تتوافر في المغرب عناصر كثيرة تسمح ببناء مسار تنموي متين ، يتيح موقعه الجغرافي منفذاً استراتيجياً على فضاءات اقتصادية متعددة، ويهيئ استقراره السياسي شروطاً نادرة في محيط إقليمي مضطرب، كما شهدت بنيته التحتية خلال العقود الأخيرة تحولات واسعة، إضافة إلى أن الدولة راكمت خبرة معتبرة في تدبير المشاريع الكبرى. ومع ذلك، يظل سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: لماذا تبدو النتائج أقل من حجم الإمكانات؟ ولماذا تستغرق التحولات زمناً أطول من المتوقع رغم كثافة المبادرات والإصلاحات؟
هذا السؤال لا يقتصر على الحسابات الاقتصادية الصرفة. لأن الخبرة التاريخية في مسارات التنمية تؤكد أن الثروة لا تصنع التنمية وحدها، وأن المؤسسات لا تنتج أثرها تلقائياً، وأن القوانين لا تغير الواقع بمجرد صدورها. وبين النص والواقع، وبين المشروع والتنفيذ، وبين الإمكان والنتيجة، تمتد مساحة واسعة تتحكم فيها الثقافة الاجتماعية، وأنماط السلوك الجماعي، والصور الذهنية التي يحملها الناس عن السلطة والعمل والنجاح والمصلحة العامة.
لهذا السبب تفرض القراءة السوسيولوجية نفسها على أي محاولة لفهم المسار المغربي؛ فالمجتمعات لا يفسر مسارها القرار السياسي وحده، وإنما تصورات راسخة ترسخت عبر أزمنة طويلة، وغدت جزءًا من آليات التفكير والتصرف اليومي.
أحد أهم الأسئلة التي يطرحها الواقع المغربي يتعلق بطبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة. ففي كثير من المجتمعات الصناعية تشكلت عبر قرون طويلة فكرة المجال العام باعتباره قيمة قائمة بذاتها. المواطن هناك يدافع عن المدرسة العمومية لأنه يعتبرها ملكاً جماعياً، ويحترم الفضاء المشترك لأنه يرى فيه امتداداً لحقوقه الشخصية، ويشارك في الشأن العام لأنه يشعر أن مصيره مرتبط بمصير الجماعة الوطنية.
أما في المجتمعات التي تأخر فيها تشكل المجال العام، فإن الانتماءات الصغرى تحتفظ بقوة أكبر. العائلة، القرابة، شبكة العلاقات الشخصية، والانتماءات المحلية تظل أكثر تأثيراً من المؤسسة المجردة. ونتيجة لذلك تتجه الطاقات نحو حماية الدائرة القريبة أكثر من توسيع دائرة المصلحة المشتركة.
هذه المسألة ترتبط بتاريخ طويل من تشكل السلطة والعلاقات الاجتماعية. فالإنسان يميل بطبيعته إلى الاستثمار في المجال الذي يثق في فعاليته. وإذا ترسخ الاعتقاد بأن العلاقة الشخصية أسرع أثراً من القاعدة العامة، فإن السلوك الاجتماعي يتكيف مع هذا التصور ويعيد إنتاجه باستمرار.
من هنا تكتسب فكرة الفاعلية الجماعية أهمية خاصة. فالتنمية في جوهرها عملية تنسيق واسعة بين ملايين الأفراد. والنجاح الاقتصادي يحتاج إلى تعاون بين المستثمر والإدارة والعامل والمستهلك. نجاح المدرسة يحتاج إلى تعاون بين الأسرة والأستاذ والمؤسسة التعليمية. نجاح المدينة يحتاج إلى تعاون بين السكان والسلطات المحلية والمقاولات. أي خلل في هذا التنسيق يستهلك جزءاً مهماً من الطاقة الاجتماعية.
يواجه المغرب منذ عقود معضلة ترتبط بضعف هذا التنسيق. فكل فاعل يشتغل وفق منطقه الخاص، بينما تظل القدرة على بناء مشروع جماعي طويل النفس محدودة نسبياً. لهذا السبب تنجح أحياناً المشاريع التي تقودها الدولة بشكل مباشر، بينما تواجه المبادرات التي تتطلب مشاركة واسعة صعوبات أكبر.
ويتجلى هذا المعطى بوضوح في المجال السياسي. لأن الثقافة السياسية الحديثة تقوم على فكرة المواطن الذي يراقب البرامج ويحاسب الأداء ويقيم النتائج. أما الثقافة السياسية التقليدية فتعطي أهمية أكبر للأشخاص والعلاقات والرموز. وعندما تطغى الرمزية على البرامج، يتحول النقاش العمومي إلى ساحة للصراعات الانفعالية أكثر من كونه مجالاً للتفكير في السياسات العمومية.
هذه الظاهرة تؤثر مباشرة على جودة الحياة السياسية. فالسياسي يجد نفسه مدفوعاً إلى البحث عن الشعبية السريعة، والإعلام ينجذب نحو الإثارة، والرأي العام ينشغل بالقضايا الآنية، بينما تتراجع النقاشات المتعلقة بالإصلاحات الهيكلية التي تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها.
وتطرح المدرسة المغربية مثالاً بالغ الدلالة على هذه الإشكالية. فالمجتمع يطالبها بإنتاج فرص الشغل، وبناء الكفاءات، وترسيخ قيم المواطنة، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وصناعة النخب العلمية. غير أن هذه الوظائف المتعددة تحتاج إلى توافق ثقافي واسع حول قيمة المعرفة ذاتها.
في عدد كبير من الحالات ترتبط الدراسة بالبحث عن الشهادة وليس بتكوين القدرات. وتتحول الشهادة إلى وسيلة للارتقاء الاجتماعي بدل أن تكون نتيجة لمسار معرفي عميق. هذا التصور ينعكس على الأسرة والتلميذ والمؤسسة التعليمية في الوقت نفسه، فيضعف الحافز المرتبط بالمعرفة ويقوي الحافز المرتبط بالوضع الاجتماعي.
والأمر نفسه ينسحب على سوق العمل. فالمجتمعات التي بنت اقتصادات قوية رسخت عبر أجيال طويلة قيمة الإنجاز والإتقان والتخصص. أما المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية، فإنها تحمل في الوقت ذاته قيماً حديثة وأخرى موروثة من اقتصاد الندرة واقتصاد الحماية. ونتيجة لذلك تتعايش ثقافتان متنافستان: ثقافة ترتبط بالكفاءة والإنتاج، وثقافة ترتبط بالموقع والعلاقة والفرصة العابرة.
ويفرض عامل الزمن حضوره في فهم هذه التحولات، لأن بناء الأمم لا يخضع لمنطق النتائج الفورية، وإنما لمنطق التراكم الممتد عبر الأجيال. لذلك استطاعت الأمم التي صنعت قفزاتها الكبرى أن تستثمر في التعليم قبل أن تجني ثماره، وفي البحث العلمي قبل أن يتحول إلى صناعة، وفي بناء المؤسسات قبل أن تنعكس آثارها على النمو الاقتصادي.
أما المجتمعات التي تنشغل بالمكاسب القريبة، فإنها تجد صعوبة في بناء تراكم تاريخي مستمر. فكل جيل يبدأ من نقطة قريبة من نقطة البداية، وتتعرض الخبرات المكتسبة للتبديد بدل التحويل إلى رأسمال جماعي متزايد.
ومن زاوية أخرى، تطرح مسألة النخب سؤالًا أساسيًا؛ فكل مشروع تنموي يحتاج إلى نخب تمتلك القدرة على صياغة رؤية مشتركة للمستقبل قبل الانشغال بصناعة القرار. فالتنمية ليست شبكات طرق ومناطق صناعية فحسب، وإنما مشروع وطني يمنح المجتمع وجهة واضحة، ويجعل التضحيات الآنية استثمارًا في مكاسب مؤجلة. لذلك يحتاج المواطن إلى أن يدرك لماذا يضحي اليوم، ولماذا يصبر، ولماذا يشارك في الجهد الجماعي. وقد امتلكت الأمم التي حققت تحولات تاريخية نخبًا سياسية وفكرية وثقافية استطاعت أن تحول التنمية إلى قضية وطنية جامعة. أما المجتمعات التي تعاني ضعف النخب الوسيطة، فتفقد قدرتها على إنتاج رؤية مشتركة، وتتراجع تبعًا لذلك قدرتها على تعبئة الطاقات الاجتماعية.
كما أن النقاش حول التنمية في المغرب يرتبط بقضية أخرى تتمثل في توزيع المسؤولية. فجزء من الخطاب العمومي يضع الدولة في مركز كل تفسير، وكأن المجتمع يقف خارج المعادلة. وجزء آخر يحمل المجتمع وحده مسؤولية الاختلالات. والحقيقة أن التنمية عملية تشاركية تتقاطع فيها أدوار متعددة.
الدولة تنتج القواعد والمؤسسات والسياسات العامة. المجتمع ينتج القيم والسلوكيات وأنماط التعاون. الاقتصاد ينتج الثروة. المدرسة تنتج الكفاءات. الثقافة تنتج التصورات الجماعية. أي خلل في أحد هذه المكونات ينعكس على المنظومة بأكملها.
ولهذا السبب تبدو الحاجة ملحة إلى انتقال ثقافي عميق يضع الفاعلية الجماعية في قلب المشروع الوطني. لأن السؤال المركزي لم يعد متعلقاً بامتلاك الموارد أو غيابها، وإنما بقدرة المجتمع على تحويل الموارد المتاحة إلى قوة منظمة ومستدامة.