنّه يعمّق العزوف ويجعل المواطن يشعر بأنّ مشاركته لا وزن لها؟
إنّ إعادة بناء الثقة ليست مسألة تقنية، بل مسألة سياسية عميقة: إعادة وصل الفعل السياسي بمعناه، وربط الاختيار الشعبي بنتائجه، وإعادة الاعتبار لصندوق الاقتراع بوصفه فضاءً لإنتاج القرار لا لتزكية قرارٍ صيغ مسبقاً.