وجهة نظر

فوزي لقجع بين نجاح جامعة كرة القدم  وحصيلة الحكومة

لا يستقيم تقييم أي مسؤول يتولى أكثر من موقع إذا جرى التعامل مع مساره باعتباره تجربة واحدة. فاختلاف المهام يفرض اختلاف معايير الحكم، لأن طبيعة المسؤولية وأهدافها ووسائلها تتبدل من مؤسسة إلى أخرى. لذلك تقتضي القراءة الموضوعية التمييز بين تجربة فوزي لقجع في رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وتجربته وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية. هذا التمييز لا يمنح امتيازاً لأحد، ولا يعفي أحداً من المساءلة، وإنما يضع كل تجربة في إطارها الصحيح حتى يستند التقييم إلى الوقائع بدل الانطباعات.

لم يعرف قطاع كرة القدم في المغرب التحول الذي شهده خلال العقدين الأخيرين نتيجة مبادرات متفرقة أو اجتهادات فردية، وإنما جاء ثمرة رؤية ملكية متبصرة جعلت الرياضة إحدى ركائز المشروع التنموي الوطني. فقد أدرك جلالة الملك محمد السادس منذ وقت مبكر أن الرياضة تمتلك أدواراً استراتيجية في تعزيز القوة الناعمة، وترسيخ الحضور الدولي، وتحفيز الاستثمار والسياحة وخلق فرص الشغل، إلى جانب إسهامها في توطيد الشعور الوطني وإبراز صورة المغرب باعتباره بلداً قادراً على تنظيم أكبر التظاهرات العالمية.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، انخرط المغرب في ورش متكامل شمل بناء وتجهيز الملاعب وفق المعايير الدولية، وإحداث مراكز تكوين حديثة، وتأهيل الأندية، وتطوير حكامة الجامعة، والارتقاء بكرة القدم النسوية، وتوسيع قاعدة الممارسة، وتعزيز الحضور المغربي داخل الهيئات الرياضية القارية والدولية.  تعكس الإنجازات التي تحققت مساراً إصلاحياً طويلاً حظي بمتابعة ملكية مباشرة، وقادته إرادة ثابتة رسخت مكانة الرياضة ضمن الخيارات الاستراتيجية للمملكة، حتى غدت رافعة للتنمية والإشعاع الدولي .   

     أوكلت إلى فوزي لقجع مهمة ترجمة هذه الرؤية إلى برامج ومشاريع عملية على المستوى المؤسساتي والتنظيمي، فانصرف إلى تنفيذها عبر قرارات تنظيمية ومالية متتابعة.   فارتفع مستوى الاحتراف، وتحسنت أوضاع مراكز التكوين، وازدادت قدرة المغرب على احتضان المنافسات القارية والدولية، وحقق المنتخبان الوطنيان، رجالاً ونساءً، نتائج غير مسبوقة قارياً وعالمياً. كما رسخ المغرب حضوره داخل المؤسسات الرياضية الدولية، وتوج هذا المسار بالحصول على شرف تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو إنجاز يعكس الثقة الدولية التي أصبحت تحظى بها المملكة في مجال التنظيم والتدبير.

هذه النتائج منحت لقجع رصيداً معنوياً كبيراً لدى فئة واسعة من المغاربة. فارتبط اسمه بنجاح مشروع رياضي حقق قفزة نوعية، وتكونت لدى الرأي العام صورة مسؤول يمتلك القدرة على التدبير والمتابعة والحسم. غير أن هذا الرصيد ارتبط أساساً بقدرته على تنزيل رؤية استراتيجية للدولة، أكثر مما ارتبط بجهد فردي معزول عن السياق الذي أفرزه.

غير أن الانتقال إلى موقع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية يفرض معياراً مختلفاً تماماً. فالرياضة قطاع محدد بأهداف واضحة، أما المالية العمومية فتتصل مباشرة بمعيش المواطنين وبالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة. هنا تتداخل ملفات الأسعار والدعم والاستثمار العمومي والسياسات الاجتماعية والإصلاحات الهيكلية، وتصبح آثار القرار أكثر اتساعاً وأشد حساسية.

الحكومة الحالية تواجه انتقادات متواصلة بسبب الغلاء وتراجع القدرة الشرائية واستمرار اختلالات التعليم والصحة والسكن. هذه القضايا حضرت بقوة في النقاش العمومي، وأصبحت مادة دائمة في خطاب المعارضة والنقابات وجزء من الرأي العام. لذلك ارتبط اسم لقجع أيضاً بهذه الانتقادات، بحكم مسؤوليته عن الميزانية التي تمنح البرامج الحكومية مواردها المالية وتحدد أولويات الإنفاق.

هذا الربط ينسجم مع مبدأ المسؤولية السياسية، لأن الوزير يتحمل مسؤولية القرارات التي تدخل ضمن اختصاصه، كما يتحمل مسؤولية التضامن مع التوجه العام للحكومة. لذلك يحق للرأي العام مساءلته عن الاختيارات المالية وآثارها الاجتماعية، كما يحق له مساءلة رئيس الحكومة وبقية الوزراء عن الحصيلة العامة.

مع ذلك، لا تسمح القراءة الموضوعية بتحويل وزير الميزانية إلى المسؤول الوحيد عن حصيلة حكومة كاملة. فتدبير الشأن العام يقوم على مسؤوليات متشابكة تتقاسمها قطاعات متعددة، ويخضع لتوازنات سياسية واقتصادية وتشريعية وإدارية. لذلك يفتقر تحميل شخص واحد نتائج تجربة حكومية كاملة إلى الدقة، مثلما يفتقر نقل نجاح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى الأداء الحكومي إلى الأساس نفسه.

الخلط بين الوظيفتين صنع مفارقة لافتة. فهناك من يستند إلى نجاح لقجع في الجامعة ليستنتج نجاحه السياسي بصورة تلقائية، وهناك من يستند إلى الانتقادات الموجهة للحكومة ليهدم رصيده الرياضي بالكامل. كلا الموقفين يغادر الوقائع إلى تعميمات لا تساعد على فهم التجربة.

التحليل الرصين يوزع المسؤولية بحسب طبيعة المنصب. فرئاسة الجامعة تخضع لمؤشرات رياضية وتنظيمية واستثمارية واضحة، وقد أفرزت نتائج ملموسة يسهل قياسها. أما وزارة الميزانية فتخضع لمؤشرات اقتصادية واجتماعية وسياسية أكثر تعقيداً، وتتحدد حصيلتها ضمن عمل حكومي جماعي تتداخل فيه مسؤوليات مختلف القطاعات.

يكشف مسار فوزي لقجع عن تجربة تختلف عن المسارات السياسية التقليدية. لأنه راكم خبرته داخل مؤسسات الدولة في مجالات المالية والإدارة والرياضة قبل أن يتحول إلى أحد أبرز الأسماء الحاضرة في النقاش العمومي. وهذا المسار يفسر حجم الاهتمام الذي يثيره، سواء من المؤيدين أو من المنتقدين، لأن حضوره ارتبط بملفات ذات أثر مباشر في صورة الدولة وفي الحياة اليومية للمواطنين.

المستقبل السياسي لأي شخصية عامة لا تحدده الإنجازات السابقة وحدها، كما لا تصنعه الانتقادات وحدها. فالمواطن يبحث عن حصيلة متوازنة تجمع الكفاءة والقدرة على تحسين شروط العيش. لذلك يظل نجاح فوزي لقجع في قيادة الجامعة حقيقة تؤكدها مؤشرات رياضية وتنظيمية واضحة، بينما تظل حصيلة الحكومة موضوع نقاش سياسي مشروع يخضع لتقدير الرأي العام والمؤسسات الدستورية والناخبين.

الفصل بين التجربتين يمنح النقاش قدراً أكبر من الإنصاف. فالنجاح الذي تحقق في قطاع كرة القدم يعكس نجاح الدولة في بلورة رؤية ملكية بعيدة المدى أحسنت تحويل الرياضة إلى ورش استراتيجي، كما يعكس جودة التنفيذ الذي واكب هذا المشروع. وفي المقابل، تظل السياسات الحكومية مجالاً للنقاش والمساءلة وفق نتائجها الاقتصادية والاجتماعية. وعند هذه النقطة يستقيم التقييم، لأن كل تجربة تُقاس بمعاييرها، وكل مسؤولية تُوزن بحدود اختصاصها، وكل حصيلة توضع في سياقها الطبيعي بعيداً عن المبالغة في التمجيد أو الإدانة