منتدى العمق

انتخابات المغرب 2026: صراع الأضواء والخوارزميات

كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، لكن مقر حملة “الجيل الجديد” يضج بالحياة. شاشات عملاقة تعرض خرائط حرارية للمغرب، تضيء وتخفت مع كل تفاعل على منصات التواصل الاجتماعي. لم يكن الأمر مجرد حملة تقليدية، بل معركة خوارزميات، حرب نفسية تدار بأكواد برمجية. جلست هناك، كوب الشاي البارد بين يدي، أراقب عبد العالي، مهندس البيانات الشاب، وهو يومئ برأسه أمام شاشة تعرض تحليلا لحظيا لمشاعر الناخبين في حي شعبي بمكناس. الذكاء الاصطناعي لا ينام، ولا ينسى، ولا يكذب، همس لي، وعيناه يعكسان بريق الشاشات. “إنه يعرف الناخب أفضل مما يعرف نفسه.”

لم يكن عبد العالي يبالغ. قبل أسابيع قليلة، ومع إعلان موعد الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر 2026، انطلقت الأحزاب السياسية والمستقلون والشباب والشابات في سباق محموم لم يسبق له مثيل. لم تعد الساحات العمومية هي المسرح الوحيد، بل تحولت الشاشات الصغيرة في جيوب الملايين إلى ساحات معركة افتراضية. البرامج الانتخابية، التي كانت تطبع على الورق وفي كتيبات فاخرة وتوزع على استحياء، أصبحت الآن تصاغ وتعدل لحظيا بناء على تحليلات دقيقة للبيانات. حزب “منطلقون”، على سبيل المثال، أطلق منصة تفاعلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقديم برامج مخصصة لكل ناخب بناء على اهتماماته وتاريخه السياسي، وحتى سجله الاستهلاكي. نريد أن نصل إلى قلب كل مواطن، لا إلى أذنه فقط، صرح لي أحد قياديي الحزب، وهو يبتسم ابتسامة واثقة.

على الجانب الآخر، كان حزب “منفتحون” يعتمد على حملات إعلانية رقمية مكثفة، تستهدف الشباب و الشابات بشكل خاص. فيديوهات قصيرة، مؤثرون افتراضيون تم إنشاؤهم بالذكاء الاصطناعي، ورسائل شخصية تصل إلى هواتف الناخبين في أوقات محددة، كلها مصممة للتأثير على الرأي العام. رأيت بأم عيني كيف يمكن لخوارزمية أن تحدد الوقت الأمثل لإرسال رسالة معينة إلى ناخب معين، بناء على أنماط استخدامه للإنترنت وحالته المزاجية المتوقعة. كان الأمر أشبه بقراءة الأفكار، لكن على نطاق واسع.

لكن لم تكن كل الأحزاب تملك نفس الموارد. المستقلون، والشباب والشابات وحتى بعض الأحزاب الصغيرة، كانوا يصارعون للبقاء في هذه المعركة الرقمية. التقيت بـإسماعيل، مرشح مستقل في إحدى الدوائر الانتخابية بضواحي مكناس. كان يجلس في مقهى شعبي، هاتفه القديم بين يديه، يحاول جاهدا الرد على تعليقات الناخبين على صفحته المتواضعة. يقولون إن الذكاء الاصطناعي هو المستقبل، قال لي بمرارة، لكنني أرى أنه يوسع الهوة بين من يملك ومن لا يملك. صوتي بالكاد يصل إلى جيراني، فكيف سيصل إلى خوارزمياتهم؟ كانت كلماته تحمل ثقلا، ثقل الواقع الذي لا يمكن للبيانات أن تحلله بالكامل.

ومع اقتراب يوم الاقتراع، 23 شتنبر2026، ازداد التوتر. الشوارع لم تعد تعج بالملصقات واللافتات كما في السابق، بل أصبحت الشاشات هي التي تضيء وجوه المارة. النقاشات السياسية لم تعد تقتصر على المقاهي والمنتديات، بل تحولت إلى غرف دردشة مشفرة ومجموعات خاصة على تطبيقات المراسلة. كان كل حزب يحاول أن يخلق فقاعته المعلوماتية الخاصة، يغذيها بمحتوى مصمم بعناية، ويحميها من أي أصوات معارضة. شعرت وكأننا نعيش في عوالم متوازية، كل عالم له حقائقه ومرشحوه.

في يوم الاقتراع، كانت الأجواء مختلفة. هدوء غريب يلف الشوارع. صناديق الاقتراع، تلك الصناديق الخشبية والبلاستيكية الشفافة، بدت وكأنها بقايا من زمن آخر، صامدة أمام طوفان التكنولوجيا. رأيت نساء ورجالا، شبابا وشيوخا، يتوافدون ببطء، يحملون بطاقاتهم الوطنية، وعلامات التفكير العميق على وجوههم. هل تأثروا بالخوارزميات؟ هل غيرت الفيديوهات الموجهة قناعاتهم؟ أم أن صوت الضمير، والخبرة الشخصية، والحديث المباشر مع المرشحين، لا يزال له الكلمة الفصل؟

وقفت أمام أحد مراكز الاقتراع، أراقب الناخبين وهم يضعون أوراقهم في الصناديق. في تلك اللحظة، أدركت أن الذكاء الاصطناعي، بكل قوته ودقته، لا يزال يواجه تحديا كبيرا: الروح البشرية. تلك اللحظة الفردية، لحظة الاختيار الحر، التي لا يمكن لأي خوارزمية أن تتنبأ بها بشكل كامل. ربما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل، ويقنع، ويوجه، لكنه لا يستطيع أن يقرر بدلا من الإنسان. في النهاية، يبقى صندوق الاقتراع هو المكان الذي تتجسد فيه إرادة الشعب، بغض النظر عن مدى تعقيد الحملات الرقمية التي سبقتها. ومع كل ورقة اقتراع تسقط في الصندوق، كان هناك أمل خافت يضيء، بأن الديمقراطية، في جوهرها، لا تزال ملكا للناس، لا للآلات.